كنتنا الجديدة مثل ركاب سيارتنا

كنتنا الجديدة مثل ركاب سيارتنا

29 ابريل 2017
+ الخط -
ذات يوم، حينما كنا في سورية، ولم يكن هناك قتل واعتقال وبراميل متفجرة وكيماوي، والذي منه، وبينما أنا جالس وراء كومبيوتري، أشتغل على مشاريعي الكتابية المتنوعة، إذ رن موبايلي، نظرت إلى الشاشة فوجدت عبارة "لا يوجد رقم" مرتسمة عليه، فتحت الخط وإذا بشخص عزيز علي من معارفي القدامى، وبمجرد ما قلت "ألو" سارع إلى إفهامي أن خطه الهاتفي الأرضي لا يوجد فيه إمكانية الاتصال بالجوال، وأنه اشترى بطاقة "ألو سورية" من أجل أن يحكي معي، فهو لا يعرف رقمي الأرضي.

قاطعته قائلاً: "مفهوم مفهوم. لو سمحت أعطني رقمك الأرضي وأنا أتصل بك، وأرجوك أغلق الخط لئلا تستهلك المزيد من رصيد بطاقتك".
المهم، اتصلت به، وعرفت منه ما يريد.
أوضح لي أنه يعيش مع أسرته المؤلفة من أولاده الثمانية، وأمهم إلهام، في بيت ينتمي إلى جنس المساكن الشعبية إلى الجنوب من مدينة إدلب، يتألف البيت من غرفتين وموزّع (الموزع يُقال له في بعض المدن السورية: المَحْشَك)، وقد شب الأولاد وكبروا فيه، وكلما زادوا واحداً كان يضطر إلى تنسيق أو بيع بعض قطع الأثاث لكي يجلس المولود الجديد في محلها.

دواليك حتى أصبح بيتُه جلداً على عظم، وانطبق عليه المثل القائل: على الأرض يا حكم.
حصل الولد الكبير بين مجموعة أولاده الذكور على شهادة البكالوريا الأدبي بشق النفس، وبمجموع يشبه الطعام الذي يخلو من أية فائدة للجسم ولكنه يمنع الإنسان من الموت، واكتملت لحيته، ونبق شارباه إلى الأمام وكأنهما في حالة استنفار (مية بالمية!)، ووقتها ناحت العمة الكبرى قرب رأسه- مثلما ناحت الحمام قرب رأس أبي فراس الحمداني، وقالت له: الله تعالى يبعث لي حمى وداء السل، ويقطعني عليك يا أخي، ماذا سيقول الناس حينما يرون ابنَك الذي إذا ربطتَهُ في شجرة التوت وأجفلتَهُ يقتلعها من شروشها.. قد بقي من دون زواج، وبقيت أنت، يا حسرات قلبي عليك، من دون أن ترى خلفة أولادك؟
وظل الناس ينقون عليه ناصحين إياه بأن يزوجه، فَزَوَّجَهُ، تصور، دون أن يكون له عمل أو وظيفة، وأسكنه وزوجته معهم في البيت ذي الغرفتين والمَحْشَك!

قلت له: عفواً للمقاطعة، واعذرني على "حشريتي" وتدخلي فيما لا يعنيني. أرجوك قل لي، كيف توزعتم في البيت بعد قدوم زوجة المحروس، كنة الهنا؟
قال لي: اسمع هذه الحكاية وخذ منها عبرة. من زمان يا أستاذ كانت توجد في قرية "حربنوش" الجبلية التابعة لبلدتكم معرتمصرين سيارة سائحة عامة ذات خمسة مقاعد ماركتها "دوزوتو" ولكن أهل المنطقة كلهم يلفظونها (ضوظوطّو)،.. كانت تعمل على البنزين ولكن الميكانيكيين الأرمن أصحاب الأنامل الذهبية استطاعوا أن يحولوها إلى "الديزل" ودَبَّلوا لها المقصات الحديدية السفلية، فأصبحت قوية ومجنحة مثل عربة "البتي إر" السوفييتية، وكان كل الركاب الذين يأتون من حربنوش إلى معرتمصرين من أجل إنجاز معاملاتهم الإدارية والتسوق في بازار معرتمصرين يركبون فيها مهما بلغ عددهم، وكان سائقها يكرجها في الفيء بجوار "مقهى الشايب" حتى يخرج الناس من صلاة الظهر، فيتجمعون بجوار المقهى، فإذا ما اكتملوا أوعز لهم السائق بالصعود إلى السيارة وانطلق بهم.

ولم تكن تلك المنطقة قد سمعت، يومذاك، بشيء اسمه شرطة المرور، إلى أن جاء يوم، يا مرحوم البي، وبينما كانت السيارة تمشي وتتمايل ببطء مثل بعير نُصب على ظهره هودج، وإذا بشرطيين واقفين عند مفرق قرية (كفر اليحمول)، استوقفاها، وطلبا من الركاب أن ينزلوا، وبعد أن نزلوا طلبا من السائق تقديم أوراقه لكي يحرروا له "ضبط مخالفة". وفجأة خطرت لأحد الشرطيين فكرة نفذها في العجل. عد الركاب فوجدهم تسعة عشر راكباً، فقال للسائق:
- أنا مستعد لأن أعفيك من ضبط المخالفة إذا أنت شرحت لي الكيفية التي استطعت بموجبها إركاب كل هؤلاء البشر ضمن سيارتك الصغيرة هذه.
قال السائق للشرطي: بسيطة. وقال للركاب: كل واحد يصعد إلى مكانه!
فتعربشوا بالسيارة وتموضعوا في أماكنهم بسرعة البرق.
انتهى صديقي من رواية الطرفة، ثم قال لي:
- ركابي أنا في البيت مثل ركاب سيارة حربنوش. كل واحد منهم يعرف كيف "يدبر رأسه". والكنة الجديدة سرعان ما انخرطت في جونا وصارت مثلنا.