بجعة المحروسة

28 يونيو 2020
تمدّدت البجعة العجوز على كومة القش، انفطر قلبها ولم تقو على التحمل، هجر ذكرها العش وراح يبحث عن أخرى، تركها وحيدة تصارع الذكريات الأليمة، ورجم صِبية ثلاث بيضاتٍ من بيضها؛ فتناهبت الهموم كبدها المقروح، ورحلت إلى غير رجعة!

ماتت البجعة وهي تكتم أنينها، مرّ شريط طويل خلال لحظات احتضارها، أبصرت ذكرها وقد تحوّل فجأة إلى مراهق، يرتدي الألوان الفوسفورية، يشارك مقولات عن الحب والوله والدلع، تصابى لمّا التقى بجعةً صغيرة على كورنيش النيل، وبدأ يغزل خيوطًا حول السندريلا الصغيرة، وأهمل عشه وبجعته الأولى.

لم يعرف مجتمع البجع الخيانة يومًا، فأفراده يحملون قدرًا من طهارة الريش الأبيض، يتزوج البجع مرة واحدة في العمر، يعتنق مذهب نزار قباني (أنا ما كنتُ يومًا شهريار/ لا ولا أحرقتُ بالحبِّ أكبادَ النساء/ كنتُ دومًا رجلًا لامرأة واحدة/ وعاشقًا جيدًا وأحادي الولاء)، لكنَّما تغير هذا الذكر تغيُّرًا مفجعًا، زلزل كيان أنثاه وأفقدها القدرة على التحمل.

في بيان وفاتها، قالت منظمة Swan Lifeline إن البجعة ماتت مكسورة القلب، إذ فقدت شريك حياتها، ربما مات أو هجرها أو اختفى في ظرفٍ غامض، أو أهلكه "كوفيد-19"، المهم أنه رحل عنها، واستطردت المنظمة: كان بوسعها أن تلتحق بآخر، أو تقاوم وحدها طويلًا، لكنها آثرت الرحيل.


كتمت عن المنظمة تفاصيل شتى، رحلت ومعها سرها مثلما رحلت فيفيان ماير، وإن تركت ماير صندوقًا وشى بعبقريتها في عالم التصوير، إلا أن البجعة المكلومة لا تملك موهبة ماير. أصيبت بذبحة صدرية يوم تأبطها ذكرها إلى بحيرة قريبة من بعض الفنادق، توهمت أنه سيعيد إلى رومانسيتهما سيرتها الأولى.

بُعيد قليل، أقبلت بجعةٌ في سن ابنتها، وتحول اهتمام ذكرها عنها إلى البجعة الصغيرة، بالغ في الاهتمام بها، وللمرة الأولى يحمل هاتفًا ذكيًا ويصوِّر البجعة الآنسة، تجمّعت في سحنته كل علائم المراهقة، وتغامز الناس به وأزروا بعقله وسوء صنعه، لم تجرؤ أن تصارح الحسناء الصغيرة بما تكابده، وليس من حقها أن تلوم إلا ذكرها.

اشتعلت نيران الغيرة في صدرها، جلست إلى ذكرها تطارحه الغرام، وهو يتشاغل عنها ويغيّر دفة الحديث يمنة ويسرة؛ فنقلت رحى الحرب الباردة إلى "فيسبوك"، وعمدت إلى قاموس الأمثال الشعبية علَّ ذكرها يستفيق، "الشايب لمّا يدلّع زي الباب لمّا يتخلّع"، و"اللي خدته القرعة تاخده أم الشعور"، و"بكرة نقعد ع الحيطة ونسمع الزيطة"، ولم تفلح طريقتها في إثناء ذكرها عن تغالمه وتصابيه.

وقتها، انتقلت إلى المستوى الثاني، علّقت على منشورات ذكرها الرومانسية، وكأنها تقول للحسناوات "نحن هنا"، خطة أخرى غير ذات جدوى، لكنه قلب البجعة حين تأكله الغيرة، وفي الطريق كتبت تعليقات على صفحة السندريلا إياها، تأججت النيران في صدرها، كانت تتمنى أن تتوج حياتهما بالأمن والسكون، وأن يقدّر ذكرها تجاعيد الذكريات، ويحافظ على سمعة بيته وبناته وألا يجرح أفئدتهم بتصرفات سخيفة.

وحدثّت البجعة نفسها: ألم أكن يومًا في جمال تلك السندريلا إن لم أكن أجمل؟ ألم يقل لي يومًا إني أجمل من فاتنة الستينيات شارون تايت؟ أيستجهن اليوم مني وينقم عليَّ تجاعيد ريشي؟ ألم أكن يومًا سندريلا يخطب ودي القاصي والداني؟ ألم أترك ذكور الأرض وأرضى به شريكًا؟
لم أنقِم عليه تهدُّل بطنه وتدهور صحته وتساقط ريشه؟ وهذه البجعة الصغيرة، وإن ظنت نفسها حسناء الأرض الوحيدة، ستذوق يومًا كأسي هذه، لكنني الآن.. هل أتكلم إليها؟ وماذا أقول؟ أتوسل إليها لتبتعد عن شريكي؟ ماذا إن رفضت طلبي؟ آه لو يُمهلني القدر حتى أراها يومًا في موقفي، مسحت دموعها بيديها قائلة: سأكيدن له كيد البجع، وهذه الآنسة سيقتص منها تعاقب الحدثان.

لم تكن الأمور كما تصورتها البجعة العجوز، ولعلها كانت وفق بعض تصورها؛ فالصغيرة ضاقت ذرعًا بهذا الشيخ، وإن هام بها فلا سيطرة لها على قلبه، لكنها لم تشجّعه على ذلك طويلًا، أو ربما شجعته لُمامًا فلما زاد الأمر عن حده، ألقت في وجهه هداياه، وأبعدته عن طريقها دفعة واحدة، لم تغفر مكالماته الطويلة عندها قيد أنملة. حينها، شعر بالإهانة والامتعاض، وكشف عن ساق الحمق، واتهم الصغيرة بالخيانة والأنانية، ولم يتبين خسائره وواصل نزف كرامته، وبث من أسرارها الشيء الكثير، ولات حين ندم.

دخلت البجعة دوامة سكرات الغيرة، واستمرأت الاستسلام للأمر الواقع، لكنها قررت أن توجع كبد ذكرها، وكادت به حتى نجحت، وفجأة توقف سيل الهيام والشوق والحنين، واختفت كل ملامح الفحولة المتأخرة، ومعها، لكن أشياء تغيّرت للأبد، كسّر الصِبية البيض، لكن ذكر حطم قلبها وأدمى كبدها، وتهاوى العش وانزوى الأمل.

ماذا عن البجعة الصغيرة؟ هل أحبته؟ هل رأت فيه حنان أبٍ ابتلعته الغربة؟ في بواكير حياتها أحبّت ذكرًا انفصل لتوه عن أنثاه، تُرى عاودها الحنين لتكرار التجربة؟! أم ابتلعتها دوامة الماضي، تتأرجح عواطفها بين "أنا زي الفريك ما يحبش شريك"، وتارة "وإيه يمنع"، وسيمضي العمر وتزحف جيوش التجاعيد نحو الصغيرة، ولعلَّها تعيش مأساتي وتعذِّب نفسها: هل يهجرني يومًا ويسيل لعابه حين يرى بجعة أصغر؟! فما أسرع تعاقب الأيام، والحياة دايِن تُدان.

عطفت العجوز على حالها فجأة، وأسبلت دمعتين، وبينما تنظر تجاه طلخا تمتمت: إني أقل ألمًا منك يا ابنتي! هذا ذكرٌ تجرّد من كل مقومات الحياة، قلبه أقسى من حجر بسنوات ضوئية، أغرى ذكرًا بتدنيس فراشه، لا لشيء إلا ليتبرأ منكِ، وليدور في فلك أخرى بأي ثمن، حتى وإن اشترى بخسًا وباع غاليًا، وهل بعد الشرف من غالٍ؟

قيل قديمًا إن أرفع مقامات العشق بين الحمام، تناسى هؤلاء أن مجتمع البجع عاش المشاعر ذاتها، والآن ماذا إن استفاق هذا شيخي من سكرته؟ هل أحتويه بجناحي؟ أو عاد يجر أذيال الخيبة باكيًا من الصغيرة دمًا، لا! لن أقبله، سأقول له بكبرياء "الحُبُّ يا عمري تُمزقه الخطايا/ قد كنتَ يومًا حُبَّ عُمري قبل أن تهوى سوايا".