لحظة الحقيقة اللبنانية

18 اغسطس 2020
الصورة
+ الخط -

"هذه لحظة الحقيقة للبنان، هذه لحظة للبنان لتحديد رؤية لبنانية – لا أجنبية – للبنان". بهذه العبارة وغيرها اختتم وكيل وزارة الخارجية الأميركية، ديفيد هيل، زيارته لبنان، معلناً أيضاً أنّ الولايات المتّحدة لن تقدّم أموالاً ومساعدات إلا عندما يستجيب القادة السياسيون لمطالب الشعب بالإصلاحات الضرورية والمطلوبة، كما كشف هيل أنّ مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي قريب في بيروت من التحقيقات اللبنانية ويقدّم المساعدة. والجدير ذكره أنّ التصريحات الرسمية كانت قد أعلنت قبل وصول هيل إلى بيروت، قبل أيام، أنّ زيارته هي من أجل متابعة مسألة ترسيم الحدود البرّية والبحرية بين لبنان وفلسطين المحتلة، غير أنّها تناولت أيضاً مسألة التفجير في مرفأ بيروت.
واضح أنّ الزائر الأميركي جاء إلى لبنان بهدف ممارسة مزيد من ضغوط أميركية تندرج في إطار تحقيق السياسة والأهداف الأميركية في المنطقة، ومنها مزيد من محاصرة إيران، ومزيد من العزلة والحصار على حزب الله في لبنان، ومزيد من الضغط لتأمين أفضل وأحسن الأوقات لتمرير أجزاء جديدة من صفقة القرن، وجديد مشاهدها، على سبيل المثال، التطبيع بين الإمارات وكيان الاحتلال الإسرائيلي.
قفز هيل فوق الكارثة التي حلّت ببيروت بعد انفجار المرفأ، وأعلن عن تقديم 18 مليون دولار فقط مساعدة للبيروتيين الذين تضرّروا بسبب الانفجار، في مقابل الحرص على مواكبة التحقيق، إن لم نقل الاشتراك فيه، لمعرفة كل الحيثيّات والتفاصيل المتعلقة به، ما قد يكون له علاقة باستكمال جمع المعلومات والتوثيق بما يخصّ مسألة سلاح حزب الله. غير أنّ هيل شرط أية مساعدة أميركية تُخْرج لبنان من دائرة الأزمة الاقتصادية الخانقة بما قال إنّها إصلاحاتٌ يجب أن تستجيب لمطالب الشارع اللبناني، وهي قد تكون في حقيقتها شروطا تتصل بالصراع بين الولايات المتحدة وإيران، أو قد يكون لها علاقة بتحجيم وتحديد نفوذ حزب الله في لبنان، فهي تستجيب لتطلعات الأميركي ومصالح الإسرائيلي، قبل أن تستجيب لتطلعات الشارع اللبناني.

أعلن ديفيد هيل عن تقديم 18 مليون دولار فقط مساعدة للبيروتيين الذين تضرّروا بسبب الانفجار، في مقابل الحرص على مواكبة التحقيق

وهنا يطرح بعضهم سؤالاً: إذا استجابت الطبقة السياسية الحالية لما يريده هيل وإدارته، هل سيتم الإصغاء لمطالب الشارع اللبناني، أم سيتم بيعه ثلاثة عقود أخرى، أو ربما أكثر، لطبقة فاسدة تنهبه وتسرقه من جديد؟ عاد المسؤول الأميركي باللبنانيين خطوة إلى الوراء، بعدما كان الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، زار بيروت بعيد الانفجار، والتقى الناس والمسؤولين الرسميين ورؤساء القوى السياسية، ودعا في ضوء ذلك إلى عقد جديد وحكومة وحدة وطنية ترسي نوعاً من التوازن في لبنان، وتشكّل مدخلاً لإعادة تكوين السلطة، من خلال انتخابات نيابية جديدة وفق قانون جديد ينتج التوازن ويحفظه. غير أنّ مواقف هيل أعادت الأمور إلى الوراء، وعبّرت عن موقف أميركي متشدّد حيال الأمور المطروحة، ما دفع الفرنسيين إلى التراجع والحديث عن حكومة حيادية.
واضح أنّ الوضع في لبنان ذاهب إلى مزيد من التعقيد، ومزيد من التوتر الذي يمكن أن يفضي، في أية لحظة، إلى الفوضى الداخلية أو المواجهة عبر الحدود، فحزب الله يشعر بأنّ المطلوب، في هذه المرحلة، ليس مجرد الصواريخ الدقيقة، بل حتى مجمل السلاح والحضور وبالتالي الاستسلام، وهو لن يقبل، في أي حال، بهذا الشيء، ولذلك طلب أمينه العام في خطابه أخيرا (يوم الجمعة الماضي)، من أنصاره الصبر والاستعداد للحظة قد يُطلب منهم فيها منْع أية فتنة في لبنان، في إشارة إلى استعداد الحزب للقيام بعمل خارج إطار المعهود والمعروف. كما أنّ المعلومات التي رشحت عن زيارة وزير خارجية إيران، محمد جواد ظريف، إلى لبنان، تحدّثت عن رفض إيراني لأي تنازل يمكن أن يُقدّم لبنانياً إلى الولايات المتحدة. ويعقد ذلك كله المشهد، ويحوّل لبنان إلى ساحة مواجهة مختلفة عن السابق، ويُدْخل البلد في أتونٍ قد لا يكون من السهل الخروج منه.
.. إنّها لحظة الحقيقة التي تحدّث عنها هيل، وعلى اللبنانيين أن يقرّروا، لكن الحقيقة أنّ القرار ليس بأيديهم.