كامل أبو جابر: لم أفاوض إسرائيلياً! [2/1]

أنس أزرق
12 يناير 2015
يحمل كامل أبو جابر سنواته الثمانين بكل أناقة، يحتفظ بذاكرة متقدة ولطف أخاذ وسرعة بديهة ومعشر حلو، لا يستسيغ التمييز، وهو المسيحي بالولادة، بين مسيحيي الشرق ومسلميه، فهم، وهو قبلهم، عرب وينتمون للحضارة العربية الإسلامية.
لا جدال عنده أن فلسطين قضيته، وقضيتهم الأولى، ترفع الأسئلة بوجهه: ترأست الوفد الفلسطيني الأردني وفاوضت الإسرائيليين فيجيب: لم أفعل ولم أصافح إلا شارون مضطراً وكانت غلطة عمري.
يتذكر الرجل كيف استقال من الحكومة الأردنية بسبب عدم مشاركة الأردن بحرب تشرين 1973، ولكنه لم يعلن ذلك، حتى لا يتهم بالمزاودة على الأردن وربما لحسابات غير بعيدة على فطين مثله.
شغل الرجل مسؤوليات عديدة من وزير للاقتصاد عام 1973 إلى وزير للخارجية عام 1991-1993 إلى عضو في مجلس الأعيان الأردني، رئيساً للمعهد الدبلوماسي ورئيسا للمجلس الأعلى للإعلام، وأخيراً مديراً للمعهد الملكي للدراسات الدينية.
لا يكتفي كامل أبو جابر بدوره شاهداً على محطات من تاريخ الأردن وفلسطين، بدءاً من علاقة أبيه بغلوب باشا وانتهاء بعلاقته بالملك الحسين والأمير الحسن، بل يظل يكتب، دفاعاً عن فلسطين والأردن، كما فعل بمقال "الكذبة الصهيونية الكبيرة والمهمة التي تنتظرنا"، مؤخراً، فتغضب إسرائيل وتستدعي السفير الأردني احتجاجاً على ما كتبه.

* حدثني عن المفاوضات مع الإسرائيليين.

- لا في مدريد، ولا قبل مدريد ولا بعدها، لم أتحدث مع مسؤول إسرائيلي إطلاقاً، أنا لم أفاوض شخصياً، وإنما كنت المسؤول عن المفاوضات. الدكتور عبد السلام المجالي هو الذي كان يفاوض مباشرة.
ومرة واحدة زرت تل أبيب مع الأمير الحسن سنة 1997 أو 1998 بطلب من الملك الحسين لمقابلة شارون. وذهبت معه واضطررت لمصافحة شارون؛ وهي المرة الأولى والأخيرة التي أسلّم فيها على مسؤول إسرائيلي، ولكن في الحقيقة غصباً عني.

* ترأست الوفد الفلسطيني الأردني في مدريد، ولم تفاوض الإسرائيليين؟

- كانت تركيبة المفاوضات على هذه الشاكلة، مثلا الرئيس عرفات لم يفاوض شخصياً، وكذلك رئيس الوفد السوري فاروق الشرع لم يفاوض شخصياً، كانت هناك وفود تفاوض من الحكومات اللبنانية والسورية والأردنية.
وأنا سئلت في مؤتمر مدريد لماذا لم تصافح أو تقبّل شامير؟ فقلت لهم حينها "لو كان فتاة إسبانية حلوة لكنت قبلتها. أما شامير فماذا أقبّل فيه". وثانياً، أنا كوزير خارجية، بمجرد أن أصافح شامير يعني هذا اعتراف بدولة إسرائيل؛ ونحن حتى اللحظة في حالة حرب مع إسرائيل. عندما تسوّى الأمور ونصل إلى تفاهم ليس لدي مشكلة في المصافحة.

* ألم يحاول الإسرائيليون الاحتكاك بك؟

حاولوا، مثلاً، في مدريد، الوفود كانت قريبة من بعضها وأنا جلست في جلسة الافتتاح مقابل رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق شامير. كان نتنياهو ناطقاً رسمياً باسم الوفد الإسرائيلي، وكان يحاول، وكذلك بعض أعضاء وفدهم، التحدث مع أعضاء الوفد، الفلسطينيون ما كان عندهم مشكلة في اللقاء والحديث، ما عدا واحداً أو اثنين، لأنهم تحت الكرباج، وكثير منهم دخلوا السجون الإسرائيلية، فهم يعرفون الإسرائيليين أكثر.

* ألم يشتكوك للملك الحسين الذي كان على علاقة جيدة مع الإسرائيليين؟

طبعا، بعد جلسة افتتاح مؤتمر مدريد، الذي استمر نحو ثلاث ساعات ونصف الساعة، خصصت نصف ساعة لكل وفد ليجيب عن أسئلة الصحافيين وسئلت عن تقبيل شامير، وأجبت، كما قلت لك. وبمجرد انتهاء المؤتمر الصحافي كلمني على الهاتف الملك الحسين، وقال لي "كيف نفدت منها؟ ومن السؤال؟".
هنا أتذكر أن هذا المؤتمر رتبته الحكومة الإسبانية في ملعب كرة القدم الذي يلعب فيه ريال مدريد، لأنه كان يحضره نحو خمسة آلاف وخمسمئة صحافي من كل أنحاء الدنيا. ولما ذهبت إلى هناك رأيت بحرا من الكاميرات والبشر ولم أستطع أن أنظر من على المسرح بسبب الأضواء.
لفت نظري أيضاً أن أحد الصحافيين سأل شامير: أنتم الآن تفاوضون العرب لأول مرة فوق الطاولة، وليس في لقاءات سرية مع بعض القادة العرب كما كان سابقاً، متى تعتقد أن هذه المفاوضات ستنتهي بمعاهدة سلام؟ جوابه كان فظيعاً، قال: أنا سأفاوض العرب على الأقل لمدة عشر سنوات، وسأتأكد أن هذه المفاوضات لن تقود إلى شيء.
جاء دوري بعد شامير، بعد أن تكلم عمرو موسى وفاروق الشرع، فسألني أحد الصحافيين باعتباري مسؤولاً عن الوفد الأردني - الفلسطيني عما قاله شامير، فأجبته بما كنت أعتقده حينها (اكتشفت خطئي لاحقاً) قلت إنه كوفدين مفاوضين، كل وفد يضع أصعب الشروط، ولكن في نهاية المطاف اليهود بشر ونحن بشر، وعندهم عقل كما عندنا، وسنصل في لحظة ما إلى تسوية.
ومرت 25 سنة على مؤتمر مدريد والأمور تزداد سوءاً.

* ثم بدأت المفاوضات؟

في اليوم الثاني، بعد المؤتمر الصحافي، انفضّ المؤتمر. المفاوضات جرت على مستويين، بإصرار من الأميركيين وبالاتفاق مع الإسرائيليين وفُرض علينا، نحن العرب، هذا الأمر وهو المفاوضات الثنائية، وهي مفاوضات مباشرة بين الإسرائيليين ووفد أردني، وبين الإسرائيليين ووفد فلسطيني، وبين الإسرائيليين ووفد سوري، وبين الإسرائيليين ووفد لبناني، وهذه كانوا يسمونها المفاوضات السياسية، والمفاوضات المتعددة.

* ترأس الوفد الأردني الدكتور عبد السلام المجالي، ماذا كان يشغل في الأردن؟

- كان أيامها أستاذاً جامعياً متقاعداً، أنا طلبت من الملك أن يكون الدكتور عبد السلام المجالي رئيساً للوفد الأردني، فهو من أكبر وأنبل العشائر في الأردن، عشيرة المجالية في الكرك ومعروفة بكرمها وصفحها عن الناس وعدم مطالبتها بالثأر والدية. والدكتور عبد السلام طبيب منذ الأربعينيات وكان جنرالاً بالجيش، رئيس الخدمات الطبية، وزير صحة، ورئيس الجامعة الأردنية مرتين. رجل له تاريخ مشرف في العمل العام والناس، أردنيين أو فلسطينيين، يحترمونه.

* هل هذا يعني أنك تنظر لنفسك كمسيحي، وما عندك عشيرة؟

لا، أنا من عشيرة كبيرة ومعروفة بالأردن. وأنا طوال عمري لم أفكر بأني مسيحي، أنا عربي بالدرجة الأولى ومسيحي في الدرجة الثانية. انا ابن حضارتين، المسيحية والإسلامية، أنا مسلم ومسيحي، والإسلام بالنسبة لي مثل جلدي لا أستطيع الخروج منه.

* بماذا وجّهك الملك بشأن المفاوضات مع إسرائيل؟

- عندما طلب مني رئيس الوزراء طاهر المصري تولي وزارة الخارجية، بعد استقالة وزيرها عبد الله النسور، رفضت.
استقال النسور في نيويورك، وكان يحضر جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة في شهر سبتمبر/أيلول والتي تعقد سنوياً.
كان لا يريد أن يشارك في عملية السلام، كان واضحاً أن مؤتمراً للسلام قادم، وزير الخارجية الأميركية جيمس بيكر زار المنطقة، قبل مؤتمر مدريد، تقريباً 14 مرة خلال سنة. كان واضحاً لنا أن هناك طبخة تطبخ، ولم نكن نعرف مكان وتفاصيل المؤتمر، ولم نعرف أن مكان المؤتمر هو مدريد إلا قبل يومين أو ثلاثة من عقد المؤتمر.
عندما طلب مني رئيس الوزراء طاهر المصري أن أحل مكان النسور، سألته لماذا استقال؟ فأجابني بأنه لا يريد العملية برمّتها. فقلت له: أنت عندك وزيران مسيحيان في الوزارة. فردّ: هذا ظرف استثنائي، مضيفاً أن الملك هو الذي اختارك.

* لماذا اختارك الملك الحسين؟

بعد ما استقلت عام 1973 وحتى 1991 لم يكن لي أي اتصال مع الحكومة، كنت أدرّس في الجامعة، أعتقد أن الملك الحسين، رحمه الله، تذكر موقفي في حرب 1973 وأنا لما خرجت أعقاب الحرب من الوزارة، لم أذكر إطلاقا سبب خروجي، وقلت لن أزاود على الأردن.

* أنت استقلت من الحكومة وقتها بسبب موقف الأردن من حرب تشرين؟

صحيح، ولكن هذا الكلام لم أذكره مطلقاً، ذكره، في ما بعد، دولة الرئيس طاهر المصري في جلسة مع الأمير الحسن، وذكره بعد ذلك في جلسة أخرى، وأنا في مجلس الأعيان، دولة الرئيس زيد الرفاعي.
طلبت، كوزير للاقتصاد، من رئيس الحكومة زيد الرفاعي، وقتها، أن يعقد اجتماعاً طارئا للحكومة، وقلت فيه إنه من غير المنطقي أن يبقى الأردن صامتاً، بينما مصر وسورية تخوضان حرباً ضد إسرائيل، وطالبت بإعلان الانضمام إليهما، وطبعاً كان للأردن حسابات أخرى، فاستقلت.

* نعود.. بماذا وجّهك الملك بشأن المفاوضات؟

- لما رفضت طلب رئيس الوزراء، قال لي اذهب للملك واعتذر، فقلت له لا أستطيع. المهم لما أقسمت اليمين، قال الملك إنه سعيد بانضمامي، وطلبت منه أن أجلس معه وحدنا، نصف ساعة أو أكثر، لأفهم ماذا نريد من المفاوضات مع إسرائيل.
وبالفعل ثاني يوم صباحا جاءني اتصال من رئيس تشريفات الملك، وهو صديقي وابن صفي، الشركسي ينال حكمت، للقاء جلالته.
* لم تكونوا تعرفون بمؤتمر مدريد وقتها؟

- لا، كنا نعرف أن هناك مفاوضات قادمة.

* متى شكلتم الوفد وقررتم أن يكون الوفد 14؟

- لا أدري، ما سبب الرقم، حتى أنني سألت الوزير بيكر، فأجابني بعدم معرفته أيضا. كنا نتهكن، أنا ووزير الخارجية السوري فاروق الشرع، عن مكان الاجتماع، وهل هو باريس أم لندن؟ لم تكن إسرائيل تريد إدخال الفلسطينيين في المؤتمر، والأميركيون معهم طبعا، اشترطنا أننا لن نذهب إلى مؤتمر إلا إذا ذهب الفلسطينيون معنا، فترأست الوفد المشترك وكان المجالي رئيس الوفد الأردني والدكتور حيدر عبد الشافي رحمه الله رئيساً للوفد الفلسطيني.

دلالات

ذات صلة

الصورة
سياسة/سد النهضة/(إدواردو سوتيراس/فرانس برس)

أخبار

جدّد السودان، تحفظه، اليوم الإثنين، على الإجراء الأحادي من جانب إثيوبيا، بالبدء في ملء سد النهضة قبل التوصل إلى اتفاق مع كل من السودان ومصر، داعياً إلى تأجيل التفاوض لأسبوع واحد لإجراء المزيد من المشاورات.
الصورة
سياسة/سد النهضة/(إدواردو سوتيراس/فرانس برس)

سياسة

أعلنت مصر، مساء الأربعاء، أن المفاوضات الفنية الأخيرة حول قواعد ملء وتشغيل سد النهضة "لم تحقق تقدماً يذكر، بسبب المواقف الإثيوبية المتعنتة على الجانبين الفني والقانوني"، معلنة فشل المفاوضات، وتعثر إحالتها لرؤساء الحكومات بكل من مصر والسودان وإثيوبيا.
الصورة
ليبيا/ قوات الوفاق (Getty)

سياسة

تسارعت وتيرة الأحداث في ليبيا بعدما تمكنت قوات حكومة "الوفاق" من السيطرة على قاعدة الوطية، جنوب غرب البلاد، في الوقت الذي كشفت فيه مصادر ليبية عن ممارسة أطراف دولية ضغوطاً على قادة الأطراف الليبية لوقف نهائي للقتال والعودة للمفاوضات السياسية.
الصورة
أفضل أداء أسبوعي للإسترليني منذ مايو 2019 (Getty)

اقتصاد

تؤدي ضبابية مصير المفاوضات حول "بريكست" ومستقبل العلاقات التجارية بين بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي، إلى عدم استقرار سعر صرف الجنيه الإسترليني الذي تحول منذ بداية العام الجاري إلى عملة سياسية.