لماذا لا تحل الانتخابات المشكلات الفلسطينية؟

09 ديسمبر 2019
الصورة
+ الخط -
يسود تمرين سياسي في الساحة السياسية الفلسطينية هذه الأيام، من الرئاسة حتى آخر فصيل مكروسكوبي، هو الدعوة إلى انتخابات فلسطينية، اعتقاداً بأن الانتخابات ستنجز مهام فلسطينية كثيرة مستعصية، في مقدمتها الانقسام. والحديث عن الانتخابات يصوّرها عصا سحرية، لكن مشكلة هذه العصا أن الفلسطينيين لا يستطيعون تشغيلها بقرارهم الذاتي. على الرغم من ذلك لنبحث إمكانية حل الانتخابات المشكلات الفلسطينية. وواحدة من أهم المسائل وأعقدها، والتي تواجه وجهة النظر هذه، أن الانتخابات لم تكن ولم تصبح المانح الرئيسي للشرعية في الساحة الفلسطينية.
استمدت المشروعية السياسية الفلسطينية في ستينيات القرن الماضي من العمل المسلح. وفي السبعينيات باتت تأتي من الاعتراف العربي والدولي بمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني. ولكن هذا الاعتراف لم يجعلها تحصل على وطنها، ولم يُخرج سؤال المشروعية السياسية من التداول الفلسطيني، حيث يمكن، في كل مرة، العودة إلى الشرعية الأولى، الحق في مقاومة الاحتلال، بوصفه أساس الشرعية.
في الستينيات، عندما كانت فصائل العمل الوطني الفلسطيني خارج منظمة التحرير، كان هدفها الوطني أساس المشروعية السياسية للقيادة، حيث لم يُنتخب أي من القيادات الفلسطينية انتخاباً مباشراً أو غير مباشر، بل ارتبطت بمدى قبول الهدف الوطني الذي تمثله. ويتم الاعتراف بمشروعية هذه الحركات بعد الاعتراف بمشروعية هدفها، أي حقها بالاستقلال والسيادة 
الوطنية. بعد سيطرة الفصائل المسلحة على مؤسسات منظمة التحرير، أصبحت الشرعية قائمةً على توافق فصائل العمل الوطني في إطار منظمة التحرير (نظام الكوتا).
تزامن وصول الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي أعادت الصراع إلى الأرض الفلسطينية، في مواجهة الاحتلال إلى طريق مسدود مع انهيار النظام العربي في حرب الخليج الثانية، وانهيار موقع منظمة التحرير فيه. دفع هذا الوضع المنظمة إلى البحث عن موطئ قدم في خريطة المنطقة التي أخذت تتشكّل بعد حرب الخليج الثانية، مع إطلاق عملية السلام في مدريد 1991، والتي تجاهلت المنظمة، فما كان منها إلا الانضمام إلى التسوية عبر الوفد الأردني وبطريقة غير مباشرة، وما لبثت أن دخلت مباشرةً عبر مفاوضات أوسلو.
ما أقدمت عليه منظمة التحرير هو نقيض تجريبي للصورة التي رسمتها عن نفسها خلال السنوات السابقة. وبالتالي، باتت تبحث عن أدواتٍ لتجديد مشروعيتها السياسية. بذلك، تحوّل الأساس في المشروعية السياسية، من المشروع الكفاحي الوطني إلى العملية السياسية والعملية الديمقراطية لإعطاء شرعية جديدة للقيادة الفلسطينية. ولم تعد تشتقّ مشروعيتها من الهدف الذي بنت تاريخها عليه، إنما أصبحت تشتقّ هذه المشروعية من العملية السياسية ذاتها. وهذا هو الثمن الذي دفعته القيادة الفلسطينية جرّاء الدخول في العملية السياسية، والتكيّف مع المتغيّرات في المنطقة بعد حرب الخليج. ولكن في الوقت الذي أخذت فيه القيادة التقليدية تأخذ مشروعيتها من العملية السياسية، ومن صندوق الانتخابات، كانت قوى فلسطينية صاعدة، مثل حركتي المقاومة الإسلامية (حماس) والجهاد الإسلامي، تعود إلى المربّع الفلسطيني الأول، وتبني مشروعيتها من حق الفلسطينيين في المقاومة، في مواجهة المشروعية السياسية والانتخابية التي أرادتها القيادة الفلسطينية بفعل العملية السياسية.
هذا لا يقلّل من مفصلية العملية الديمقراطية التي شهدتها التجربة الفلسطينية في انتخابات 
المجلس التشريعي الأولى، على الرغم من كل العيوب التي شابت العملية في ذلك الوقت. عيبها الأكبر أنها لم تكن الخيار الديمقراطي، خيار إجماع وطني فلسطيني، تقبل فيه كل القوى السياسية بأن تكون صناديق الاقتراع المنظّم للحياة السياسية ولاختيار قياداتها. وعلى الرغم من أن تلك الانتخابات لم تأت تتويجاً للاستقلال الوطني الفلسطيني، كانت المرّة الأولى التي يمارس فيها الفلسطينيون عملية ديمقراطية في كل المناطق الفلسطينية. ولكن هذا لم يجعل العملية الديمقراطية الممرّ الوحيد لإعطاء المشروعية السياسية، فقد بقيت المعارضة تبني مشروعيتها من خلال حقها بالمقاومة، لا من خلال صناديق الاقتراع، وكانت تحقّق نجاحاتٍ كبيرة على حساب فريق السلطة.
كانت مهمة الانتخابات الفلسطينية الأولى أن "تشرّع السلطة"، على حدّ تعبير محمود عباس في حينه، وقبل أن يصبح رئيساً. وهذا الكلام عكس مراهنة القيادة الفلسطينية على الانتخابات بوصفها تأسيساً لشرعية فلسطينية مختلفة عن منظمة التحرير، شرعية مقبولة دولياً، وهو ما حوّل منظمة التحرير إلى إطار شكلي يُستدعى عند الحاجة. وبعد تعديل الميثاق الوطني في اجتماع المجلس الوطني في غزة عام 1996 لم يعد يُستدعى إطلاقاً، إلى ما بعد الانقسام. وتم نقل الشرعية الفلسطينية إلى السلطة الوطنية الفلسطينية والمجلس التشريعي. وقد عملت القيادة منذ دخولها الأراضي الفلسطينية على إعادة تركيب مؤسسات السلطة الفلسطينية، لتناسب الوضع الجديد، وهو الانتقال من صيغة الثورة إلى صيغة السلطة.
بدخول القيادة الفلسطينية العملية السلمية خياراً نهائياً، ثم البحث عن شرعية جديدة تمثلت في مؤسسات السلطة الفلسطينية والمجلس التشريعي، وبالتنازع الذي فرضته الشروط الفلسطينية الجديدة، تم إضعاف مرجعية منظمة التحرير لصالح مؤسسات السلطة. عزّز انسداد أفق الحل السياسي مواقع المعارضة الفلسطينية التي وجدت أن من مصلحتها أن تدخل الانتخابات الفلسطينية الثانية التي أرادت القيادة بعد غياب ياسر عرفات تجديد شرعيتها من خلالها. وإذا كانت انتخابات الرئاسة قد جدّدت الشرعية لقطب حركة فتح، محمود عباس، بانتخابه رئيساً، فإن انتخابات المجلس التشريعي أعطت المجلس ورئاسة الحكومة إلى المعارضة، ممثلة بحركة
 حماس، ما زاد في انقسام الساحة الفلسطينية.
في الانتخابات الفلسطينية الأولى، ظهرت في الساحة الفلسطينية وجهة نظر تقول إن الانتخابات التشريعية في 1996 وضعت القاطرة على السكة الصحيحة للوصول إلى مجتمع ديمقراطي. ولكن التجربة العملية بعد ذلك قالت كلاماً معاكساً، إن تلك الانتخابات جعلت حركة فتح تستفرد بالسلطة، والانتخابات الثانية في عام 2006 كرّست الانقسام الفلسطيني بين سلطتين، الرئاسة والمجلس التشريعي، ومن ثم الرئاسة ورئاسة الوزراء. وتبيّن أن صناديق الاقتراع بدل أن تحلّ المشكلات الفلسطينية عزّزت الانشقاقات في الساحة الفلسطينية، وتبيّن أنها ليست أداة صالحة لتنظيم الصراع في الحالة الفلسطينية على الأقل، ليس لعطبٍ في الآلية الديمقراطية، بل لأن هذه الآلية لا تشتغل من دون الإجماع عليها من القوى السياسية المشكّلة للنظام السياسي، بوصفها الأداة الوحيدة لحل الصراعات. ولذلك أدّت الانتخابات الديمقراطية الفلسطينية، بعد حوالي عام من إجرائها، إلى اقتتال دموي فلسطيني ـ فلسطيني، والانقسام الذي كان سياسياً بين الفلسطينيين أصبح جغرافياً بسلطتين أيضاً، وذلك كله قبل إنجاز الاستقلال الوطني.
لذلك، بدل أن تكون العملية الديمقراطية أسلوباً لحل المشكلات الفلسطينية ـ الفلسطينية، كانت تعزيزاً للانقسام الداخلي. وإذا كانت العملية الديمقراطية قد نجحت، لكن تم تدمير المشروع الوطني الفلسطيني. ويمكن القول، لنجاح العملية الديمقراطية فلسطينياً، لسنا بحاجة إلى إجماع فلسطيني فحسب، بل نحتاج قوىً سياسيةً هي ذاتها تحمل بُنى ديمقراطية، لأن من يفتقد الديمقراطية في فصيله الخاص ليس قادراً على بناء الديمقراطية في المجتمع الفلسطيني.