كيف غيّرتني "صفحة ثورة البنات"

كيف غيّرتني "صفحة ثورة البنات"

17 فبراير 2017
+ الخط -
عندما اشتعلت أرجاء المحروسة بأحداث ثورة يناير 2011، كنت فتاة في عامها العشرين، تدرس الأدب الإنكليزي في جامعة طنطا، تتطلع إلى الزواج وتحلم بالأمومة. كنت أبحث من حينٍ لآخر على الإنترنت عن إجابات لتساؤلاتٍ عدة؛ عن جسمي وعن وضعي اجتماعيًا كفتاة، ولكن لقلة المحتوى المنشور باللغة العربية، لم يُسفر بحثي في كثير من الأوقات إلا عن الوظائف الجنسية والإنجابية للنساء والتي لا تخرج عن كونهن زوجات وأمهات مُحتملات، كما كانت هذه النصائح حريصة كل الحرص على العذراوات منهن، مُفرقّة بين العذراء والمتزوجة حتى لا تؤدي النصيحة إلى فض غشاء البكارة. 

لم تكن هذه النتائج لتمر على عقلي مرور الكِرام، فكنت أتساءل لماذا هناك مجموعة من النساء مقصية عن الحديث؟ هؤلاء اللاتي لم يتزوجن، أو لم يُنجبن؟!

حتى بدأت أشعر بحتمية المشاركة في أحداث الثورة، فبدأت بالتوثيق والدعوة للفاعليات. أثناء مشاركتي في التظاهرات والأحداث لاحظتُ أن النساء يُعاملن مُعاملة مختلفة؛ يُحمّلن مسؤولية "شكل التظاهرة" عن طريق ملابسهن، فيُتهمن بالإساءة للمظهر العام للثورة إن ارتدين ملابس قد لا تروق لزملائهن من الثوار الرجال. ثم ما تلاها من انتهاك لحقوق النساء في التنكيل؛ ككشوف العذرية، أو في التهميش؛ كمحاولات إثناء الناشطات عن النشاط ضد التحرش الجنسي وغيره من القضايا النسوية بحجة أنها ليست بأولوية "ثورية".

لألحظ أن ما تعانيه النساء في المنزل، لم يختلف كثيرًا عمّا أختبرنه كمتظاهرات في الشارع، وأن الخط المستقيم الذي يربط بين الفضائين العام والخاص، ماهو إلا منحنى مغلق، يتصل أوله بآخره في دائرة الهيمنة الاجتماعية.

فقررت أن أؤسس مجموعة معنية بحقوق النساء، وبالأخص تلك التي تتعلق بالجسد، وكانت "ثورة البنات".

أسست "ثورة البنات" في الذكرى الأولى لثورة يناير، وكان كل ما أسعى إليه هو مساحة لأصوات النساء وتجاربهن. ولم تلبث الفكرة أن تحولت إلى منبر حقيقي للفتيات من أنحاء الجمهورية؛ يُشاركن تجاربهن مع التمييز والعنف القائمين على الجنس والنوع الاجتماعي.
اعتمدت على التكنولوجيا، لأنها أداة فعالة في التواصل، والوصول لأكبر عدد من المُشاركات، كما أنها تعطي مساحة آمنة للنقاش المفتوح عن قضايا الجسد والجنسانية دون توجيه عنف جسدي حقيقي؛ لكنها للأسف لم تخلُ من التنمّر والعنف السيبري.

أضافت "ثورة البنات" بُعدًا جديدًا لرؤيتي لأوضاع النساء في المجتمع المصري، من خلال تجارب هؤلاء المُشاركات، وما يروونه بأنفسهن عن أنفسهن، عن تجاربهن التي تشبه تجربتي وتتقاطع معها رغم اختلاف الظروف المحيطة، شاملة الطبقة والعرق ولون البشرة، وغيرها.

تعلّمت أن للنساء حياة وأجساداً. هذه الأجساد خارج قالب الزواج والأمومة، كيانات مستقلة بذواتها؛ لا تُعرّف بنسبها لذويها من ذكور العائلة. أجساد كانت في السابق غير مرئية سوى في إطار اجتماعي، أصبحت مرئية خارجه، مُعلنة عن نفسها وعن حقها في المساحة العامة.

لننضج جميعنا كفريق عمل ومُتابعات من خلال "ثورة البنات"، والتي أضافت منظورها النسوي الذي تطور عامًا تلو الآخر على مدار أعوامها الخمسة، وطوّرنا معه دون أن نشعر، مُتخللًا في وعينا، تاركًا أثرًا مؤلمًا بعض الشيء.

بعد "ثورة البنات" تساءلت عن حقي في ارتداء الحجاب أو خلعه، حتى لو كان فرضًا، بعد أن كان محور أسئلتي هل الحجاب فرض أم لا؟ هل حقيقي أني سأعلّق من شعري يوم القيامة إن أظهرته؟ لأقوم بخلعه نهائيًا بعد 11 عام من الإجبار على ارتدائه، متحملة كافة العواقب والنبذ المجتمعي لي ولقراري الذي بدا للجميع جنونيًا.

في "ثورة البنات" تعلّمت الفرق بين النوع والجنس، بين الدور الاجتماعي المتوقع منّي كامرأة وبين ما أريده لأفكاري وجسدي.

لينفتح أمامي عالم من المصطلحات والأفكار علمت في الشهور الأولى من تأسيس ثورة البنات أن الاسم المتعارف عليه لهذه المصطلحات هو النسوية؛ لتصبح بذلك النسوية هي شغفي الأول والأخير منذ ذلك الوقت وحتى الآن.

لأنتقل بعدها إلى القاهرة حيث عملت في عدة منظمات غير حكومية معنية بحقوق النساء، وأكمل دراساتي العُليا بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، والتي ما أن أكملتها حتى التحقت ببرنامج الماجستير لدراسات المرأة والنوع الاجتماعي في الجامعة الأميركية بالقاهرة.
أصبحت شخصيتي المتمردة لها مكان في حيز قبولي لذاتي، فعلمت بأني لست وحدي، وأن كلمة "لا".. تتسلل خارج شفاهي دون أن أخشى شيئاً. فارقني إحساس الذنب الذي منعني عن قرارات عدة وددتُ لو كنت أملك حرية الاختيار فيما بينها.
علاقتي بجسدي نفسها قد تغيرت، أصبحتُ أكثر تصالحًا معه، أصبحت أسمع لجسدي، أنتبه له، أراه.
أرى جسدي وحده، مُتجردًا من أطنان التنميطات والتوقعات الاجتماعية منه ومني، عاريًا من كل مَن يحول بينه وبيني.

هذا الشغف تجاه النسوية ودراسات النوع الاجتماعي، لم أكن أعلم عنهما شيء قبل "ثورة البنات"، هذا المنبر الذي تطور وتطورنا معه، فكبر وكبرنا وأصبحت ما أنا عليه الآن: غدير أحمد الناشطة النسوية وباحثة دراسات المرأة والنوع الاجتماعي.

دلالات