لبنان وتفاقم النزعة العنصرية

15 يونيو 2019
الصورة
تشهد الساحة اللبنانية تصاعداً للخطاب العنصري بحق اللاجئين السوريين والفلسطينيين، أفضى إلى ممارسات عنصرية فجّة أخيراً، تمثل بعضها بمنع تجوال السوريين في بعض المدن والقرى ليلاً، وفي منعهم من عبور بعض الطرق ليل - نهار، وفي إجبارهم على ترك بيوتهم المستأجرة بشكل قانوني في أحد أحياء بيروت بدون أي إنذار مسبق وفوراً، بناءً على تبليغ شفوي لا غير.
واقتلع مخيم كامل للنازحين في محافظة بعلبك الهرمل، بعد إشكالٍ بين بعض مقيميه وعنصر من الدفاع المدني اللبناني، على خلفية حريق في أحد الأحراج المجاورة للمخيم. والغريب أن الرواية الوحيدة التي استمع إليها بما يتعلق بهذه الحادثة هي رواية عنصر الدفاع المدني الذي كان يقود سيارة إطفاء، أما رواية اللاجئين في المخيم فلم يأخذ بها أحد. وعمد الجيش اللبناني إلى اعتقال أكثر من ثلاثين شاباً من المقيمين في هذا المخيم، على خلفية الحادث الذي أصيب خلاله عنصر الدفاع المدني، نتيجة رشقه بالحجارة التي حطمت زجاج السيارة. وفي حين يدّعي السائق أنه تعرّض للهجوم في أثناء تحريك سيارته لإطفاء الحريق، ما أثار الغبار في الخيم، يقول سكان المخيم أن سيارته دهست خيمتين فيهما أطفالٌ رضّع، ما أثار غضب الشبان، فرشقوه بالحجارة بعدما لم يتوقف.
والمؤسف أكثر التنافس الكبير بين أتباع القوى السياسية المختلفة، في شنّ هجوماتهم العنصرية على اللاجئين السوريين، عقب هذه الحادثة، في خطابٍ شديد الإسفاف، يخشى أن يقابل بخطاب مماثلٍ من ناشطين سوريين، فيزيد الأمر خطورة، ما يجعلنا نؤكّد أن العنصرية لا تواجه بالعنصرية، فحذار أن تذكي العنصرية عنصرية أدهى مقابلة لها، فالكل في ذلك خاسر خسراناً مبيناً.
والبشر ليسوا عنصريين بطبيعتهم. وقد أثبتت تجارب كثيرة أن الأطفال من أصول عرقية -
إثنية، أو دينية - ثقافية مختلفة، وفي حال توفر الحرية التامة من أي مؤثرات خارجية سلبية، يتعايشون بشكل طبيعي، ويتشاركون ألعابهم، ويتبادلون ما لديهم من مشاعر وأفكار بدون أي شكلٍ من أشكال الحذر أو الخوف أو العدائية، حتى وإن اختلفت لغاتهم.
العنصرية يُدفع إليها الناس دفعاً. وإذاً، وراء كل ظاهرة عنصرية جهة مستفيدة. ولا ينحصر شكل الاستفادة من التمييز العنصري على الاستفادة المادّية المباشرة، وإنما قد يتعدّاها إلى أشكال متعدّدة، وصولاً إلى السياسة منها في بناء الحكم والسيطرة والنفوذ، وفي تمتينها وإدامتها.
تقوم العنصرية على فرضية الانسجام العرقي، أو الديني أو الثقافي، للجماعة، وعلى ادعاء التفوق، وبناء منظومة الاستعلاء على الآخر المختلف، والحطّ من قدره، ووصمه بالتخلف والبربرية، وبكل أنواع الخبائث. ومن ثم تعميم الخوف منه، واعتباره تهديداً وجودياً لكيان تلك الجماعة المتفوّقة يجب السيطرة عليه، أو حتى التخلص منه نهائياً
وفي لبنان، حيث يتصاعد اليوم الخطاب العنصري، ومن ثم الممارسات العنصرية، ضد اللاجئين السوريين، وبدرجة أقل ضد اللاجئين الفلسطينيين، ويتوسّع بشكل مخيف الخطاب العنصري الذي طالما عانى منه العاملون والعاملات العرب والأجانب في لبنان، لا يمكن الفصل بين هذا الخطاب وطبيعة النظام السياسي الطائفي والزبائني الذي تفرضه القوى السياسية المسيطرة، فالخطاب العنصري هو امتداد وتأصيل للخطاب الطائفي الذي يتحصّن به نظام ائتلاف المافيات المسيطرة في لبنان، القائم أساساً على تخويف الناس من الآخر المختلف دينياً ومذهبياً، واعتباره منافساً في اغتنام مغانم السلطة وامتيازاتها، ومقومات العيش من عمل وخدمات وموارد. وهذا ما وثّقت تلك القوى ربطه بنظام زبائني تحاصصي في الوظيفة والعمل والخدمات الأساسية، من طرق ومواصلات وبنى تحتية مختلفة.
لقد برع التيار الوطني الحر (العونيون، نسبة للرئيس ميشال عون مؤسس التيار)، في استغلال ما كان يعرف بـ"الإحباط المسيحي"، ورفعوه إلى رتبة "المظلومية" المسيحية، باعتبار أن المسيحيين في لبنان قد حرموا في ظل الوصاية السورية من إيصال نواب يمثلونهم، إذ اقتصر التمثيل المسيحي في البرلمان على نوابٍ مسيحيين أعضاء في التكتلات البرلمانية لأحزاب وتيارات وتحالفات تعتبر ممثلةً للطوائف الأخرى، ونواب ملحقين بالوصاية السورية مباشرة، وأسسوا على ذلك مهمتهم التاريخية في استعادة حقوق المسيحيين! التيار الوطني الحر الذي فرضه تحالفه مع حزب الله وقوى الممانعة في السلطة، الذي لم ينل ما ناله منها لولا هذا التحالف، فامتد وتغلغل في مؤسساتها جميعاً، مستفيداً من النظام الزبائني التحاصصي والطائفي، ومعزّزاً له، فقام بتغذية الخطاب العنصري وتعميمه بين أنصاره، ليصبح، مع كل ما فيه من وضاعة وإسفاف، الممر الإجباري الذي من خلاله تتعزّز مصالح أزلام هذا التيار ومناصريه، فكلما ارتفعت وتيرة هذا الخطاب انفتحت أمام أصحابه أبواب النفوذ والسيطرة في التيار، وفي المؤسسات التي تغلغل فيها.
المختلف السوري والمختلف الفلسطيني يصبحان فريسة سهلة للخطاب والممارسات العنصرية 
المقيتة، وباعتبار انتمائهما الطائفي والمذهبي، يتعرّضان لتمييز مضاعف من عتاة الطائفية والعنصرية في التيار الوطني الحر، الذي يسوّق لخطابه في مختلف وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، باعتباره خطاباً تحريضياً مسيحياً وممانعاً و"لبنانياً".
وإذا كان التيار الوطني الحر قد استفاد في السلطة والنفوذ من خطابه الطائفي والعنصري إلى هذا الحدّ، فإن القوى "المسيحية" الأخرى التي تضرّرت من صعود هذا التيار وجدت نفسها مضطرة للمزاودة عليه في هذا السياق، وأكثر، في الخطاب العنصري "اللبناني" في مواجهة اللاجئين.
ويصبح المختلف السوري أشد تعرّضاً للخطاب وللممارسة العنصرية اليومية، ما دام معارضاً لنظام عصابة الأسد. أما أتباع نظام الأسد ومناصروه من السوريين المقيمين في لبنان، فيمارسون لا فقط سيطرتهم على أصحاب ذلك الخطاب وتلك الممارسات، بل يوجّهونهم ويشجعونهم ويذلونهم أيضاً.
ولا يُنسى أنّ تفاقم الهجمة على اللاجئين يرخي بظلاله على الواقع اللبناني المتدهور، ويغطي على النقمة المتزايدة وتصاعد الاحتجاجات القطاعية والشعبية، على سياسات قوى السلطة الاقتصادية والمالية والاجتماعية والبيئية والتربوية، التي تفاقم الضغوط على الطبقات الاجتماعية والقطاعات المختلفة. ومن ثم، تستفيد القوى المسيطرة، ولو بشكل غير مباشر، من هذه الهجمة ومن تفاقمها.
في المقابل، ترتفع أصوات لبنانية كثيرة، ولكن من جهاتٍ متفرقة، لم تصل إلى حد توحيد خطابها ضد هذا الخطاب وتلك الممارسات، ومن بينها إعلاميون وحقوقيون ومجموعات مدنية وسياسية مختلفة، باتت مسؤولياتها مضاعفة اليوم، لا فقط لمواجهة هذا الخطاب وتلك الممارسات، وإنما أيضاً لفضحها وفضح أسبابها المادّية الحقيقية، ومراميها الخبيثة، ومن ثم المساهمة الفعلية في منع توسعها وتعميمها بين اللبنانيين.
وأختم بما كتبه ياسين الحاج صالح في هذا الموضوع: "كلما صار لبنان أكثر شبهاً بـ"سورية الأسد" صار فيه عنصرية أكثر تجاه السوريين". أصل العنصرية اللبنانية ليست اختلاف لبنان أو وجود عنصر لبناني متميز، بل بالضبط اتجاه الفرق إلى الانعدام. وتسهم العنصرية اللبنانية بمحو الفرق، تجعل لبنان أسدياً أكثر، مع تغذية الوهم بالتميز باعتباره تعويضاً. ولذلك الأكثر أسدية بين اللبنانيين، سياسياً وإعلامياً وعسكرياً، هم الأكثر عنصرية.
تعليق: