لبنان: هل ما زال ثمّة أمل؟

21 اغسطس 2020
الصورة
+ الخط -

تكاد الضربة التي تلقاها لبنان تكون قاتلة. بالكاد كانت هذه البلاد تدبر يومياتها وسط أزمات سياسة مزمنة واقتصادية خانقة. وبصعوبة بالغة استطاعت النجاة من زلازل إقليمية وتصدّعات أهلية، ترافقت مع محاولاتٍ دائبة لإلحاقها بمشاريع جيوسياسية هدفها توظيف موقع لبنان لخدمة أهدافها. 

كيف وصل لبنان إلى هذه النتيجة، وهو البلد الذي لطالما كان نموذجاً للعصرنة والقدرة الهائلة على مواكبة التطورات والاستفادة منها، وكيف تقهقرت ريادته في ظرف سنوات قليلة، ولم يعد ذلك المثال الذي كانه "سويسرا الشرق"، ولم تعد بيروته "باريس الشرق"، كما كان يحلو للنخب العربية تسميتها.

في ستينيات القرن الماضي وأوائل سبعينياته، كانت بيروت عاصمة المنطقة كلها، مركزها المالي والإعلامي، وقبلة السائحين، ودار كل المعارضين العرب من مختلف التيارات السياسية، ومقصد طلاب العلم في جامعاتها المتنوّعة، كانت مؤشراً على قدرة العرب على التكيف مع العصر، ونموذجاً تحلم أن تكونه كل العواصم العربية.

لطالما كان لبنان نموذجاً للعصرنة والقدرة الهائلة على مواكبة التطورات والاستفادة منه

حاولت نظريات تفسيرية تحليل ظاهرة تراجع دور لبنان، وأرجعت الأمر إلى ظهور مراكز أخرى في الإقليم، مثل دبي والدوحة وحتى تل أبيب، ولاحقاً إسطنبول بعد استدارة تركيا صوب المشرق، حيث استقطبت هذه المراكز الجزء الأكبر من رؤوس الأموال الإقليمية والدولية، وصنعت مراكز إعلامية كبيرة، وخصوصا في عصر الفضائيات، وأصبحت تنافس حتى في السياحة، على الرغم من فارق المناخ لصالح بيروت. ولكن هذا التفسير، على الرغم من وجاهته، يسقط من حساباته المتغيرات الحاصلة، ومنها حجم الثروة الكبير المتأتي من عوائد النفط والغاز والتجارة، والتضخم السكاني في المنطقة، والانفتاح الذي أرسته العولمة، دفع ذلك كله إلى الحاجة لوجود أكثر من مركز إقليمي، كما أنه أوجد حالة من التنافس الإيجابي على استقطاب أكبر قدر من المزايا.

ولكن ذلك أيضاً تطلب وعياً بالتطورات الحاصلة وتوفير الروافع المساعدة على الانخراط في هذا السياق، بما في ذلك إجراء عمليات تحديثٍ دائمة على البنى التحتية، واستقطاب أفضل الكوادر البشرية من المنطقة، ومن خارجها أيضاً، وتوفير المناخ المساعد، وخصوصا على مستوى قوانين العمل والاستثمار، والأهم من ذلك كله توفير الاستقرار والأمان.

كان لبنان، في هذا الوقت، يذهب في اتجاه آخر، فقد فرضت عليه سلطة الوصاية السورية إخبارها بكل الإجراءات التي يقوم بها، وأن يقدّم لها بيانات عن الشركات التي ترغب في الاستثمار لديه، والسائحين الذين يبيتون في فنادقه، ومقالات الرأي التي ستنشرها صحف بيروت في يوم الغد. ولم يقتصر الأمر عند حدود المراقبة والمتابعة، بل أوكل للبنانيين صنعهم نظام الوصاية، بتطبيق النموذج المطبق في سورية من بيروقراطية وفساد.

لم يعد لبنان يتطابق، بأي شكل، مع الصورة التي يحلم بها اللبنانيون عن وطنهم

ولم يتخلص لبنان من هذا الوضع، حتى بعد تحرّره من الوصاية، ذلك أن نظام الأسد الذي حكم لبنان ثلاثين عاماً أوجد نخباً سياسية واقتصادية زبائنية، مرتبطة بدمشق بدرجة كبيرة، وتواكب مع ذلك دخول إيران بقوة على خط الترتيبات السياسية والاقتصادية في لبنان، في مقابل تخبط عربي أضر أكثر مما أفاد.

باختصار، تحوّل لبنان ساحة صراع للآخرين، وقد يكون دخل هذه المرحلة منذ بدايات حربه الأهلية في منتصف السبعينيات، لكن بفارق أن اللبنانيين، في المرحلة السابقة، هم من وظفوا القوى المختلفة في مشاريعهم، صاروا موظفين في خدمة مشاريع الأطراف المتصارعة، فيما لبنان الوطن يفقد مزاياه، الواحدة تلو الأخرى، على مذبح تلك المشاريع.

نتيجة ذلك، اتسعت الفوارق بين لبنان والمراكز الإقليمية الصاعدة، أصبح لبنان طارداً كل عناصر التطور وروافعه، ولم يعد باستطاعته الحفاظ على دوره القديم ولا صناعة دور جديد يستطيع من خلاله تعويض جزءٍ من خسارته، بات مرتعاً لحيتان الفساد التي تألفت مع حيتان منظومة الأسد، وتحت إشراف إيران المباشر من خلال وكلائها وزبانيتها. على وقع ذلك، انهارت الطبقة المتوسطة في لبنان، وهي التي شكلت، على الدوام، أحد أهم روافع التطور، بما تضخّه من أفكار وقيم. انهارت قبل أن تسرق المصارف أرزاقها بكثير، وقبل أن يأتي انفجار العنبر رقم 12 في ميناء بيروت على آخر ممتلكاتها، بالأصل كان أحد شروط انهيار لبنان التنكيل بهذه الطبقة التي تشكل أحد أعمدة قوة لبنان.

تحوّل لبنان ساحة صراع للآخرين، وقد يكون دخل هذه المرحلة منذ بدايات حربه الأهلية في منتصف السبعينيات

لبنان الذي صاره بعد كل هذه التشوهات، لم يعد يتطابق، بأي شكل، مع الصورة التي يحلم بها اللبنانيون عن وطنهم، والأكثر من ذلك، لم يعد قادراً حتى على تأمين أبسط احتياجاتهم الحياتية، مثل أي وطن آخر، ولولا تكافل أهله في المهاجر، لانكشف منذ زمن حجم الكارثة التي بات عليها هذا اللبنان الذي كان في زمن ليس بعيداً عظيماً!

المفارقة أن لبنان، في انهياره الكبير، لن يشكل حتى عبرة لغيره، وخصوصا لجيرانه الذين يغرقون في لجج الانهيار، فلن يسمع صدى انهياره حتى في الداخل اللبناني الذي سيطر عليه الإحباط، بعدما قتلت الانقسامات المجتمعية والسياسية آخر أمل لهذا البلد في الخلاص من واقعه القاتم، عبر تحطيم ثورة شبابه، الثورة التي طالبت بكنس الطبقة السياسية الفاسدة كلها (كلن يعني كلن) لتتحقق قيامة لبنان.