قضم حوالات السوريين...النظام وتجار العملة يلتهمون أموال المغتربين

قضم حوالات السوريين...النظام وتجار العملة يلتهمون أموال المغتربين

05 سبتمبر 2020
6.6 ملايين لاجئ سوري بحسب بيانات الأمم المتحدة (Getty)
+ الخط -

"محظوظ من لديه قريب لاجئ أو مغترب".. جملة تسمعها كثيراً في سورية، فنسبة كبيرة من العائلات السورية أصبحت تعتمد خلال السنوات الماضية بشكل أساسي على ما يصلها من تحويلات مالية لتأمين احتياجاتها المعيشية، في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية وانخفاض القيمة الشرائية لليرة السورية، إضافة إلى انهيار سعر صرفها أمام الدولار الأميركي، إلا أن تلك العائلات "المحظوظة" بدأت تعاني كثيراً، إذ بدأت التحويلات تتعرّض للقضم من قبل التجار أو نظام بشار الأسد.

وأصبح التجار يقتطعون نسبة كبيرة من قيمة التحويلات التي يسلمون قيمتها بالليرة بسعر السوق السوداء، بحجة صعوبة التحويل في ظل جائحة فيروس كورونا أو مضايقات النظام، بينما إذا لجأ المغترب إلى التحويل عبر القنوات المالية للنظام فإن مصير الحوالة سيكون التآكل بشكل أكبر، إذ يتم صرف قيمتها بالسعر الرسمي الذي يقل بنحو 66% عن السعر في السوق السوداء.

المعونة المالية هي مصدر الرزق الوحيد لكثيرين، كحال أبو مجد موسى (67 عاما) وزوجته، اللذين ينتظران حوالة ابنهما الوحيد، والذي وصل إلى إحدى الدول الأوروبية قبل نحو ست سنوات، بعد أن ضاع في البحر لأكثر من أسبوع، وكاد يفقد حياته لولا أن أحد قوارب الإنقاذ الأوروبية وجده ومن كانوا معه.

ويرسل مجد لوالديه شهريا 200 يورو، ويقول أبو مجد إنه يستلم الحوالة بالليرة السورية من أحد التجار في دمشق، بسعر السوق السوداء (سعر صرف يورو واحد نحو 2500 ليرة سورية)، مبيناً أن المبلغ "بالكاد يكفيهم ما بين إيجار منزل، بعد أن دمرت الحرب منزله الذي وضع فيه حصيلة عمره، إضافة إلى أدوية القلب والسكر والضغط، وباقي احتياجات الحياة".

ويضيف "بالطبع نعتمد التحويل في السوق السوداء، لأن سعر صرف اليورو عبر التحويل الرسمي أقل من 1500 ليرة، فالـ 200 يورو تتحول من 500 ألف ليرة إلى أقل من 300 ألف ليرة، في حين نحتاج الليرة لنستطيع تأمين احتياجاتنا".

ويلفت إلى أنه "في الأشهر القليلة الماضية أصبح التحويل من الخارج صعباً جداً، وبدأ يتأخر مجد في إرسال المال، حتى رسوم التحويل ارتفعت بشكل كبير".

وقد تسببت أزمة التحويل إلى الداخل السوري بأن يعاني كثير من العائلات من أزمات مالية، كحال عائلة أيسر مهنا (38 عاما)، المكونة من 4 أفراد، وهو سوري يعمل في لبنان وعائلته في سورية، قائلاً "منذ أن تسبب انتشار فيروس كورونا في تقييد السفر، خاصة بين لبنان وسورية، أصبحت مسألة تحويل المال إلى عائلتي مسألة صعبة ومكلفة جداً مقارنة بما سبق".

ويوضح أيسر: "كنت أرسل لعائلتي مبلغاً شهرياً بحدود 300 أو 400 دولار، عبر أي شخص ذاهب إلى سورية من البلدة أو عبر سيارات النقل، مقابل 10 دولارات كأجور تحويل، لكن اليوم تكاد حركة السفر والسيارات تكون متوقفة بشكل تام، في حين تطلب بعض مكاتب التحويل ما بين 20 إلى 25% كأجور تحويل وهذه أجور مرتفعة جداً".

ويضيف: "المشكلة الكبرى أن التحويل عبر شركات التحويل الرسمية لا تسلم الحوالات فيه إلا بالليرة السورية وعلى أساس سعر الصرف المحدد من مصرف سورية المركزي، وهو 1250 ليرة، في حين السعر في السوق 2200، إضافة إلى أجور التحويل، ما يجعل الشخص يخسر نصف قيمة الحوالة".

وتحكم الظروف على البعض بأن يتقبلوا الخسارة، في ظل غياب الخيارات، كما قال عماد. م، الذي طلب عدم الكشف عن اسم عائلته، وهو مقيم في الأردن، قائلاً، في حديث مع "العربي الجديد"، "عندما تكون على الشخص التزامات مالية وعائلة بحاجة إلى المال لتؤمن معيشتها، فسوف يرضخ الشخص لتحويل المال بأسعار صرف أقل من سعر السوق وبأجور أكبر، فاليوم سعر الدولار في السوق السوداء 2200 ليرة، يتم تحويلها بحدود 1900 ليرة".

ويلفت إلى أن "أسوأ أسعار السوق السوداء هي أفضل من السعر الرسمي، الذي لا يمكن أن أراه إلا سرقة للفقراء، الذين خرجوا من البلد، الذي لم يستطع أن يؤمن لهم عملاً كريماً، باحثين عن رزق عائلاتهم".

من جانبه، رفض أحد العاملين في مكاتب تسليم الحوالات المالية عبر السوق السوداء، في حديث مع "العربي الجديد"، الكشف عن آلية التحويل التي يعتمدونها لنقل الأموال إلى خارج وداخل سورية، مكتفياً بالتعليق على أسباب ارتفاع أسعار الحوالات، قائلاً إن "السبب يعود إلى صعوبة السفر في زمن كورونا".

اقتصاد الناس
التحديثات الحية

وقدر خبراء اقتصاد حجم الحوالات المالية إلى سورية بحوالي 5.5 مليارات دولار العام الماضي، منها 1.5 مليار دولار عبر قنوات رسمية، معتبرين أن هذه الأموال تعتبر الدخل الأساسي لكثير من العائلات، كما ارتفعت نسبة مساهمتها في الدخل القومي بما يفوق مساهمة الصناعة.

يذكر أن عدد اللاجئين السوريين منذ عام 2011 وصل مع نهاية عام 2019 إلى نحو 6.6 ملايين لاجئ موزعين على 126 دولة، بحسب تقرير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الصادر في يونيو/ حزيران من العام الجاري، في حين تشير إحصائيات النظام إلى أن أعداد السوريين المغتربين حتى نهاية عام 2010 بلغت نحو 20 مليون سوري.