لعنة!

18 سبتمبر 2019

كان سعيد قد بلغ السادسة والعشرين قبل شهر، لكننا لم نحتفل به، كل ما في الأمر أن أهله لاموه لأنه لم يكمل نصف دينه بعد، هذه معايدتنا على الأرجح، لم يكن أحد يعتقد بأن نهايته ستكون بتلك الطريقة.

في صباح يوم يعدنا بشمس حارة سقط في بئر ولكنه لم يمت، ظل ينادي أخاه طوال ثلاثة أيام دون توقف، كنت أتخيله هناك، بقبعته التي لم يحب يوماً غيرها، والتي لا يزيلها إلا حين يصلي أو ينام، ملابسه الرثة الخاصة بالعمل، وابتسامته ثم صوته الجميل وهو يحاول تقليد أخته وهي تغني، كيف تحول ذاك الصوت الجميل إلى صرخات لم نفهم منها غير اسم أخيه؟! توقف عن النداء، لكنه ظل حياً، ربما تعب، أو أنه أغمي عليه من البرد والبلل والجوع.

كانت البلدية تحاول إنقاذه بأدوات تبرع بها الأهالي، ما زلت أفكر: ما الذي أحضرته البلدية غير رجال الإنقاذ الذين هم من الأهالي أصلاً؟، وقيل: كانت تتظاهر بإنقاذه!

الشيء الأكثر اشمئزازاً والذي جعلني أرغب في التقيؤ، هو منظر مسؤول في البلدية يخاطب أخ سعيد:
- لا تقلق، نحن نحاول إنقاذه.

كان قد ظهر في اليوم الرابع لسقوط سعيد في البئر التي كانت أشبه بحفرة أو مغارة، صرخ أخوه، والذي كان يحاول فهم كل ذاك الهراء بعقله البسيط:
- لكن لم أتيت الآن؟ أخي يناديني منذ ثلاثة أيام!! تلك أدوات الأهالي وليست أدواتكم! لم الآن!.. أوكلكم لله! أوكلكم لله!

- قضاء وقدر.. قضاء وقدر.. إن كان سيعيش فسيعيش وإن كان سيموت فقضاء الله وقدره.. ما زلت لا أصدق أنه قال ذلك. في تلك اللحظة كنت قد ظننت أن تلك الكلمات كافية لتجعله تحت أقدام أخ سعيد، لكنه بدا مصدوماً مقهوراً منهكاً من محاولة الفهم، كان يحملق في وجه المسؤول الذي أراد مغادرة المكان بأقصى سرعة، ربما لأن الأمر لا يعنيه، أو لأن حذاءه سيتسخ بالطين..

كان أخ سعيد يردد:
- حسبنا الله ونعم الوكيل.

كنت أفكر في شيء وحيد؛ لم أتى إن كان سيقول هذا الهراء ويمضي؟ ويبدو أن الجميع بهت، فغادر كما المنتصر مشيراً إلى العدسات كما لو كان قد أخرج سعيد من قبره وأعاد له الحياة..

في اليوم السادس أعلن عن موت سعيد، ولكن الجثة ما زالت عالقة هناك! لا أعتقد بأنهم أخرجوا الجثة من البئر، كما لا أعتقد بأنهم حفروا بئراً أخرى لأن الجثة ما زالت هناك، ولا أعتقد أنهم قاموا بوصل الماء إلى البيوت.

لا أعرف ما الذي حصل بعدها، لأني حين وجدت أخ سعيد ميتاً قرب البئر قررت أن أغادر المكان، أو أني سأحذو حذوه!

دلالات