ليبيا حيث تتحوّل النعمة إلى نقمة

14 يناير 2020
الصورة
+ الخط -
يبدو أن سياسة تحديد مناطق النفوذ التي طبقت في سورية وتثبيتها باتت هي المعتمدة حالياً في ليبيا، من خلال تطاحن أبناء البلد أنفسهم. والذريعة نفسها، محاربة الإرهاب. أما الحقيقة فتتمثل في الصراع الإقليمي والدولي على ثروات ليبيا، خصوصا النفط والغاز الطبيعي، فلدى ليبيا أكبر احتياطي في النفط في أفريقيا، وتاسع احتياطي على المستوى العالمي. وهي تحظى بموقع استراتيجي ممتاز، إذ تتوسط المشرق والمغرب العربيين، وتقابل أوروبا من الجهة الجنوبية، ولديها شاطئ طويل على المتوسط يبلغ طوله حوالي ألفي كيلومتر. كما ترتبط بحدود برية طويلة مع كل من مصر والجزائر والسودان وتشاد والنيجير وتونس. وتحوي من الثروات الكثير الكثير. نفطها وغازها من أفضل الأنواع، وتمتلك سهولاً ساحلية طويلة، تنتج الخضروات من جميع الأنواع على مدار العام. هذا فضلاً عن الأشجار المثمرة. وإلى جانب ذلك كله، تمتلك ليبيا إمكانات سياحية كبيرة تفوق الوصف، خصوصا في منطقة الجبل الأخضر التي تعادل مساحتها مساحة لبنان تقريباً، وتضم مدن البيضاء ودرنة ورأس هلال وشحات وسوسة وغيرها. وفي ليبيا مواقع أثرية تاريخية كثيرة في شحات وسوسة ولبدة وصبراته وغدامس وغيرها. كما تتميز ليبيا بتنوع أقاليمها المناخية، فهناك السهل الساحلي الطويل حيث الشمس المعتدلة والرمال الجذّابة، وهناك المناطق الجبلية، سواء في الشرق أم في الغرب، وهناك البيئة الصحراوية بواحاتها الجميلة. والأهم من هذا وذاك الإنسان الليبي الذي قاوم طويلا من أجل حرّياته الوطنية والشخصية.
ولكن مصيبة الليبيين أنهم خضعوا عقودا لنظام أرعن، بدّد ثروات البلد، وأوقف عجلة التطور على كل المستويات، لم يسمح بتشكيل الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني. ضرب بنية المجتمع الأهلي، وكرّس الجهوية والمناطقية، والحالة القبلية بأضيق معانيها؛ هذا على الرغم من ادّعاءاته بالعالمية، وإطلاقه نظرية الكتاب الأخضر التي زعم، يوما، أنها صالحة 
للعالم بأسره، وليس لليبيا وحدها، أو للعرب وحدهم. وما يتعرّض له الليبيون اليوم هو ضريبة سوء الإدارة وفسادها، واستبداد الحاكم الذي حوّل ثروات البلد من نعمةٍ إلى نقمة، فكان الغضب الشعبي الهائل بعد تراكمه عقودا، هذا الغضب الذي تفجّر ثورة في وجه نظام معمر القذافي. وليبيا بلاد مترامية الأطراف، مساحتها حوالي مليون و800 ألف كيلومتر مربع، تتوزّع بين ثلاث مناطق أساسية: برقة وطرابس وفزّان. أما عدد السكان ففي حدود ستة ملايين، وهو رقم قليل جداً قياسا إلى المساحة والإمكانات.
وبناء على ما تقدّم، ليبيا مؤهلة للتقدم وقطع أشواط في التنمية، في حال وجود إدارة وطنية حكيمة رشيدة بعيدة النظر، حريصة على النهوض بمجتمعها وبلدها، إدارة تفكّر في إقامة مشاريع مشتركة كبرى مع دول الجوار، وحتى مع الدول الأوروبية وغيرها، مشاريع تضمن فرص العمل، وتفتح الآفاق أمام تقدم البحث العلمي، ومن شأن ذلك كله الإرتقاء بالبلاد نحو المستويات التي تتناسب مع إمكاناتها الكبيرة. ولكن ما يحصل الآن هو العكس. إذ دمّرت إمكانات البلد من خلال الحرب الأهلية الدائرة اليوم بين الشرق والغرب. ومن يعرف طبيعة ليبيا المجتمعية، والحساسيات التي تراكمت عبرعقود في ظل نظام القذافي، يدرك أن هذه الحرب لن تُحسم لصالح أي طرف في غياب مشروع وطني جامع. وإنما ما يحصل هو
 محاولة كل فريق التفرّد، والسيطرة على زمام الأوضاع، من دون أن يطمئن الناس في هذا الجانب أو ذاك.
وما يعقّد الوضعية أكثر هو تدخل القوى الإقليمية إلى جانب هذا الفريق أو ذاك، والضعف اللافت في دور الأمم المتحدة نتيجة الخلل الحاصل في موازين العلاقات الدولية، فالولايات المتحدة بعد أن استفردت بقيادة العالم، عسكرياً واقتصادياً، قرّرت، لأسبابها الخاصة، التراجع والانكفاء على ذاتها، بحجّة أن مصالحها تقتضي ذلك، وهي في غالب الأحوال ذات علاقة بمزاجية الناخب الأميركي، ورغبة السياسيين الشعوبيين في مجاراة تلك المزاجية، من أجل الفوز في الانتخابات. وقد أدى ذلك إلى استغلال روسيا الفراغ الحاصل، سواء في سورية، أم في ليبيا، وغيرها من المناطق. وهي تعتمد في ذلك على المحور الذي شكلته في أستانة مع كل من إيران وتركيا على قاعدة المصالح. فيما الموقف الأوروبي شبه مشلول، على الرغم من قرب ليبيا من القارة الأوروبية، خصوصا إيطاليا واليونان، والتأثير المتبادل، سواء السلبي أو الإيجابي، بين جانبي المتوسط.
في مقدور الليبيين التفاهم فيما بينهم إذا تركوا وحدهم، وحصلوا على فرصة الحوار الوطني، فبينهم نخب مجتمعية مؤثرة، وهناك عقول أكاديمية متميّزة، ورجال أعمال لهم مصلحة وخبرة بتدوير زوايا الاختلاف، فهؤلاء جميعاً، إذا تضافرت جهودهم بإشراف أممي محايد، يمكنهم
 الوصول إلى حلولٍ تكون في مصلحة الجميع. والمعارك العبثية لن تحل مشكلة الليبيين؛ ولن تكون نتائجها، مهما كانت، في مصلحة الليبيين على المدى البعيد. كما أن الرغبة في استعادة نظام التفرّد والتحكم بالسلطة والثروة، واستخدام خطاب الوعيد والتهديد والانتقام لن يحلّ المشكلة؛ لأن هذا كله سيفتح الأبواب أمام مزيد من القتل والتدمير، وربما التقسيم الذي قد يتناغم مع مصالح القوى الإقليمية والدولية التي تراهن، من مواقع مختلفة، على هذا الجانب أو ذاك، ولنا في تجربتي اليمن وسورية خبرات وعبر كثيرة، فما يجري اليوم من استقطاب حاد بين الشرق الليبي، بقيادة اللواء المتمرد، خليفة حفتر، والدعم الذي يتلقاه من بعض الدول العربية، وخصوصا مصر؛ والغرب الليبي بقيادة فايز السراج، والدعم الذي يتلقاه من تركيا لن يحل المشكلة، بل سيعمّق الخلافات، ويولّد مزيدا من الصراعات التي ربما تنتهي بالتقسيم الذي لا يريده أي من الليبيين، على الأقل حتى الآن، وذلك وفق ما نسمعه ونتلمسه.
إمكانات الحوار والتفاهم موجودة، على الرغم من الجو العاصف الملبد المخيم على البلد، ولكن هذا الحوار لا بد أن يكون بين الليبيين أنفسهم، لا من خلالهم. أما إذا أصرّ كل فريق على مواقفه القطعية الحالية، وشدّد على توصيف الطرف المقابل بالعدو، فهذا معناه استمرارية الصراع، ومزيد من القتل والتدمير والتيه؛ ويفتح ذلك كله الأبواب واسعة أمام المافيات السلطوية المحلية والإقليمية والدولية الفاسدة المفسدة، لتستمر في سرقة ثروات الشعب الليبي، خصوصا النفط، في ظل وضعية الفوضى العارمة المنظمة التي تُنهك البلاد والعباد، وتكون عادة مقدمةً لكل الاحتمالات السيئة.
ليبيا ضحية من ضحايا الأنظمة العسكرية الثوروية التي قادت بلدانها بعقلية العصابات، على الرغم من كل ما كانت تطلقه من شعارات قومية واشتراكية شعبوية، أثبتت الوقائع جميعها أنها كانت مجرّد تمويه تضليلي، كان الغرض منه تغطية الانقضاض على الداخل الوطني.