مدارس مصر بلا مدرّسين

02 أكتوبر 2019
الصورة
تعليمهم مهدّد (محمد الشاهد/ فرانس برس)
بعد أكثر من أسبوعَين على بداية العام الدراسي الجديد في مصر، ثمّة نقص كبير في المدرّسين، الأمر الذي يمثّل أزمة في الإدارات التعليمية بمختلف محافظات البلد، علماً أنّ النقص يطاول مدرّسي معظم المواد مثل اللغة العربية والرياضيات واللغة الإنكليزية والدراسات الاجتماعية والعلوم. والأزمة التي تُسجَّل في القرى والمدن، يعيدها مراقبون إلى الحكومة المصرية ووزارة التربية والتعليم، على خلفية وقف تكليف خرّيجي كليات التربية منذ 21 عاماً، فصارت مهنة التدريس متاحة لخريجي كل الكليات. أمّا النتيجة فتدهور العملية التعليمية وتفشّي الدروس الخصوصية، بالإضافة إلى ابتعاد الطلاب عن كليات التربية.

وتلك الأزمة دفعت التلاميذ إلى التغيّب عن المدرسة، إذ إنّ أولياء أمورهم لا يشعرون بالثقة، لا سيّما في المرحلة الابتدائية، وتحديداً في محافظات الصعيد. وقد عمد موجّهو المواد في الإدارات التعليمية، سواء تلك الموجودة في محافظات الوجه القبلي (الصعيد) أو الوجه البحري، بالتحايل على الأزمة التي تتكرر في كل عام مع بداية العام الدراسي. ومن تلك الحِيَل نقل عدد من المدرّسين من مدارس إلى أخرى، الأمر الذي خلّف حالة من الاستياء بين بعض هؤلاء المدرّسين، فمن شأن ذلك أن يزيد أعباءهم المالية.




وبهدف التغلّب على الأزمة، كان حلّ يقضي باستقبال التلاميذ في المدارس يومَين أو ثلاثة أيام فقط في الأسبوع، وذلك بمعرفة الإدارات التعليمية إنّما من دون إبلاغ المديريات في المحافظات، إذ إنّ ذلك مخالف للقانون. لكنّ ثمّة مدرّسين يؤكدون لـ"العربي الجديد" أنّ وكلاء الوزارات في المحافظات على علم بذلك، لكنّهم يتصرّفون من منطلق أنّ كلّ إدارة تسيّر أمور المدارس الخاصة بها وفق معرفتها من دون تصدير أيّ مشكلة إلى الوزارة.

في سياق متصل، لجأت مدارس في قرى محافظات الصعيد، "سوهاج وقنا والأقصر"، إلى الاستعانة بأبنائها الخرّيجين العاطلين من العمل لتدريس أبنائها بهدف سدّ العجز، فيما راحت تجمع تبرّعات من الأهالي. يُذكر أنّ ذلك لم يحدث من قبل، لكنّه أتى للسيطرة على غضب أولياء الأمور إزاء حالة التردي والانهيار في المدارس، خصوصاً في مراحل التعليم الأساسي (المرحلة الابتدائية). كذلك لجأت مدارس في الصعيد إلى الاستعانة بمدرّسي التربية الفنية (الرسم والموسيقى) والتربية الرياضية، الأمر الذي فسّره البعض بأنّه يهدف إلى السيطرة على فوضى التلاميذ فقط وليس منحهم أيّ دروس.

يقول موجّه رياضيات في إحدى محافظات الصعيد الذي يعرّف عن نفسه باسم محمد مسعود، لـ"العربي الجديد"، إنّ "مرحلة التعليم الأساسي هي أكثر المراحل التي تعاني من عجز المدرّسين، بالإضافة إلى المرحلة الثانوية التي ينقصها مدرّسو مواد علميّة". ويؤكد أنّ "نقص المدرّسين تحوّل إلى أزمة طبيعية اعتاد عليها أولياء الأمور وكذلك المدرّسون في محافظات الصعيد سنوياً، أمّا نتيجتها فتلاميذ ينهون عامهم الدراسي من دون تحصيل الحدّ الأدنى من المقررات التعليمية". ويتحدّث مسعود عن "حالة من الاستياء في قرى محافظات الصعيد، مع وقفات احتجاجية من قبل أولياء الأمور وأعضاء مجالس الآباء في المدارس، بسبب عدم وجود مدرّسين. كذلك ثمّة حالة فوضى في المدارس". ويشير إلى أنّ "الإعلام بمختلف وسائله مغيّب عمّا يحدث في مدارس الصعيد من أزمات مختلفة، على الرغم من توفّر مبانٍ تعليمية جيّدة".

من جهتهم، يتّهم كثيرون من أولياء الأمور وزارة التربية والتعليم بالتقاعس في ما يتعلق بعدم الاهتمام بأبنائهم، مؤكّدين أنّ وزير التربية والتعليم الدكتور طارق شوقي ووزارته يهتمان فقط بمداس القاهرة فيما يهملان مدارس الأرياف. ويقول عبد الفتاح محمود، وهو أحد أعضاء مجلس الآباء في إحدى المدارس المتضررة، لـ"العربي الجديد"، إنّ "الأطفال يذهبون إلى المدرسة ويعودون من دون أن يحصّلوا أيّ تعليم، وقد تقدّمنا بشكاوى عدّة للجهات المسؤولة فوُعِدنا بسدّ العجز في التخصصات الناقصة". ويصف محمود ما يحصل في مدارس الصعيد خصوصاً بـ"المهزلة"، متسائلاً: "إلى متى تستمرّ أزمة العجز في المدرّسين؟".




أمّا أستاذ المناهج في كلية التربية بجامعة عين شمس، الدكتور حسن شحاتة، فيؤكّد أنّ "عودة تكليف خرّيجي كليات التربية صار ضرورة مُلحّة في الوقت الراهن، مع حصر مسابقات التعيين في المدارس على خرّيجي تلك الكليات". ويتساءل: "كيف يكون العجز كبيراً في كلّ المواد المدرّسة فيما لدينا آلاف من خرّيجي كليات التربية لا يعملون وهم في الشارع عاطلون من العمل أو يشتغلون في مجالات أخرى؟". يضيف شحاتة أنّ "الهدف من إنشاء كليات التربية هو تخريج مدرّسين، والطالب يلتحق بتلك الكليات بعد حصوله على مجموع مرتفع في الثانوية العامة ويدرس لمدّة أربعة أعوام حتى يصير مؤهّلاً للتدريس". ويشدّد على أنّ "أحد الأسباب الرئيسية لتدهور العملية التعليمية في مصر هو إلغاء تكليف طلاب كلية التربية الذي تمّ في عام 1998 وفتح المجال أمام خرّيجي أيّ كلية للعمل كمدرّسين".