لا موانئ لي في بلادي السفينة

20 مايو 2020
الصورة
(دانيبال ريّس أومبريا، العربي الجديد)

بطاقة بريديَّة I

يهطلُ المطرُ في هذه المدينة بغزارة،
لكنَّ النَّهر يتدفَّق في مدينة أخرى بعيدة عنّي،
مثلكِ أنتِ.
أخلقكِ من كلماتي
وأُفكّرُ فيكِ
عندما يسقط السّتار
وتولد بيننا مسافة.
وفيما أتخيّلُ وجهَكِ
كمثل ورقة خضراء تكاد تسقط،
أبتسمُ بضياع.
لا شيء إلّا الحزن والمكان الذي جئت منه.
ها أنا الآنَ أحنو على نَهر وسخٍ يُجرجِرُ نفسَه
ولم يعدْ يسيل.


■ ■ ■


بطاقة بريديَّة II

عند السّقوف المتدلّية،
سقوف الليل تحت ضوء النَّهار،
توجدُ، هناك في الأعلى، مدينةٌ أخرى
صامتة،
لا ضجيجَ فيها.
غير أنَّ فيها طُرقاً تصطفُّ على أطرافها أشجارٌ ميتة.
كلُّ شيءٍ غريبٌ في هذه المدينة:
سيّدٌ يقود جيشاً مجنوناً من بشرٍ
تعلو صيحاتهم ألماً من الحرب،
عيونٌ وفوّهات أنوف تحشد الغرباء
في نظرةٍ واحدة.


■ ■ ■


بطاقة بريديَّة III

هنا أستمتعُ بقسوة المراكز التجاريَّة
وأخافُ قليلاً أو كثيراً الهواءَ الاصطناعيّ،
في حين تبدو لي ماركات الأحذية ومتنزَّهات الأطفال
ملاجئَ تحمي من الشمس.
هذا العالم مغطَّى بالسقوف،
غير أنَّني أجدُ فيه
ربيعاً لكلّ كسوفٍ،
خيوطَ أشباح خادعة
ومراسيَ للأزقَّة الباذخة
حيث تضيع أيادي الفقراء
الّتي لا يمكن عدّها.


■ ■ ■


بطاقة بريديَّة IV

تجنّبِ النزولَ في هذه المدينة صوبَ الأماكن الدفينة
في الساحات المطفَأَة
أنَّى الخراب يعمرُ كلَّ شيء.
لا تسأل لماذا رقبة هذا الإنسان أطول من اللازم
فالحياة هنا تُكتب على الجدران
وفنّانوها يعرفون كلَّ شيء، يكتبون كلَّ شيء.
هنا، إذا ارتديت حذاءك دون رباط،
فستهبط في ساحة الرقص
ولن تتحدَّث أبداً عن هذا المكان.


■ ■ ■


بطاقة بريديَّة V

تستقبلُكَ الجادَّةُ المجاورةُ بعبارتها الترحيبيّة
على أنغام لحنٍّ موسيقيٍّ بطيء:
تنحَّ، لا تتكلمْ عن قتلاك
حينها يمكن أن تجدَ عزاءً لك.
هكذا أترحّل راقصاً
تاركاً أهدابي ورائي.


■ ■ ■


بطاقة بريديَّة VI

يتعثَّر الرّجال والنّساءُ في السوق
وبينما تتشابك أيادٍ مع أخرى
تارة ليّنة
تارةً قاسية كالعظم،
أكون قد صرت عبئاً خفيفاً يتحدَّث إلى وحدته.
دائماً أمشي وقلبي خفيفٌ كالحمام.
ألهذا أنتظر دائماً أن أُنقذَ كلباً؟
غبطتي الآن
غبطة طفل يأكل عن جوع.


■ ■ ■


بطاقة بريديَّة VII

يزحفُ النهار هنا بصعوبة
وبينما تعبرُ امرأةٌ صنعتْ من الشمس رداءً لجسدها
تطفو رؤوس نهضت للتوّ
في الزرقة الّتي تحيط بالمكان.
أصواتُ طبولٍ وأبواق تحبس الأنفاس.
وبينما كان المارّة يملؤون المحالَّ التجاريَّة
تراءى لي سرابٌ من المكان
الّذي لم أعتد أبداً العبور منه.
إنَّه الوقت
وقت آذار
وأشجار الصفصاف الخجولة،
وحجارة القرون،
تتوسَّط أنقاض ذاك الشارع الشاهد
على غرق شخصٍ
مرَّ للتوِّ من هناك.


■ ■ ■


بطاقة بريديَّة VIII

تبني أسراب الطّيور أعشاشها في السقوف
وحينما تتحوّل الأيادي إلى مناجيق
تحلّق طيور الكراكيّ بصمت
فوق خيوط الدّم المصبوغ على الأرصفة
الّتي قُذفت منها الحجارة.
باكراً تستيقظ المدينة
على هذه الصورة القادمة من بعيد،
كلَّ صباح.


■ ■ ■


بطاقة بريديَّة IX

تهربُ أسرابُ الببغاوات نحو التلَّة
البعيدة عن الأبنية القديمة
في حين تتأرجح السراويل راقصة.
لا يثمر الشجر في هذي المدينة
وبينما تمتلئ أفواه القطط بالزبد
أتأمَّلُ نفسي
أضعفُ من لفافة تبغٍ يحترق.
هكذا يغمرني الصمت ببطء
وبحذر.
هكذا يهبط الليل
وألتفُّ حول رقبتي
كحجر.


■ ■ ■


بطاقة بريديَّة X

لا تتوقَّفُ الطحالب عن النموّ
في بحيرة المدينة الراكدة.
وثمَّة أبوابٌ شبه محطَّمة لا يمكن إغلاقها،
تعويذةً في وجه الفقراء
الذين يغتسلون في الطابق العلويّ.


■ ■ ■


بطاقة بريديَّة XIV

قريباً منهم كنتُ
ورأيتُ كلَّ ما فعلوه
واسمي الذي محَوه
حين كنت أقول:
لا موانئ لي
في بلادي السفينة.


■ ■ ■


بطاقة بريديَّة XVIII

الآنَ، أخيراً، وبعد كلِّ شيء
رحلتُ مكسوراً
كقلب هذه المدينة.
ربَّما سنحيا دائماً هكذا،
مستعدّين مثل الجوع.


■ ■ ■


بطاقة بريديَّة XIX

كان في نيّتي أن ألتهم عينيّ
أنّى كنت في غرفة
تغرق في الوسخ.
ليس هناك أوحش
من الموت اختناقاً
في معرفتي لنفسي.


■ ■ ■


بطاقة بريديَّة XX

هل تجيدُ يداك شيئاً آخرَ
سوى حراسة هذا البيت،
منزلنا المكسور؟


■ ■ ■


بطاقة بريديَّة XXIV

أرفض أن أرى فيك طريقاً إلى منفاي
على الرّغم من ضوئك وكلّ جميلٍ فيك.
كلّ هذه العوالم الدفينة فيك
هي شغف آخر،
في أيّ حال.


■ ■ ■


بطاقة بريديَّة XXVIII

قدمٌ حول قدم
ذراع فوق ذراع
ثديٌّ على ثديٍّ
رحمٌ وخاصرة
وصوتٌ يتفجَّر
من جسد يخترق جسداً.
هكذا بدأ كلُّ شيء.


■ ■ ■


بطاقة بريديَّة XXXI

قلت أُطفئه بيدي
لكن كان إشعاعك انفجاراً،
موجاً من اللهب
رحتُ أتخبَّط بين أطرافه.


■ ■ ■


بطاقة بريديَّة XXXII

جسدك تموُّج دائم
تبحرُ في زُرقته الواسعة
سفينةُ جسدينا، الوحيدة بلا قرار.


■ ■ ■


بطاقة بريديَّة XXXV

كلُّ ما تركتهِ هنا
بالكاد له الآن أثر منك.
شخصٌ ما سئم من قدميك!


■ ■ ■


بطاقة بريديَّة XXXIX

سأبقى هنا
حتّى لو صرتِ احتراقاً
أعرف أنَّ هنالك انعكاس ظلّ
على الضفَّة الأخرى،
أنّى نجهل إن كانت الأوراق
تكتب في زواياها
الماءَ.


** ترجمة عن الإسبانية: جعفر العلوني


ــــــــــــــ
فنزويلا الشاعرة
في عالَم شعر اللغة الإسبانية، الأميركي اللاتيني، تهيمن بلدان بعينها، وتغيب عن خريطة الذيوع أسماء شعرية من بلدان أصغر. وإن كانت فنزويلا بلداً يتصدر الأخبار ولا سيما في منطقتنا العربية، حيث أكسبته سياستُه الزاجرة لدولة الاحتلال الإسرائيلي تعاطفاً كبيراً، لكن كتّابه وشعراءه أقل وصولاً إلى لغتنا من زملائهم اللاتينيين. وقفتنا هنا عند تجربة دانيبال ريّس أومبريا، محاولة لتقديم وجوه من فنزويلا الشاعرة.

تعليق: