ماكرون في بيروت: مساعدة أم محاولة لإعادة الاستعمار الفرنسي؟

08 اغسطس 2020
الصورة
ماكرون في قصر الصنوبر ببيروت خلال مؤتمر صحافي(حسين بيضون)

بدا الأمر كما لو أن إيمانويل ماكرون نسي أنّ لبنان لم يعد تحت الانتداب الفرنسي، أثناء زيارته بيروت التي دمرها انفجار هذا الأسبوع، أراح الزعيم الفرنسي الحشود المصدومة، ووعد بإعادة بناء المدينة، وقال إنّ الانفجار اخترق قلب فرنسا.

ندد منتقدو الرئيس الفرنسي بالمبادرات التي أعلنها من أجل نصرة لبنان وإغاثته، ووصفوها بأنها غزوة استعمارية جديدة من قبل زعيم أوروبي يسعى لاستعادة السيطرة على أرض مضطربة في المنطقة، وصرف الانتباه عن المشاكل المتزايدة في الداخل.

وصفته منشورات متداولة عبر مواقع الإنترنت باسم "ماكرون بونابرت" أو إمبراطور القرن الحادي والعشرين نابليون.

لكنّ المدافعين عن ماكرون، بما في ذلك سكان بيروت اليائسون الذين وصفوه بأنه "الأمل الوحيد" أشادوا بزيارته الأحياء المدمرة التي يخشى القادة اللبنانيون أن يخطو فيها، ولمحاولته محاسبة السياسيين اللبنانيين على الفساد وسوء الإدارة، وإلقائه باللوم في انفجار مرفأ بيروت، يوم الثلاثاء، المميت على الفساد، الذي طالب القادة بكشفه وبدء الإصلاح في البلد الذي أنهكته الأزمات.

كشفت زيارة ماكرون عن التحدي الرئيسي الذي تواجهه فرنسا في الوقت الذي تستعد فيه لاستضافة مؤتمر دولي للمانحين من أجل لبنان يوم الأحد: كيف تساعد بلداً مأزوماً ترتبط معه بعلاقات اقتصادية عميقة من دون التدخل في شؤونه الداخلية.

وقال جاك لانغ، وزير سابق في الحكومة الفرنسية: "نحن نسير على حافة الهاوية، علينا مساعدة ودعم وتشجيع الشعب اللبناني، ولكن في الوقت نفسه لا نعطي انطباعًا بأننا نريد إنشاء مستعمرة جديدة، وهذا سيكون غبيًا تمامًا".

وأضاف: "يجب أن نجد حلولًا ذكية جديدة لمساعدة اللبنانيين".

وتعود علاقات فرنسا مع لبنان إلى القرن السادس عشر على الأقل، عندما تفاوضت الملكية الفرنسية مع الحكام العثمانيين لحماية المسيحيين وتأمين النفوذ في المنطقة.

بحلول وقت الانتداب الفرنسي 1920-1946، كان لدى لبنان بالفعل شبكة من المدارس الفرنسية والمتحدثين باللغة الفرنسية لا تزال قائمة حتى يومنا هذا، إلى جانب علاقات فرنسا الحميمة مع سماسرة السلطة في لبنان، بما في ذلك بعض المتهمين بتأجيج أزمته السياسية والاقتصادية.

وظهرت عريضة مفاجئة على الإنترنت، الأسبوع الماضي، تطلب من فرنسا إعادة تفويضها مؤقتًا، قائلة إن قادة لبنان أظهروا "عجزًا تامًا عن تأمين وإدارة البلاد".

ينظر إليها على نطاق واسع على أنها فكرة سخيفة، ولكن ماكرون قال لسكان بيروت، إن "الأمر متروك لكم لكتابة تاريخكم"، لكن 60 ألف شخص وقعوا عليها، بمن فيهم أفراد من الشتات اللبناني في فرنسا وقوامه 250 ألف شخص، وأشخاص في لبنان قالوا إنها وسيلة للتعبير عن يأسهم وعدم ثقتهم في الطبقة السياسية.

بصرف النظر عن استعراض الدعم الدولي الذي تشتد الحاجة إليه، اعتبر الكثيرون في لبنان زيارة ماكرون وسيلة لتأمين المساعدة المالية لبلد مثقل بالديون.

اجتماع قصر الصنوبر، لم يكن هادئاً على الإطلاق وشمل كل القوى السياسية التي عجزت عن إجراء الإصلاحات، علماً أنّه جمع للمرة الأولى جميع رؤساء الكتل النيابية بمن فيهم "الوفاء للمقاومة" التي تمثّل "حزب الله" من دون تسجيل أي مقاطعة بعكس لقاءي الحوار اللذين كان قد دعا إليهما الرئيس ميشال عون في الفترة الماضية، فشهدت الغرفة المغلقة توبيخاً وتأنيباً للحاضرين، بحسب ما أكده إلياس حنكش النائب في "حزب الكتائب اللبنانية" (يترأسها النائب سامي جميل وخسر أمينه العام نزار نجاريان في الانفجار) لـ"العربي الجديد" قبل يومين.

وكانت هناك لفتات أخرى أكثر مكراً ضد استعراض النفوذ الفرنسي، فبينما كان ماكرون يتجول في الأحياء التي مزقها الانفجار، قام وزير الصحة في الحكومة المدعومة من "حزب الله" بجولة في المستشفيات الميدانية التي تبرعت بها إيران وروسيا، اللاعبان الرئيسيان في المنطقة.

وقالت ليا، وهي طالبة هندسة في بيروت لم ترغب في نشر اسم عائلتها خوفاً من تداعيات سياسية " أفهم هؤلاء الأشخاص الذين يريدون التفويض، إنهم بلا أمل". وعارضت بقوة هذه الفكرة ومن يرون أن "ماكرون منقذ لبنان".

وأضافت أن هذا يخاطر بتفاقم الانقسامات في لبنان، حيث يحتضن المسيحيون الموارنة والمسلمون المتعلمون في فرنسا ماكرون بينما يميل الآخرون بعيدًا. وتساءلت "لم يحل مشاكله مع بلده وشعبه. كيف ينصحنا؟".

انتقادات في الداخل

في باريس، حذر خصوم ماكرون السياسيون المحليون من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، الزعيم الوسطي من زحف الاستعمار الجديد، وانتزاع تنازلات سياسية من لبنان مقابل المساعدة.

وغرد جوليان بايو، رئيس حزب "الخضر" الشعبي، على "تويتر"، قائلاً: "التضامن مع لبنان يجب أن يكون غير مشروط".

ماكرون نفسه رفض بشدة فكرة إحياء الانتداب الفرنسي، حين قال: "لا يمكنك أن تطلب مني أن أعوضك عن قادتك، ليس لدينا حل فرنسي".

لكنه أشار إلى أنه يخطط للعودة إلى لبنان للتحقق من تنفيذ الإصلاحات الموعودة في الأول سبتمبر/ أيلول المقبل، وهي الذكرى المئوية لإعلان "لبنان الكبير"، وبداية الحكم الفرنسي.

(أسوشييتد برس، العربي الجديد)