كيف وظفت إسرائيل تعثر الربيع العربي؟

08 فبراير 2017
الصورة
+ الخط -
مرّت ست سنوات على "الربيع العربي"، غيّرت بصورة جذرية الأوضاع في عدد من الدول العربية في المنطقة، بدءاً من مصر التي لم يبق شيء يذكّر بثورة يناير2011، مروراً بسورية التي مزّقتها الحرب الأهلية والتدخلات الخارجية، وانتهاء بليبيا، حيث الفوضى والانقسام على أشدّهما، واليمن الذي يئن تحت وطأة صراع سيزيفي، ناهيك بالثمن الباهظ الذي دفعته دول المنطقة، جرّاء تفشّي ظاهرة الإرهاب الجهادي، وتفاقم أزمة اللاجئين السوريين.
وحدها إسرائيل بقيت خارج دائرة الاضطرابات الكبرى التي عصفت، وما تزال تعصف، بالمنطقة، وتبدو ظاهرياً كأنها لم يلحق بها أذى حقيقي. لا بل يخيّل أحياناً من متابعة النقاشات الداخلية الإسرائيلية أنها نجحت في توظيف فشل "الربيع العربي" والاضطرابات في المنطقة كي تحقق مكاسب استراتيجية، وأبرز ما يظهر ذلك في النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي.
وظفت حكومة نتنياهو الاضطرابات التي عمت دولاً مجاورة، مثل مصر وسورية، للادعاء بأن حال الفوضى وعدم الاستقرار لا يسمحان بتطبيق حل الدولتين لشعبين. وخلال السنوات الست الماضية، دأبت هذه الحكومة على إحباط جميع المحاولات التي قامت بها إدارة باراك أوباما، أو دول أوروبية مثل فرنسا، من أجل استئناف المفاوضات السياسية، تحت ذرائع شتى. في الوقت عينه، استغلت إسرائيل الفوضى الإقليمية من أجل العمل على زعزعة سلطة الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، والتشكيك بشرعية تمثيله الشعب الفلسطيني، وبأنه ليس "شريكاً للسلام". واستغلت تفاقم حالة الانقسام والخلاف بين حركتي فتح وحماس لإضعاف الطرفين. كما شنت عمليتين عسكريتين لضرب القوة العسكرية لحركة حماس؛ الأولى في 2012 عملية "عمود سحاب"، والثانية في 2014 "الجرف الصامد" التي تركت وراءها خسائر بشرية كبيرة ودماراً هائلاً، ما يزال أهل غزة يرزحون تحت وطأته. وخلال تلك الفترة، شدّدت السلطات الإسرائيلية الحصار المفروض على القطاع، وتفاقم الوضع بصورة كبيرة، بعد إغلاق حكم الجنرال عبد الفتاح السيسي معبر رفح من الجهة المصرية أوقاتاً طويلة، وإعلان حركة حماس تنظيماً إرهابياً.
اعتبرت إسرائيل الأحداث الدموية التي تشهدها دول المنطقة أكبر دليل على أن القضية 
الفلسطينية والنزاع مع إسرائيل ليسا سبب الحروب وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن فلسطين لم تعد قضية العرب الأولى، فهناك قضايا أخرى أكثر إلحاحاً تشغل بال دول المنطقة. في هذه الأثناء، واصلت إسرائيل توسيع مستوطناتها وسياسة التمييز والعزل ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية وضد عرب 48. ويمكن القول إن القضية الفلسطينية هي الخاسر الأكبر من الاضطرابات في المنطقة، والتي ترافقت مع تغيرات إسرائيلية داخلية، تمثلت في صعود الخطاب اليميني المتشدّد وتفاقم العداء والكراهية لكل ما هو فلسطيني.
في مقابل ذلك، كانت للحرب الأهلية الدموية المندلعة في سورية تأثيرات متعارضة على إسرائيل، فمن التأثيرات السلبية لهذه الحرب، تصاعدت قوة حزب الله العسكرية جراء انخراطه في القتال في سورية، وزيادة النفوذ الإيراني في سورية ولبنان حصيلة التدخل العسكري الإيراني في القتال إلى جانب حليفهم بشار الأسد. ويتخوف الإسرائيليون حالياً بعد الانتصار الذي حققه أخيراً تحالف روسيا –إيران- حزب الله في حلب، من تمدّد الوجود العسكري الإيراني في سورية إلى هضبة الجولان، وفتح جبهة جديدة ضد إسرائيل. لكن، في المقابل، أدّى الاقتتال الأهلي في سورية إلى تفكك الجيش السوري الذي كان يشكل القوة العسكرية النظامية الأساسية التي تشكل خطراً على إسرائيل في أي حرب مستقبلية، الأمر الذي يشكل نقطة إيجابية في نظر إسرائيل.
منذ بداية الأحداث في سورية، انتهجت إسرائيل سياسة "الخطوط الحمر" التي رسمها وزير الدفاع السابق، موشيه يعلون، والتي أوضح فيها رفض إسرائيل المطلق تهريب سلاح نوعي من سورية إلى حزب الله يكسر "توازن الردع"؛ وتصدّيها بعنف إلى أي هجوم تتعرّض له إسرائيل من سورية أو لبنان. لكن، في الوقت عينه، مارست إسرائيل سياسةً أخرى من وراء الكواليس، سعت بواسطتها إلى إقامة علاقات عن قرب مع المجموعات المسلحة التي سيطرت على مناطق قريبة من الحدود في هضبة الجولان، من خلال تقديم المساعدات الطبية والإنسانية للجرحى من المقاتلين وللمدنيين بصورة تذكّر بتجربة "الجدار الطيب" مع جنوب لبنان في سبعينيات القرن الماضي.
لكن النقطة الأكثر سلبيةً الأخرى التي أقلقت، وما تزال تقلق، الإسرائيليين، كانت وما تزال تصاعد مكانة إيران، بفعل تدخلها في الحرب السورية. إذ تمثل إيران، في نظر المسؤولين والخبراء في إسرائيل، الخطر الوجودي الأول عليها، لا سيما بعد توقيعها الاتفاق النووي مع الدول العظمى، وإمكانية حصولها في أي لحظة على سلاح نووي. وهي تعتبر تمدّد الوجود العسكري الإيراني في سورية، يشكل تهديداً مباشراً عليها.
أما فيما يتعلق بالوجود العسكري الروسي في سورية فهو، من ناحية، قيّد هامش المناورة
الإسرائيلية، لا سيما بالنسبة لسلاح الجو الإسرائيلي في الأجواء السورية، لكنه، من ناحية أخرى أيضاً، فرض برأي إسرائيل قيوداً على حرية العمل العسكري لكل من إيران وحزب الله ضد إسرائيل. علاوة على ذلك، يستطيع الروس أن يلعبوا دور الناظم للتوازنات الهشّة التي نشأت جرّاء الحرب السورية، ودور الكابح لكل من إيران وحزب الله عند الضرورة. لكن إسرائيل تدرك جيداً أن ما يحرّك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، هو أولاً وآخراً مصالح بلاده. وكثيراً ما تتعارض المصالح الروسية مع المصلحة الإسرائيلية، كما حدث عندما دعمت موسكو، في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، قرار مجلس الأمن الدولي الذي دان المستوطنات، واعتبرها غير قانونية.
في الوقت الراهن، لا تعتبر إسرائيل تنظيم الدولة الإسلامية خطراً مباشراً عليها، لأنه متورّط بصراعات عدة غيرها. لكن ما يقلق إسرائيل تغلل الفكر الجهادي الإرهابي بين السكان العرب داخل إسرائيل، وأي محاكاة فلسطينية لأسلوب تنظيم داعش في الهجمات.