كورونا عندما غيّر حياة اللبنانيين

14 مارس 2020
الصورة
بدأ التفشّي السريع لفيروس كورونا الذي شهدته دول عديدة، من بينها لبنان، يفرض نفسه بقوة وبوتيرة تصاعدية وضاغطة على حياة اللبنانيين جميعاً، وجعلهم يغيرون حياتهم بصورة جذرية. ودفع تصاعد القلق من تفشي الوباء بصورة كبيرة وسائل الإعلام إلى المبادرة لإعلان حالة طوارئ عامة في البلاد. 
لا يعود القلق، الذي وصل في أحيان كثيرة إلى حد الهلع، فقط إلى الارتفاع المضطرد في عدد الإصابات الذي إذا استمر على وتيرته الحالية، فإنه يمكن أن يبلغ أرقاماً مخيفة، بل يعود أيضاَ إلى عدم ثقة المواطن بأن دولته التي تمر في أقسى أزمة اقتصادية شهدها لبنان يمكن فعلاً أن تكون قادرة على القيام بالمهمة الصعبة لوقف تفشّي الفيروس، ولا سيما أن دولاً عظمى، مثل الصين، واجهت صعوبة بالغة، ولم تنجح في لجم انتشار الفيروس إلا بعد قرارات جريئة ومؤلمة وإجراءات فعالة وإنفاق ملايين الدولارات.
من أين للدولة اللبنانية هذه القدرة على اتخاذ قرارات جريئة سياسية وأمنية ومالية، وهي التي تأخرت في اتخاذ قرار وقف الرحلات من البلدان الموبوءة إلى لبنان، حتى يوم 3 الشهر الحالي (مارس/ آذار)؟ ومن أين لها المال المطلوب لتجهيز المستشفيات الحكومية بالمستلزمات الطبية؟ والأهم كيف يمكن لجهاز الرعاية الطبي الحكومي القدرة على القيام بالمهمات الجسام الملقاة على عاتقه في ظل الإهمال الطويل الذي عاناه القطاع الصحي العام، بالمقارنة مع القطاع الصحي الخاص.
على الصعيد الشعبي، تأخر اللبنانيون في استشعار الخطر الذي يمثله فيروس كورونا، من جهة بسبب شعار "لا داعي للهلع" الذي رفعه وزير الصحة، حمد حسن، مع الإعلان عن الإصابة 
الأولى. ومن جهة أخرى، بسبب نظرة فردية ضيقة، وغير واعية، ومستهترة، بالإضافة إلى الخطاب الأيديولوجي، والحديث عن أعاجيب وأوهام، وغيرها من الغيبيات والظواهر الاجتماعية السلبية التي تكثر في أوقات الأزمات والملمّات في تاريخ الشعوب. إعلان حالة طوارئ مدنية أحدث صدمة، ودفع الناس إلى الانتباه لخطورة الفيروس والبقاء في منازلهم.
وكأن هذا كله لا يكفي، هناك غموضٌ وتعتيم على الأعداد الحقيقية لتفشّي الفيروس بين الذين قدموا من إيران خلال الأسابيع الماضية. ويجري التعامل مع الأمر كأنه من الأسرار الأمنية والاستراتيجية. وإذا كان مثل هذا السلوك مفهوماً في المسائل العسكرية والاستراتيجية والأمنية، فإنه غير مفهوم وغير منطقي عندما تكون له علاقة بمسائل تمسّ صحة المواطنين وسبل مواجهة الوباء الخطير. يساهم هذا الغموض غير المفهوم في تكاثر الشائعات، ويفاقم المخاوف.
يعي اللبنانيون اليوم أكثر من أي وقت مضى أنهم في مواجهة خطر لا يرحم، وهم بحاجة إلى الوعي والتآزر والعقلانية، وتوظيف كل جهودهم وقدراتهم لتجاوز المحنة التي هي محنتهم جميعاً. هم بحاجة إلى أن يثقوا بأن هناك جهة قادرة على حماية صحتهم وصحة أولادهم. وإذا نجح اللبنانيون، حكومة ومجتمعاً مدنياً، في تخطي هذه المحنة، فإن هذا يمكن أن يؤسّس لتجربة لبنانية مشتركة جامعة ورؤية لمستقبل مختلف. اليوم، الشعب اللبناني كله في خطر، وتضامن جميع فئاته ضروري وحيوي أكثر من أي وقت آخر.
رندة حيدر
رندة حيدر