ماذا يجري في تونس؟

05 اغسطس 2020
الصورة

تتسارع الأحداث في تونس الخضراء، أمّ الربيع العربي، وفي كل يوم يمر تزداد تعقيدا. ولا يختلف التونسيون على نزاهة الرئيس قيس سعيد، وأنه بلا سوابق تثير النقع من حوله. جاء إلى الرئاسة برغبة جماهيرية واسعة، لم يسبقه إلى مثلها زعيم عربي. لم يكن حزبيا ولا تاجرا ولا زعيم نقابة مهنية. كان وما برح تونسيا وطنيا، آمن بربه، ومن ثم آمن بوطنه الصغير تونس، ووطنه العربي الكبير. من هنا، علينا، معشر القلم الحر، أن نعين الرئيس قيس سعيّد بأن نسدي له النصح والمشورة، ولو من خلف حدود الجغرافيا التونسية.

(2)

السيد الرئيس قيس سعيّد رئيس الجمهورية التونسية:

أرجو الله، فخامة الرئيس، أن يتسع صدركم لحديث مواطن عربي من خليج العرب، يحمل على كتفه الأيمن قرابة السبعين خريفا، وعلى الكتف الآخر يحمل هم أمته العربية منذ نعومة أظفاره، وازدادت همومه بما يجري في تونس، أم الربيع العربي.

فخامة الرئيس: دخلتم قصر الحكم في شهر أكتوبر من العام الماضي، رئيسا منتخبا من الشعب. حزتم 75% من أصوات الناخبين في عملية تصويتٍ سادت فيها روح الشفافية. ولم يسبقكم إلى هذه النسبة أي رئيس عربي إلا في استفتاءاتٍ مصحوبة بالتزوير. يدي على قلبي على ما يجري في تونس اليوم، انطلاقا من دعوتكم إلى تحقيق "الديمقراطية الشعبية". وهذا النوع من الديمقراطيات لم يعد صالحا في زماننا الذي اختلطت فيه الموازين، حاوله معمّر القذافي، وجرّ ليبيا إلى ما جرّها إليه، ثم تراجع بعد حين. من الملاحظ، سيادة الرئيس، أنكم تسيرون بخطواتٍ سريعةٍ، نحو إرباك العملية السياسية في تونس، بتجاوزكم الأحزاب السياسية والسلطة التشريعية (البرلمان) عند اختياركم وزير داخليتكم ليشكل الحكومة الجديدة، هشام المشيشي.

(3)

أعرف، كما يعرف الخلق، أن هناك أحزابا تعيق السير نحو ديمقراطية حقيقية في تونس وغيرها. والكل يعرف، ومقامكم الرفيع يعرف، أن في تونس "أحزاب صدفة"، بلا تاريخ وطني، وبدون مشروع وطني تونسي إلا العودة بالبلاد والعباد إلى عصر الطغيان والاستبداد والفساد مرضاة لقادة الثورة المضادّة الذين يعيثون في الوطن العربي الفساد والدمار. هذه الأحزاب نعرفها من بعيد، وتعرفونها عن قرب، أنها تخدم مصالح وأطماع قوى من خارج الحدود التونسية. ولدت من رحم الثورة المضادة لثورة الياسمين الشريفة الطاهرة. هناك أحزاب في تونس، عريقة، جذورها عميقة في تاريخ تونس الوطني، يمكن المراهنة عليها.

على حكماء تونس وقادتها أن يتضامنوا ويتحدوا من أجل تونس وشعبها العظيم، وأن لا يجعلوا بلدهم ساحةً تعبث بها أموال  أعداء الشعب العربي وتقدّمه

أعرف، كما يعرف غيري، أن الرئيس قيس سعيّد قد يكون سئم مماحكات القيادات الحزبية، وتعب منها، لكن الكاتب يدعوه، هنا، صادقا مخلصا أن لا يعير بالا لأحزاب الصدفة ومماحكاتها، فأغراضها تعظيم الأرباح الشخصية وهمها ليس تونسيا. القيادات الحزبية التاريخية، حتى ولو اختلفتم معها، تستطيعون الوصول إلى أهداف مشتركة معها من أجل تونس، لا من أجل العودة بالبلاد والعباد إلى عهودٍ قد خلت. صعوبات تواجه سنة أولى في الحكم، يمكن التغلب عليها بالحكمة والعقل من كل القادة المخلصين في تونس، أحزابا ونقابات وكتابا ومفكّرين. وتونس العزيزة تعج بكثيرين من الساسة والمفكرين والعلماء وأصحاب القلم، في مقدورهم جميعا أن يساهموا في أن يتجاوز بلدهم الأزمة الراهنة، وأن يحلّقوا به في معراج الديمقراطية الوطنية الصادقة، لا الشكلية. 

هناك أحزاب في تونس، عريقة، جذورها عميقة في تاريخ تونس الوطني، يمكن المراهنة عليها

الحق أنني لم أقرأ في الصحافة المعتمدة الرزينة اعتراضا على تكليف السيد هاشم المشيشي برئاسة حكومة جديدة، ولكن الكاتب يتخوّف من أن تسير الأمور في غير مجراها الصحيح، فتتعثر المشاورات مع الأحزاب ذات الجذور التاريخية لتشكيل الحكومة، ويتعذر تشكيلها، ثم الذهاب إلى حل البرلمان، وإجراء انتخابات جديدة. وبلا جدال، وفي الظروف الاقتصادية الراهنة التي تعج بها تونس، سينجح فيها حزب "الريال والدرهم والدولار"، والخاسر تونس وشعبها العريق. 

(4)

ليست حركة النهضة وليدة الساعة، ولا يشكّك أحد في وطنية زعيمها، راشد الغنوشي، أو أي من كوادرها. إنها تتعرّض لحملة ظالمة، مموّلوها ومنظرّوها هم "عرب النفط"، قادة الثورة المضادّة في الوطن العربي الذين قادوا مصر والسودان واليمن وليبيا والصومال إلى الدمار الذي نشهده في يومنا هذا. لم يرتاحوا من طريقة انتخاب الرئيس التونسي قيس سعيّد، بل قضّت مضاجعهم، إذ كيف يأتي إلى قصر قرطاج رجل من عامة الشعب. وعلى ذلك فإن عيون "عصابة الرّدة" على تونس، يريدون تخريبها والعبث بأمنها واستقرارها، وإلحاقها بالدول التي أفشلوا مسيرتها، هذه المرة عن طريق البرلمانات، لا عن طريق الجيش. هناك أحزاب تونسية أخرى لا تقل وطنية عن حركة النهضة، مستهدفة أيضا بالتفكيك. والمطلوب من الحركة، أن يدرك قادتها وكوادرها أنهم مستهدفون، وأن لا تأخذهم العزّة بالإثم، ويعتقدون أنهم الأكثر نفيرا، فالثقة التي حاز عليها زعيم الحركة، راشد الغنوشي، في معركة "سحب الثقة منه" رئيسا للبرلمان لا تبشّر بالخير. نواب "النهضة" 54، وعدد أعضاء مجلس النواب 217، والمؤيدون لسحب الثقة 97 عضوا. والحق أنني لم أكن مسرورا بتولي الشيخ راشد رئاسة البرلمان، حبا فيه، وتقديرا لجهاده ونضاله الوطني، كنت أريده مرجعيةً بعيدا عن أن يتطاول عليه الصغار.

آخر القول: تونس تسير إلى منزلق خطير، وذلك ما لا نتمناه. وعلى حكماء تونس وقادتها أن يتضامنوا ويتحدوا من أجل تونس وشعبها العظيم، وأن لا يجعلوا بلدهم ساحةً تعبث بها أموال "بني نفط" من أعداء الشعب العربي وتقدّمه.