محمد م. الأرناؤوط: عن المَعيش اليومي للبشانقة

30 ابريل 2019
الصورة
(مأدبة إفطار في رمضان الماضي بمدينة سراييفو، مصطفى أوزتورك)

منذ عقود قليلة، أصبحت الأبحاث التاريخية تعتني أكثر بالمظاهر الاجتماعية وجوانب الحضارة المادية التي تُشكل نسيج المعيش اليوميّ وتنظم معاملات الناس العَفويّة كالشعائر الدينية ومواضعات التبادل التجاري وما يجري اعتماده في مواد التعليم، وقد تطاول كيفيات العمل اليدوي في الحقول والمصانع، وذلك منذ المباحث التي أجراها المؤرّخ فرنان بروديل (1902-1985) منتصف القرن الماضي على تاريخ فرنسا والمتوسّط. لقد بات المؤرّخون مَدعويّن إلى الانكباب على آثار العفوية التي تشكل ما يسميه بيير بورديو habitus أو التنشئة الاجتماعية وما لها من محددات وقواعد.

وهذا عينُ ما انكبَّ عليه الباحث محمد م. الأرناؤوط في كتابه "البوسنة والهرسك تحت الحكم العثماني، دراسات ومراجعات"، الصادر مؤخراً عن دار "الآن ناشرون وموزعون" في عمّان و"معهد الدراسات الشرقية" في كوسوفو، ففيه عاد إلى المَعيش اليومي للبشانقة في دولتَي البوسنة والهرسك، إبّان السلطة العثمانية، يحلل مظاهره في جَمْعَنَة الأفراد من خلال نُظم الإدارة وطرائق التعبد والعمران. وذلك من منسي الموضوعات بما يُكمِّل تاريخ الدول الرسمي. وتكمن جدة هذا التأليف في نوعية الوَثائق المعتَمدة لتسطير هذا التاريخ المهمش.

استُخرجت مادَّتُه من بطون الأرشيفات المحليّة، وقد كتُب بعضها بالضاد وبقيتها بالتركية أو بألسن البلقان. فمن ذلك، أنَّ الباحث عاد إلى "الوقفيات" وهي عبارة عن نصوص شرعية-قانونية، يُوقِف من خلالها محسنٌ بعضَ الأملاك كالمباني والأراضي والعقارات هبةً لطَلَبة العلم وقارئي القرآن وحتى لعامة فقراء المسلمين، فيكون ذلك الوَقفُ مصدرَ رزقهم.

وتتضمن هذه الوثائق تفاصيل ممتعة تتعلق بالنظام العمراني الذي شيِّدت على ضوئه البلداتُ في هذه المنطقة بعد أن كانت مجرّد قرى نائية. فعلى سبيل المثال، بُنِيت سراييفو بفضل وقفيَّة أقام من خلالها الحاكم العثماني عيسى بك (1462) جامعاً وسوقاً وحمّاماً وزاويةً، ثم أضيفت إلى هذه النواة العمرانية عدة مرافق بفضل أوقاف متعاقبة أهمّها ما وهبه خسرو بك (ت. 1541) والذي "لا تزال روحُه حاضرة في المدينة".

ومن طرائف الفصول والأحداث، ما ذكره الكتاب عن وقفية صاغتها شاهددار، زوجة الأمير خسرو بك، فضمنتها شروطاً "لافتة"، وهو ما يؤكِّد أنَّ النساء كنَّ "شقائق الرجال" حتى في صياغة العمران وتخطيط المدن وضبط قواعد تملك العقارات وإدارتها. ولهذه الوقفيات، كما أشار إليها الباحثُ، أهمية لغوية لم تستكشف بعد وقَلَّما نَظر إليها المتخصصون في تاريخ الضاد.

فبما أنَّ نصوصها صيغت بالعربية الفصحى، فقد أدْمجت العديدَ من الألفاظ الأجنبية ذات الأصول البوسنية، عبر تعريب أسماء الأعلام والمدن والقرى والأنهار وغيرها. وهو ما جعلها تشكل، في بعض المواقع، لغة هجينة تمازجت فيها عناصر الضاد بمقابلاتها من اللغات التركية والبلقانية. وحصل من هذا التفاعل نقلٌ وتعريب للكلمات والمفاهيم، ربّما يستأهل أن تَتجه إليه همم الباحثين في تاريخ الاقتراض.

كما يوفر الكتاب، وربما للمرة الأولى، مدونةً جديدة طريفة، سداها هذه الوثائق القانونية المُحقَّقة، التي تندرج ضمن موضوع الملكية العقارية والأحباس، بما تستخدمه من عبارات وصيغ خاصة بالعقود التي كانت تعالج ضمن علم المعاني، في البلاغة الكلاسيكية. ويمكن أن تشكل اليوم حقلاً مستحدثاً لدرس لغة العقود والمعاهدات ووسائلها الإنشائية التي تنجزُ نقلَ الملكيات وحقوق التصرف بمجرد التلفظ بها أو كتابتها. وتقع حقولها المعجمية في منزلة بينَ مفردات الإحسان الديني ومصطلحات الضبط القانوني.

كما يكشف هذا التاريخ الجديد وجهاً آخر لظروف نشأة المُدن وشروط تَأسيسها ويسلط الضوء على المكوّن الصوفي الذي ربما امتزج بعنصر الفتح السياسي- التوسعي فشكلا معاً النواة الأولى لنشر الإسلام الحنفي، ومن ثمَّ ساهما في تنظيم المشهد العمراني في تلك البلدات. ذلك أن جلَّ مرافقها المدنيّة تَدور على قطب "الزاوية" بوصفها رباطاً يحفظ للمنطقة دينها ويقوي هويتها في مواجهة الأعداء المحيطين بها. وهو ما أعطى لإسلام هذه البلاد طابعاً خاصاً، تميَّز بالانفتاح والروحانية وبصلةٍ وثيقة بجمالية المعمار، الآخذ من "سحر" الشرق الإسلامي ومن "صلابة" الغرب البيزنطي.

هذا ويَشتمل الكتاب على مجموعة أخرى من الأبحاث المتفرقة حول مظاهر الحياة اليومية والثقافيّة ومن أطرفها الاحتفالات والأعياد كالمولد النبوي، إذ كشف الباحث وجود رصيد ثريٍّ من "المولديات" بما هي جنسٌ أدبيٌّ يصوّر سيرة النبي نثراً وشعراً وينشد في ذكرى مولده بأنغامٍ مطربة. ومنها أيضاً رحلات الحجّ التي كانت تُسيّر من البلقان إلى أرض الحجاز، ومواد التدريس كمَثنوي جلال الدين الرومي وغيرها من مضامين العلوم.

أما المنهج المتبع في هذا التأليف فهو الوصف التأريخي الذي يقف على خصائص الموضوع فيوفيها حقها من العرض والتحليل. فالكاتب حين يتطرّق إلى "الوقفية" مثلاً، يُحدّد مضامينها بدقة ويستعيد مُحررها والمستفيدَ منها، ثم يعقب بذكر ما طرأ عليها من التحويرات وتأثيراتٍ في المعيش. ولإنجاز ذلك، اعتمد الأرناؤوط على مجموعة من المصادر والمراجع التي كُتبت بلغات البلقان، وهي مصادر لا يمكن أن يلج إليها القارئ العربي ولا أن يستشفَّ مكنوناتها بسببٍ من حِجاب اللغة واستغلاق هذه الأرشيفات عليه.

فالكتابُ في ظاهره استعادةٌ لمجموعةٍ من الدراسات والمراجعات المُتفرّقة، كُتبت على تباعدٍ في الزمن. ولكنه في حقيقته عملٌ عضويٌّ متماسك، موضوعه درس مظاهر الحياة اليومية وعناصر التاريخ الاجتماعي خلال المسار الطويل لأْسلمة البلقان حين التقى تراثه المحلي بسُنن الإسلام الثقافية ونَمطه في الوجود وأنسنَة الكون. وهو ما عُرف في الدراسات التاريخية باسم "التثاقف" بما هو انصهار عناصر وافدة بالتراث المحلي لمنطقة البلقان بما تتضمنه من مكوناتٍ وثنية ويهودية ومسيحية وتداخلها مع الإسلام ورؤيته للعالم. وفي هذا الصدد، أظهر الكتابُ "العصر الذهبي" في سراييفو الذي شهد تعايش السكان من المسيحيين واليهود حتى صارت هذه المدينة تعرف باسم "القدس الأوروبية".

على صعيد فلسفة التاريخ، تَدفعنا هذه الدراسات إلى التساؤل عن المحددات العميقة التي صنعت هوية البوسنة والهرسك ومدى تأثير العناصر الأصلية والخارجية فيها. فهل كانت هذه الهوية وليدة فكرٍ دينيٍّ بمؤسساته الرسمية، كمشيخة الإسلام والإفتاء على المذهب الحنفي والتصوف، أم إنها سليلة أبنية إنتاجية (إقطاعية وصنائعيّة) حكمت تاريخ الناس في مراوحتهم بين التراث العُثماني والتأثيرات الأوروبية؟ أم، وككل المجتمعات التي لمستها حضارة الإسلام، حصل تفاعلٌ بين العناصر العقدية والفقهية والشعائرية من جهة، والتنظيم العمراني والعادات القبليّة ومحددات الاقتصاد والسياسة الداخلية من جهة ثانية، فتخلَّقت منه هوية متعددةٌ تعددَ الثقافات التي تفاعلت حولها؟ فقد أنتجت كل منطقة ثقافية عن نصوص الإسلام، كما عن نصوص الحداثة، تأويلاً مختلفاً وذاتيّاً. ولذا يمكن الحديث عن "هوية بوسنية"، بما هي نتاج التفاعل بين المكونات دينية-عثمانية، والحضور في أرض أوروبية جيرانُها مسيحيون وعلمانيون وشيوعيون.

يسافر القارئ العربي مع هذه الدراسات، عبر الجغرافيا وعبر التاريخ، نحوَ أوطانٍ جديدة مستطابة، لم يتعوّد على تضاريسها. فيَطلع في سفره هذا على تنوعٍ في ظواهر الثقافة ومشاهد العمران، لا يجد لها نظائر في عالمه العربي. مُغامرة الفاتحين قُدّمت في المخيال الغربي كاحتلالٍ عسكري في حين كانت من أعمال البرِّ ووقف الأملاك وريعها على طلبة العلم والمُعوزين.

كان الوَقف في تلك الديار جمعاً بين صفاء الإحسان وتوسُّع العمران وبذخ السلطان، غايته تعايشٌ بين الدين والدنيا والدولة. وهي الدالات الثلاثة التي حكمت "هابيتيس" صُنع على إيقاع تجويد القرآن وشطحات الرومي وموالد الصوفية، في ظل صراعات الانكشارية وتنافس الصناجق.

تعليق: