ما بعد ورشة المنامة: السلطة الفلسطينية تراهن على الوقت

28 يونيو 2019
الصورة
الحضور في الفعاليات لم يكن بالمستوى المطلوب (عصام ريماوي/الأناضول)
+ الخط -
انتهت ورشة "المنامة" التي خُصصت للترويج للشق الاقتصادي من خطة الإملاءات الأميركية لتصفية القضية الفلسطينية، بساعاتها الثقيلة على الفلسطينيين الذين صدمهم حجم التطبيع العربي مع الاحتلال الإسرائيلي، وعلى السلطة التي بقيت متشبثة بموقفها الرافض للورشة، لكنها اختارت عملياً عدم التصعيد مع الدول العربية التي أوفدت ممثلين عنها للورشة. كما تجنّبت السلطة التصعيد في الشارع الفلسطيني، فيما بقي خيارها "الأبدي" حاضراً، وهو الرهان على الوقت. فيما أعاد الرئيس الفلسطيني محمود عباس التأكيد، أمس الخميس، أن الحقوق الوطنية ليست عقارات تُشترى وتباع بالأموال، مشدداً على أن التوصل إلى الحل السياسي الذي يضمن الحرية والكرامة والاستقلال والعدالة للشعب الفلسطيني، يجب أن يسبق أية برامج أو مشاريع اقتصادية.
ورأى عباس، في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره التشيلي سيباستيان بانييرا، في مقر الرئاسة الفلسطينية بمدينة رام الله، أنّ ما قامت به الإدارة الأميركية من قرارات حول رفع ملفات القدس والاستيطان واللاجئين والأمن من على طاولة المفاوضات، وإصدارها قرارات عقابية ضد الشعب الفلسطيني، أثبت عدم أهليتها لرعاية عملية السلام، وشجع حكومة الاحتلال الإسرائيلي على اعتبار القدس عاصمة موحدة لها، وضم الجولان السوري، والتلويح بضم أجزاء من الأراضي الفلسطينية المحتلة في المنطقة (ج)، في محاولة منها لفرض سياسة الأمر الواقع بالقوة، "وهو ما رفضناه ورفضه العالم أجمع، لما يشكل من مخالفة للقانون الدولي، وقرارات الشرعية الدولية".



وجاءت تصريحات عباس بعد ساعات من انتهاء ورشة المنامة، فيما طغى الشعور بالمرارة على الفلسطينيين وهم يتابعون التغطية الإسرائيلية الآتية من المنامة عبر مراسلين إسرائيليين بالغوا في التجول في المنامة وشرب البيرة احتفالا بأول الأحداث الفعلية لـ"الشرق الأوسط الجديد"، على حد تعبيرهم، وصولا إلى تغطية الاحتفال بكنيس يهودي في المنامة، بحضور المبعوث الأميركي لعملية السلام في الشرق الأوسط، جيسون غرينبلات، وترديد "شعب إسرائيل حيّ وتعيش دولة إسرائيل"، إلى جانب تصريحات المسؤولين البحرينيين المحابية لإسرائيل.
أما رسمياً، فقد اختارت السلطة الفلسطينية عدم التصعيد داخلياً وعربياً، مع التأكيد على رفضها الورشة،  الرفض الذي لم يقرن بأي خطوات عملية لاحقة من أي نوع، حتى إن المسيرات الغاضبة التي دعت إليها حركة "فتح" والفصائل الفلسطينية كانت أقل من المأمول وسط المدن الفلسطينية، وفي حدّها الأدنى عند نقاط التماس، أي الحواجز الإسرائيلية على مداخل المدن الفلسطينية.
المستوى الأمني في السلطة والرئيس عباس لم يرغبا في التصعيد في الشارع الفلسطيني، ولو أرادا ذلك لتم استدعاء مئات من عناصر الأمن وحشد الآلاف في ميادين المدن وعند نقاط التماس، على مدى يومي الورشة، وهو الأمر الذي لم يحصل، إذ سبق وتم حشد الآلاف ضد مسيرات "رفع العقوبات"، ولمبايعة الرئيس محمود عباس، الأمر الذي لم يحدث ضد ورشة البحرين.
المسيرات في جميع مدن الضفة الغربية لم ترق إلى المستوى المطلوب، باستثناء مدينة نابلس التي كانت مسيرتها أفضل حالاً وعدداً، وذلك بسبب تواجد نائب رئيس حركة "فتح" محمود العالول، الذي يتمتع بقاعدة جماهيرية كبيرة في نابلس، مسقط رأسه. أما بقية المدن فكانت المسيرات، خلال يومي الورشة، إما هزيلة أو متواضعة ولا ترقى إلى حجم دعوات الفصائل.
ويصف مسؤول مفوضية التعبئة والتنظيم في حركة فتح، منير الجاغوب، في حديث مع "العربي الجديد"، المشاركة الجماهيرية في التظاهرات التي دعت إليها حركة "فتح" والفصائل والقوى الوطنية ضد ورشة المنامة، بأنها "أكثر من متواضعة بقليل".
ويرى أن هناك عدة أسباب لذلك وهي: "سوء الوضع الاقتصادي الذي يمر به المواطنون، خصوصاً الموظفين الذين يتقاضون نصف راتب، للشهر الخامس على التوالي، بسبب قرصنة الاحتلال عائدات الضرائب الفلسطينية، فبات عدد كبير منهم لا يستطيع توفير مواصلات الذهاب إلى عمله، فكيف سيصلون إلى أماكن التظاهرات، فضلا عن أن الانقسام أفقد ثقة الجمهور في فصائل العمل الوطني والإسلامي، لذلك لدينا اليوم مهمة وهي استنهاض همة الشارع".
أما على مستوى الرسمي للسلطة الفلسطينية فجميع قيادات السلطة الفلسطينية تؤكد أن ورشة المنامة قد فشلت، ولا أحد يتحدث علانية عن "الطعنة العربية في الظهر" التي وجّهتها الدول العربية التي شاركت.
ويقول مصدر فلسطيني رفيع، في حديث مع "العربي الجديد"، إن "السلطة تنظر إلى التمثيل المتدني للدول العربية في ورشة المنامة على أنه انتصار لها، واستطعنا أن نقول (لا) للولايات المتحدة الأميركية".
وتابع المصدر نفسه، الذي اشترط عدم ذكر اسمه، "خضنا معارك دبلوماسية أكبر من حجمنا بكثير، لا ندّعي أننا نجحنا، لكننا لم نفشل، وقمنا بالتأثير على دول كبيرة مثل فرنسا والاتحاد الأوروبي الذي كان تمثيلهم في الورشة متدنياً، إلى جانب عدد من الدول العربية مثل الأردن، وهذا نعتبره في ميزان القوى الحالي فشلا لورشة البحرين".
السلطة الفلسطينية اختارت مداراة خذلانها من الدول العربية قولاً وفعلاً، وآثرت عدم الرد على موجة الانتقادات ضد البحرين والمطالبة بسحب السفير الفلسطيني من البحرين، إذ قامت بهدوء بالطلب من سفيرها، طه محمد عبد القادر، بأخذ إجازته السنوية المعتادة بالتزامن مع ورشة البحرين، حتى لا يكون هناك وقت انعقاد الورشة. وفي الإطار نفسه، نشر الإعلام الفلسطيني الرسمي إشادة الرئيس محمود عباس بالسعودية، يوم الثلاثاء الماضي، أي في أول أيام الورشة، إذ ثمّن "مواقف المملكة العربية السعودية الداعمة للقضية الفلسطينية ولشعبنا". وفي اليوم الذي تلاه، نشر الإعلام الرسمي الفلسطيني خبراً عن اتصال هاتفي بين العاهل الأردني عبد الله الثاني والرئيس ثمّن فيه الأخير "دور الأردن ومواقفه الثابتة في دعم القضية الفلسطينية".
ويقول مسؤول فلسطيني رفيع، في حديث مع "العربي الجديد"، إن أي "مواقف معلنة ضد مشاركة الدول العربية في ورشة المنامة التي تسعى إلى تصفية القضية الفلسطينية وبيعها بالمال، كان سيكلفنا غاليا، على صعيد دفعهم مواقف علنية تتبنى صفقة القرن أو على صعيد عشرات آلاف الفلسطينيين الذين يقيمون ويعملون في هذه الدول، ونحن لا نحتمل هذه الأثمان".
الأمر ذاته ينطبق على قرار سلطنة عُمان افتتاح سفارة لها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث عرفت وزارة الخارجية بالخبر من حساب وزارة الخارجية العمانية على تويتر، ولم يتم تبليغ السلطة رسميا إلا بعد نحو تسع ساعات، في ظل مخاوف فلسطينية رسمية من أن يكون افتتاح سفارة السلطنة في الأراضي المحتلة مقدمة لافتتاح أخرى في دولة الاحتلال الإسرائيلي لاحقا.
لكن ماذا بعد ورشة البحرين؟ يجيب المسؤول الفلسطيني إن "ورشة المنامة كانت بمثابة معركة كبيرة، ولكن لا نتوقع أن تكون بعدها أحداث سياسية على شكل منعطفات حادة مثلها". ويتابع: "الإسرائيليون سوف ينشغلون بالانتخابات الإسرائيلية التي ستجرى في 17 سبتمبر/أيلول، وتشكيل الحكومة لن يكون قبل نوفمبر/تشرين الثاني، أي نهاية العام الحالي، وفي ذات الوقت ستنشغل الولايات المتحدة الأميركية بالتحضير لانتخاباتها العام المقبل".
وفيما تراهن القيادة الفلسطينية على الوقت والانتظار دوماً، لم تنقطع علاقاتها مع حكومة الاحتلال الإسرائيلي، لا على صعيد التنسيق الأمني ولا اللقاءات عالية المستوى، والتي يقودها وزير الشؤون المدنية، حسين الشيخ، بشكل شهري، كان آخرها يوم أمس الأربعاء.
اللقاءات التي تسارع وسائل إعلام الاحتلال إلى الكشف عنها، مثل لقاء الرئيس محمود عباس برئيس جهاز الشاباك نداف ارغمان، في رام الله، في منتصف يونيو/حزيران الحالي، في الوقت الذي لم يكتب الإعلام الفلسطيني الرسمي عنه إطلاقاً، تشير إلى أن هناك حديثا متواصلا لم ينقطع ولم يصل إلى جدار مسدود بين الجهتين، رغم أن قرصنة الاحتلال عائدات الضرائب الفلسطينية مستمر، للشهر الخامس على التوالي، فيما تمتنع السلطة عن استلام العائدات منقوصة، ما تسبب في أزمة مالية خانقة انعكست على رواتب الموظفين الحكوميين.
وكتب الشيخ، في تغريدة له أمس على حسابه في "تويتر"، "التقيت أمس (الأربعاء) وزير المالية الإسرائيلي كحلون، وتم التباحث في سبل حل حجز الأموال الفلسطينية لدى إسرائيل. ولم يحدث أي تقدم، حيث أكدنا على رفضنا مبدأ الخصم، وطالبنا بوقف تنفيذ حجز الأموال. وشارك في اللقاء وزير المالية شكري بشارة". لكن الذي لم يقله الشيخ ونقله الإعلام العبري أن المنسق الجديد لأنشطة الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلتين (الإدارة المدنية) كميل أبو ركن، كان في الاجتماع، فيما كان سلفه يوآف مردخاي يشارك في ورشة البحرين ممثلا عن الاحتلال الإسرائيلي، في ظل أنباء أن تواجد رجال أعمال فلسطينيين عُرف منهم حتى الآن أشرف الجعبري، وهو المعروف بعلاقاته المتينة مع الإدارة المدنية الإسرائيلية.
ويقول مصدر في منظمة التحرير، في حديث مع "العربي الجديد"، إن "الإسرائيليين يتصلون بنا ويلتقون بنا ويبحثون معنا عن حل لأزمة الرواتب"، ويلمّح المصدر نفسه "إلى أن هناك وعودا من المستويات الأمنية الإسرائيلية، أنه في حال تم تشكيل الحكومة الإسرائيلية ستعمل بكل ثقلها على تعليق أو تجميد قانون خصم أموال الشهداء والجرحى والأسرى".
وتفيد كل المؤشرات بأن القيادة الفلسطينية لن تذهب إلى أي خطوات عملية في المدى المنظور، حتى على صعيد اجتماع المجلس المركزي الفلسطيني، الذي لم يتم تنفيذ قراراته، فيما سيكتفي المسؤولون في الأشهر المقبلة بالحديث عن إنهاء الانقسام وضرورة انعقاد المجلس المركزي وتنفيذ قراراته، الأمر الذي لا نية عملية لتحقيقه.