مخيمات سورية... حرّ الصيف يحاصر النازحين

22 اغسطس 2020
الصورة
أوضاع قاسية جداً يعيشها النازحون (محمد عبد الله/ الأناضول)
+ الخط -

في مخيم الركبان للنازحين السوريين، يعيش هؤلاء في الوقت الراهن أهوال فصل الصيف وحرّه الشديد، فالمخيم يقع في منطقة صحراوية قاحلة عند المثلث الحدودي بين سورية والأردن والعراق، وهو محاصر من النظام السوري وروسيا منذ أكثر من عام، فيما درجات الحرارة المرتفعة فيه لا تحتمل، وبيوت النازحين الطينية وخيامهم بالكاد تصمد أمام العواصف الغبارية.
الناشط عمر الحمصي الذي يقيم في المخيم يتحدث إلى "العربي الجديد" عن الصيف هناك، ويقول: "بسبب ارتفاع درجات الحرارة بشكل كبير وعدم توفر المياه النقية الصالحة للشرب، نعاني من مشاكل كثيرة في مقدمتها حالات الإسهال لدى الأطفال والتهاب الأمعاء، ونواجه مشكلة عدم توفر الأدوية في كثير من الأوقات بسبب تشديد النظام حصاره للمخيم، فهو يمنع بالدرجة الأولى دخول الأدوية، وفي الصيف الماضي وقعنا بأزمة مياه بسبب انقطاعها من الأردن". 
وعن المياه وتوفرها في الوقت الحالي، يوضح الحمصي أنّ قلة عدد النازحين المقيمين في المخيم حالياً وفرت كمية أكبر من المياه عما كانت عليه في الصيف الماضي، فالعدد الحالي يقترب من 12.700 نازح. ومن أكثر ما يؤرق نازحي المخيم في الوقت الحالي كما يؤكد الحمصي، العواصف الغبارية، فبيوت المخيم الطينية غالباً مسقوفة بالقصب والأخشاب، ونوافذ هذه البيوت بطانيات تعلق بأوتاد، وعند هبوب أيّ عاصفة تغلق هذه النوافذ بالوسائد أو بما هو متاح. ويقول: "يصعب إغلاق أبواب البيوت خلال العواصف، فالرمل يدخل إليها، ويكسو سكانها. يبقى الناس في المخيم على هذه الحال حتى زوال العاصفة، ويحتمي النازحون ببعض الأقمشة، من شماغات وشالات وغيرها". ومع انتهاء العاصفة يسارع النازحون لنفض الرمل والأتربة عن ممتلكاتهم، كما يشير الحمصي، مضيفاً أنّ العواصف الغبارية ونقص المواد الغذائية والأدوية في الوقت الحالي هو أقسى ما يواجه نازحي المخيم في فصل الصيف، فيما حالتهم تزداد سوءاً مع غياب المساعدات الإنسانية عنهم.

ويذكر أحد نازحي المخيم لـ"العربي الجديد" أنّ موجات الحرّ التي تضرب المخيم تجعل الحياة لا تطاق، فهي تشعره بالاختناق ولا يملك غير أن يبلل قطعة من القماش يلف بها رأسه ويبلل ملابسه لمواجهة الحرّ، وهكذا يفعل كثيرون في المخيم الذي يغيب عنه التيار الكهربائي.
تكتظ المخيمات في مناطق شمالي غرب سورية بالنازحين، الذين يواجهون مشاكل كثيرة في فصل الصيف في مقدمتها مشاكل الرعاية الصحية كما يوضح مدير فريق "منسقو استجابة سورية" محمد حلاج الذي يقول لـ"العربي الجديد": "اليوم، هناك منظمات تعمل على موضوع العيادات المتنقلة في بعض المستوصفات في المدن والمخيمات المحيطة، ويلجأ الأهالي لها، وهذا بشكل عام غير كاف ونحن بحاجة لزيادة المراكز الطبية أو الصحية ضمن المخيمات، فالعيادة المتنقلة قد تأتي يوماً أو يومين إلى المخيم لا أكثر". أيضاً، يواجه النازحون مشاكل في التبريد في هذه المخيمات كما يؤكد حلاج: "بالنسبة للتهوئة والتبريد في مخيمات الشمال السوري لا يوجد شيء مقدم من قبل المنظمات في هذا الخصوص. الأهالي يعمدون لشراء المراوح التي تعمل على البطاريات لتخفيف حدة الحرارة في فصل الصيف لا أكثر ولا أقل، وطبعاً لا يمكن تقديم مكيفات لهذه المخيمات من قبل المنظمات، لكن يتطلب الأمر تحسين عزل الخيم للحرارة، فأغلب المخيمات أو نسبة كبيرة منها غير مجهزة لهذا الأمر، وهذه المشكلة يعاني منها النازحون في فصلي الصيف والشتاء على حدّ سواء".
وفي فصل الصيف، تظهر بشكل كبير تداعيات مكبات النفايات على النازحين خصوصاً في تلك المخيمات القريبة من هذه المكبات ويوضح حلاج: "هذه المشكلة حالياً هي العائق الأكبر ونحن نركز على المخيمات العشوائية بشكل أكبر كون هذه المخيمات محدثة وجديدة، ولم يجرِ تنسيقها أو تصنيفها حتى الوقت الحالي، وهذا الأمر يؤدي إلى انتشار الأمراض، خصوصاً اللشمانيا والأمراض الجلدية. وفي أحد المخيمات المكون من 150 خيمة واجهنا 200 إصابة باللشمانيا. ولمواجهة كلّ هذا لا بدّ من تجهيز الصرف الصحي بشكل صحيح، كون المياه الآسنة في المخيمات مكشوفة، وهو ما يسبب مشكلة كبيرة أيضاً". 
ويلفت حلاج إلى أنّه بالنسبة لحملات الوقاية من فيروس كورونا الجديد، فإنّها لم تشمل جميع المخيمات، فلا قدرة لدى المنظمات على تقديم وسائل الوقاية للنازحين في المخيمات مثل القفازات والمعقمات والكمامات، أما التباعد الاجتماعي فشبه معدوم فيها بسبب الكثافة السكانية المرتفعة جداً، فبين الخيمة والخيمة ليس هناك غير متر واحد، وفي الخيمة الواحدة قد توجد عائلة كاملة وربما عائلتان". ويوصى حلاج بتفعيل الدعم بشكل أكبر وتقييم الاحتياجات بشكل صحيح، ويقول: "نحن اليوم نحاول تقييم الاحتياجات بشكل عام للنازحين لتوصيل المساعدات بشكل عام لكلّ النازحين الموجودين في المخيمات".

الحشرات تنتشر بكثرة في الصيف، إن لم تتولَّ أيّ منظمة رش المبيدات


في المخيمات الواقعة بالقرب من الشريط الحدودي بين سورية وتركيا، شمالي محافظة إدلب، ليس أمام النازحين سوى شراء ألواح الثلج للحصول على الماء البارد، فلا كهرباء متاحة أو حتى ثلاجات. أبو محيو، أحد نازحي مخيم حارم يلجأ لشراء ألواح الثلج لتبريد ماء الشرب، فيما ثمن القطعة الواحدة بطول 20 سنتيمتراً يصل إلى نحو 200 ليرة سورية (0.10 دولار)، ما يزيد من العبء عليه وعلى غيره من النازحين في المخيم. 
يقول أبو محيو لـ"العربي الجديد": "نعاني من حرارة الخيام أثناء الصيف وارتفاع درجات الحرارة، إذ يجب أن تكون الخيام مجهزة بمراوح وعوازل للحرارة. ومن المشاكل أيضاً الحشرات التي تنتشر بكثرة في الصيف خصوصاً، إن لم تتولَّ أيّ منظمة عملية رش المبيدات في المخيم".
ويتخوف النازحون في مخيم حارم أيضاً، من الأفاعي والعقارب كما يشير أبو محيو، إذ يؤكد أنّه لم يتم تسجيل أيّ لدغات حتى الآن. ومما يعانيه النازحون في المخيم منذ أكثر من عامين هو الحرمان من الحصص الغذائية والخبز. والحلّ النهائي من جميع المشاكل عودة النازحين والمهجرين إلى بلداتهم وبيوتهم كما يقول أبو محيو.
مجدي فيضو المقيم في مخيم خربة الجوز يخبر "العربي الجديد" أنّ أكثر ما يشتكي منه نازحو المخيم و يعانونه هو ضربات الشمس خلال فصل الصيف بسبب الحرارة العالية، والنازحون في المخيم يلجؤون للماء لتخفيف درجات الحرارة، كما يعانون أيضاً من قلة المياه، وهناك مخاوف دائمة على الأطفال خصوصاً، بسبب الأفاعي والعقارب التي تنتشر في المنطقة والتي تنشط مع ارتفاع درجات الحرارة، فهي تتسلل إلى الخيام وتثير خوف النازحين.

وفي مخيمي دير بلوط والبل، ويقع الأول في منطقة عفرين والثاني في منطقة أعزاز، تتشارك الأسر الفلسطينية والسورية المعاناة نفسها في فصل الصيف. ويؤكد ناشط في المجال الإنساني لـ"العربي الجديد" أنّ الخيام لا تحمي سكانها من حرّ الصيف، كما لم تحمهم من برودة الشتاء، والفيضانات التي دمرت بعضها. ويضيف: "هناك شح كبير في المياه، كما تنقطع عدة مرات، والماء الذي يجري إحضاره إلى المخيمات يفتقر للمعايير الصحية كونه من مياه الآبار، فيما فصل الصيف يجلب العديد من أنواع الحشرات الضارة والفئران والأفاعي". ويلفت إلى أنّ أكثر حشرة عانى منها الأهالي هي ذبابة حلب التي تسبب اللشمانيا. ويفتقر المخيمان للمعايير الصحية والبنى التحتية، وأهمها الصرف الصحي الذي يعتمد على الحفر الفنية، كما يضيف.

عند هبوب أيّ عاصفة رملية تغلق نوافذ الركبان بالوسائد أو بما هو متاح


في الإطار نفسه، يؤكد مصدر خاص لـ"العربي الجديد" أنّ مخيمات النازحين في محافظة الحسكة، شمالي شرق سورية، تفتقر بالدرجة الأولى إلى الكهرباء والمياه تحديداً في فصل الصيف، كما تتفشى فيها الأمراض مع ارتفاع درجات الحرارة. وتطالب المنظمات الإنسانية الدولية خصوصاً تلك التابعة للأمم المتحدة ببذل جهود أكبر للتخفيف عن النازحين، خصوصاً دعم المراكز الصحية التي تواجه ضغوطاً كبيرة في موجات الحر. ويضيف المصدر: "النازحون يحتاجون إلى توفير الكهرباء والمراوح ومياه الشرب، فضلاً عن الحاجة لمكافحة الحشرات والأفاعي بشكل مستمر، لكن للأسف حتى الوقت الحالي لم تبادر المنظمات الإنسانية بأيّ من الخطوات للتخفيف عن النازحين في فصل الصيف، وسيعيش النازحون بهذه المخيمات المعاناة والظروف نفسها التي مروا بها في الأعوام الماضية".
وتعيش سعدية الخالد في مخيم العريشة، جنوبي الحسكة، وقد اعتادت على ظروف الحياة هذه مع أسرتها وتشير لـ"العربي الجديد" إلى أنّه في فصل الصيف تتبدل طرقات المخيم الموحلة بالغبار الأبيض الذي يتسلل إلى الخيام مع هبوب الريح، وتقول: "الحرّ هنا لا يطاق، والخيمة تتحول إلى فرن، فيما رائحة البلاستيك فيها مع ارتفاع درجة الحرارة تسبب الغثيان. الغبار أهون من الاختناق بالنسبة لنا، لذلك نجبر على فتح الخيمة في ساعات الظهيرة".

المساهمون