تراجع مياه نهر دجلة يهدّد العراق بصيف قاس

03 يونيو 2020
الصورة
منسوب المياه إلى انخفاض (صباح عرار/ فرانس برس)
نقص المياه تهديد يطاول العالم ككلّ، فتمضي الدول، كلّ على حدة، في محاولات لإيجاد حلول تجنّبها أزمات ذات صلة. لكنّ دولاً عدّة تجد نفسها ضحيّة لتلك المحاولات من جهة ولعدم جديّة سعيها من جهة أخرى، والعراق من بينها

في الشهر الماضي، ما إن بدأت الحكومة التركية بتشغيل أوّل توربين في سدّ أليسو الواقع على نهر دجلة جنوب شرقي البلاد، على الحدود مع العراق، حتى لاحظ العراقيون انخفاضاً في معدّل المياه في النهر الممتدّ على طول بلاد الرافدَين، وهو ما دفع مختصين إلى الاستعجال في التحذير من احتمال وقوع أزمة مياه مع اقتراب موسم الصيف، تحديداً في خلال شهر يوليو/ تموز المقبل عندما تصل درجات الحرارة في بعض المناطق العراقية إلى نصف درجة غليان المياه تقريباً.



وبعد أكثر من أربعة أعوام من التأجيل، بدأت تركيا بملء خزان سدّ أليسو، بحسب ما صرّح به الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي أعلن أنّ أنقرة باشرت بتشغيل واحد من ستّة توربينات للسدّ، وهو ما يعني تراجع كمية المياه التي تصل إلى العراق من نهر دجلة بحسب ما حذّر خبراء. يُذكر أنّ مجرى السدّ يمتدّ على نحو 1718 كيلومتراً، 1400 كيلومتر منها في داخل العراق، وهو من أكبر السدود المقامة على نهر دجلة بطول 1820 متراً وارتفاع 135 متراً وعرض كيلومترَين فيما تُقدَّر مساحة حوضه بنحو 300 كيلومتر مربع. كذلك يستوعب في حالة امتلائه كلياً بالمياه ما يقرب من 20.93 مليار متر مكعّب، وبحسب الحكومة التركية فإنّه سيولّد 1200 ميغاواط من الكهرباء ليصير رابع أكبر سدّ في تركيا لجهة الطاقة الإنتاجية. لكنّ المخاوف تزداد في العراق من نقص المياه وما سيتسبّب فيه من تراجع في الزراعة وتقليص كميات المياه الموزعة بين المحافظات العراقية.

في السياق، يقول عضو البرلمان العراقي عامر الفايز لـ"العربي الجديد" إنّ "المخاوف تجدّدت من عودة أزمة شحّ المياه في العراق، مع بدء تشغيل سدّ أليسو التركي. وحتى الآن لا نعرف إن كانت الحكومة العراقية قد اتفقت مع أنقرة على حصّة العراق وضمان عدم تضرّره، كذلك فإنّ مستقبل العراق المائي غير واضح بالنسبة إلى الرأي العام". يضيف الفايز أنّ "تركيا تتصرّف أحياناً كما لو أنّ نهرَي دجلة والفرات هما نهران داخليَّان فيها وليسا دوليَّين ولبلدان أخرى حقوق فيهما، وبالتالي فهي تبني السدود من دون أخذ مصالح الدول الأخرى بعين الاعتبار". ويتابع الفايز أنّ "مدن جنوب العراق ستتأثر كثيراً بانخفاض منسوب نهر دجلة من المياه، وقد تلجأ السلطات في البلاد عند اشتداد الأزمة إلى اتخاذ إجراءات تقشفية بالمياه وحظر زراعة بعض المحاصيل مثلما حصل في مرّات سابقة". ويشير الفايز إلى أنّ "السياسة المائية في العراق فشلت طيلة السنوات الماضية في الحوارات الدبلوماسية مع الجانب التركي، وفشلت كذلك في توفير السدود والنواظم الجديدة التي تحافظ على المياه".

ويعاني العراق، منذ سنوات، انخفاضاً في منسوب مياه نهرَي دجلة والفرات بسبب تراجع مناسيب مياه الأمطار في فصل الشتاء، تُضاف إليها التجاوزات التي تأتي بها جماعات مسلحة وعشائر تطاول الحصص المائية، وهو ما دفع الحكومة العراقية إلى اتخاذ إجراءات مثل حظر زراعة محاصيل مهمّة مثل الأرزّ، وقد أدّى ذلك إلى هجرة المزارعين لأراضيهم، فيما شهدت مدينة البصرة في منتصف عام 2018 احتجاجات على خلفية عدم توفّر مياه صالحة للشرب.

من جهته، يشير سلام محمد، وهو عضو في جمعية "حماة دجلة" المتخصصة في المياه والبيئة، إلى أنّ "العراق لم يخض أيّ حوارات جادة مع تركيا بشأن سدّ أليسو وأضراره على البلاد، وهذا ما أكّده مسؤولون عراقيون". ويقول محمد لـ"العربي الجديد" إنّ "العراق يواجه خطر الجفاف منذ عام 2012، لا سيّما أنّ تركيا وإيران تتجاوزان على حصّة البلاد من المياه إذ عملا على إنشاء السدود وتغيير مسارات بعض المجاري من دون التشاور مع العراق، على الرغم من أنّ التشاور في مثل تلك الحالات أمر ملزم بموجب القانون والأعراف الدولية". يضيف محمد أنّ "العراق في حاجة إلى اتفاق مائي جديد ينسجم مع الأعراف والقوانين الدولية التي نضمن من خلالها حقوقنا المائية وحصصنا من نهرَي دجلة والفرات".



في السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي العراقي عبد الرحمن المشهداني لـ"العربي الجديد" أنّ "تركيا باشرت بتشغيل التوربين الأوّل في سد أليسو على نهر دجلة، وليست هنا المشكلة إنّما هي في احتمال قطع المياه بشكل كامل عن العراق لتأمين موارد ما تبقّى من مشروع السد". ويؤكد المشهداني أنّ "الآثار الاقتصادية على العراق ستكون كبيرة، خصوصاً أنّ العراق ما زال يستخدم الأساليب التقليدية في الريّ وتبديد المياه بشكل غير اقتصادي".
تعليق: