مجرم نيوزيلندا وأزمة الرجل الأبيض؟

23 مارس 2019
الصورة
+ الخط -
حظيت حادثة القتل الجماعي في نيوزيلندا في 15 من مارس/ آذار الجاري بتغطية إعلامية واسعة، على عكس كثيرٍ من نظيراتها من حوادث قتل جماعي ارتكبها اليمين الأبيض المتطرّف في دول غربية ضد المسلمين والأجانب والإسبان واليهود. بعد ساعات قليلة من إطلاق النار، وصفت رئيسة وزراء نيوزيلندا، جاسيندا إيردرن، الحادثة بأنها هجوم إرهابي، في سابقة سياسية من نوعها.
كان العنف والإرهاب مرتبطًا في الإعلام بالإسلام، وخصوصا منذ بداية الحرب على الإرهاب، المستمرة ما بين صعودٍ وتهدئة منذ عشرين عامًا، أي منذ أحداث "11 سبتمبر" في العام 2011. وبموازاة هذه الحرب، اهتم كتاب وباحثون وصحافيون كثيرون بدراسة "أيديولوجية التطرف الإسلامي". ولكن حادثة نيوزيلندا تصرف الأذهان بعيدًا إلى نوع آخر من التطرف، لا ينال نصيبه من التغطية الإعلامية والاهتمام الأكاديمي.
ما الذي نعرفه عن أيديولوجية "العرق الأبيض" التي استوعبها إرهابي نيوزيلندا، برينتون تارانت، ولخصها بجدارة في المانيفستو الذي أصدره، قبل الإقدام على جريمته النكراء؟ لا شيء كثيرًا نعرفه، أو في الحقيقة لم نهتم كثيرًا لنعرف.
الحادثة الجريمة تجلًّ لأيديولوجية "العرق الأبيض"، والعرق ونقاؤه وديمومته واستمراره هو ما يقلق اليمين المتطرّف (أو المتشدد) ويهمّه. واحتمال تحلل الرجل الأبيض واندماجه وانتهاء عرقه هو ما يثير حنقه وغضبه، ويسوّغ له "العنف"، كما كان مسوّغًا دائمًا في تاريخه.
كانت مقولة "العرق الأبيض" إذن أهمّ ما يؤرق برينتون تارانت، والعرق الأبيض هو 
بالضرورة كذلك أوروبي ومسيحي، فلا يوجد مثلاً رجل أبيض مسلم أو بوذي. وملخص ما يُغضب تارانت هو احتمالية اختفاء العرق الأبيض واندثاره، وتحلله، باعتبار هذا العرق أساسا للقومية البيضاء المتجانسة. وقد سادت مقولة "العرق" أوروبا في القرن التاسع عشر الذي شهد محاولة تقسيم العالم على أساس مقولة "الأعراق"، النظرية التي أثرت في مختلف نواحي الحياة السياسية، بل والعلمية. بدأ هذه النظرية الكاتب الفرنسي، الكونت آرثر دي غوبينيو (1816- 1882)، الذي ألّف "رسالة في لا تساوي الأعراق"، أو "محاولة في لا تساوي الأعراق"، في أربعة مجلدات.
كانت نظرية الأعراق مشروعًا كبيرًا في أوروبا، لتقسيم العالم بناءً عليه. ومقولة الأعراق تتضمن "هيراركية"، فكانوا يقولون مثلاً إنّ "العرق الآري" هو أسمى الأعراق، بينما السامي أدناها، وهذا يشمل العرب واليهود. وكانت هذه النظرية من إرهاصات الهولوكست. وفي مانيفستو تارانت نقرأ بوضوح إيمانه بتفوّق الرجل الأبيض، ورفضه المساواة. وقد أظهرت هذه النظرية التي بدا للظاهر أنّها اختفت، ولم تعد تحرّك الحروب الاستعمارية والسياسة الخارجية وتساعدها، نفسها من جديد في حوادث عنف وإرهاب عديدة ارتكبتها الذئاب المنفردة المناصرة لتفوق الرجل الأبيض.
يقول مؤرخ إنّ أفول الحضارات يحدث بسبب تدهور الأعراق، وإن تدهور الأعراق يحدث بسبب اختلاط الدماء، وهو عين ما كتبه تارانت في إعلانه. يقول هذا إن ما يجعله أبيض أنّ "دمه أبيض". لا يريد مهاجرين في الأرض التي استعمرها أجداده البيض، يريد للمهاجرين الذين يسميهم "الغزاة" مغادرة مستعمرة أجداده، ويريد مجتمعه مبنيًا على القومية الإثنية المتجانسة التي لا مكان فيها لغير الأبيض، ليحافظ على بقاء الدم الأبيض ونقائه. ينبذ تارانت فتح باب الهجرة، ويعترض عليه، لأنه يسبب اختلاط الدماء، وقد يؤدي إلى "جينوسيد بيضاء"، أي إلى إبادة العرق الأبيض، كما يدّعي اليمين المتشدد.
يحلم الإرهابي القاتل بمستعمرة بيضاء نقية، لا يظهر فيها أيٌّ من الأعراق والأجناس الأخرى. ويعترض تارانت على الحياة المعاصرة للرجل الأبيض، وفرديته المطلقة وانغماسه في المتع والملذات. وهنا يأخذ من مجتمعه موقفًا ناقدًا، ويرى أنّ أكثر من يُلام هم الرجال الغربيون، وأنّ هؤلاء يحتاجون للعودة إلى الرجولة الحقّة. يقول: "الرجال الأقوياء لا يتركون ثقافتهم تذوي، ولا يتركون قوميتهم تتحلّل". بهذا الكلام الموجه إلى الرجال، يبدأ تارانت كلامه في الجزء الثاني من إعلانه، ثم يتلو ذلك مباشرة بسرد ثماني عشرة واقعة اغتصاب فتيات أوروبيات، وخصوصا إنكليزيات، من رجال مهاجرين أغلبهم مسلمون. وقعت معظم هذه الحوادث في السنين الخمس الأخيرة. وهنا تأتي "المرأة" ممثلةً في الشرف والحاجة للحماية، ليكون انتهاكها باعثًا للغضب الشديد لمرتكب الجريمة الإرهابية. ويدعو تارانت إلى قتل "مغتصبي" النساء الأوروبيات، ولشنق عوائلهم. ويصل برينتون تارانت إلى أنّ الديقراطية ليست حلاً، وإنّما "القوة" هي الحل الوحيد، والقوة ممثلة في العنف تحديدًا هي القوة الوحيدة، وهي الحقيقة الوحيدة في التاريخ.
يرى المجرم أنّ إجلاء المهاجرين من جميع الأعراق وترحيلهم هو الغاية. والوسيلة لذلك ليست ذات أهمية، فالمهم أن يرحل المهاجرون. والقتل الجماعي والعنف الشديد هما من وسائل 
سريعة لإرهاب المهاجرين، ليخافوا ويرحلوا عن مستعمرات الرجل الأبيض. ولكن الغزاة المهاجرين، وخصوصا المسلمين منهم، ليسوا الخطر الوحيد، بل هناك كذلك الأخطار الداخلية، ممثلة في مجموعات بيضاء يجب القضاء عليها بأي وسيلة، ومنها العنف، كما تقول أيديولوجيا اليمين المتطرّف. يقول إنّ "الرأسماليين" يرحبون بالهجرة، ليحصلوا على عمالةٍ رخيصة، ليملأوا جيوبهم بأرباح وفيرة ويحرموا العامل الأبيض من أجر يستحقه، ويفضلون عليه المهاجر غير الأبيض ذا الأجر الزهيد. كما يحرّض تارانت على المنظمات غير الحكومية التي يراها خائنة لعرقها وقوميتها، ويدعو إلى إخراجها من المجتمع الأبيض، بالتهديد اللفظي أو بالسوط. كما يحرّض مباشرة على قتل تجار المخدرات الذين حققوا أرباحًا طائلة من تدمير صحة الشباب الأبيض.
ويواصل تارانت شرح استراتيجيته، فعندما يرحل "الغزاة"، ستعود الأرض المستعمرة كاملة للرجل الأبيض الذي سيستطيع حينها إعادة بناء مجتمعه، وإعادة بناء الأسرة بعد نبذ مذهب "الفردية"، والمتعة الفردية التي صرفت الرجل الأبيض عن بناء عائلة، وإنجاب أطفال يؤمّنون بقاء العرق الأبيض وديمومته ونقاءه.
وبعد طرد المهاجرين، سيتفرغ الرجل الأبيض لإعادة بناء مجتمعه على أسس ثمانية: الوحدة الإثنية، حماية التراث والثقافة البيضاء، حقوق العمال البيض، معاداة الاستعمار، الحفاظ على البيئة، التجارة المسؤولة، المجتمع الخالي من الإدمان، النظام والقانون. وينتهي المانيفستو 
بصور رومانسية للأسرة والمجتمع الأبيض، فالمرأة محمية في البيت، تنجب الأطفال وترعاهم، والرجال على الجبهات يحاربون، وفي الحقول يزرعون، وينشئون صبيانهم رجالاً مثلهم.
هذا المجرم الإرهابي هو ذاته التمثل النهائي للنزعة الفردية، فهو لا ينتمي إلى أي كيان، وليس لديه أي التزامات عائلية أو اجتماعية، كما لا ينتمي إلى أي حزب أو منظمة يمينية أو غير يمينية، ولا مرجعية له. فرد طليق حر حرية مطلقة تامّة. استفاد من الرأسمالية التي يهاجمها، فقد استطاع العمل بعض الوقت، على الرغم من تحصيله الدراسي الضعيف؛ ثم استثمر عائد عمله في عملة البيتوكين، ومن عوائد هذا الاستثمار الآمن، استطاع السفر إلى عدة بلدان في أوروبا، حيث راقب بني"عرقه" ورثى لحالهم، وهو يراهم ممزّقين يائسين، من دون أطفال، كما يصفهم. كما أنّ مقتل الطفلة إبّا أكرلاند في هجوم ذئب منفرد داعشي في استوكهولم في إبريل/ نيسان 2017 أثار حميته. وفي العامين من 2017 إلى 2019 بدأ التفكير والإعداد لشن هجوم إرهابي على المهاجرين الغزاة، واختار منهم المسلمين، لأنهم أكثر المجتمعات إنجابًا.
وقع ذلك المجرم، غير المختل عقليًا، الذي كان بكامل وعيه وقواه، فريسة للفردية التامة، وفريسة كذلك لتدفق المعلومات الرهيب على الإنترنت، فهو لم يكمل تحصيله الدراسي، ولم يتعلم أسس التفكير السليم، وإذ به يفاجأ بكم هذه المعلومات والحوادث والأفكار، فيربطها ببعضها، ويصل منها إلى استنتاجه العام: أن المستعمرات حق العرق الأبيض، وأن المهاجرين ليس لهم حق الإقامة فيها، وأن العنف هو وسيلة إعادة بناء المجتمع الأبيض. ولا تهمه "شرعية" هذا العنف من عدم شرعيته، طالما يوصله هذا العنف إلى غايته.
وفي النهاية، المستوى السياسي والإعلامي في التعامل مع إرهاب الرجل الأبيض مهم وضروري، ولكن التعامل مع مشكلات التاريخ يظل أكثر أهمية، فعلى الرجل الأبيض، وخصوصا في الأميركيتين وفي أستراليا، أن يراجع تراثه الاستعماري، وأن يمارس نقد الذات، لعله يهتدي إلى سياسة هجرة عادلة، فالأرض التي اغتصبها من سكانها الأصليين، وطردهم منها، وقضى على حضارتهم، لا يمكن أن تكون أرضه أصالةً، ولا يمكن أن يطمح فيها إلى إقامة مجتمع أبيض نقي، ولا يمكن أن تُعامل غاية كهذه باعتبارها أساسًا لأي حزبٍ يميني، له "شرعية" وجود وتأسيس، كما هو الحال بالفعل في الولايات المتحدة وأستراليا.