في صحبة حرامي الأنبوبة (3)

14 فبراير 2016
الصورة

تلفون الدستور كان مراقبا أمنيا

+ الخط -

المصائب كما تعلم لا تأتي فُرادى، ومصيبتي الثانية كانت أنني لن أتمكن من المثول أمام النيابة برفقة محامٍ قدير، أطمئن إلى مساعدته لي على الإفلات من تهمة مقلقة مثل "إفشاء أسرار عسكرية".

في هاتيك الأيام، كان وجود المحامي القدير الضليع في القانون يفرق معك كثيراً في قضايا الرأي والنشر، فلم تكن إدارة سلطات الأمن لتحقيقات النيابة بالتليفون قد تحولت من استثناء إلى قاعدة، يعني، لك أن تعلم أنه في أول مثول لي أمام نيابة أمن الدولة العليا، كان من يدافع عني المحامي العظيم الأستاذ أحمد الخواجة، نقيب المحامين الأبرز. ولذلك تحول التحقيق من رحلة مرعبة يفرضها اسم نيابة أمن الدولة العليا، إلى تجربة لطيفة ممتلئة بضحكٍ عبثي، سنتشاركه يوماً ما، لكن الأستاذ أحمد الخواجة كان قد فارق الدنيا إلى رحاب الله، ليتولى بعده الدفاع عن أغلب القضايا المرفوعة على صحيفة "الدستور" المحامي البارز عصام الإسلامبولي، والذي كان يمتلك خبرة واسعة بقضايا النشر والرأي، وكان من شأن حضوره معي أن يطمئنني كثيرا، لكن الأستاذ إبراهيم عيسى أخبرني، بعد أن أنهى كريزة الضحك، أن ذلك على حظي لن يكون متاحاً، لأنه سيذهب معه إلى النيابة في نفس اليوم، للحضور معه في بلاغ تم تقديمه ضمن سلسلة البلاغات التي انهمرت على الصحيفة عقب غلقها، إما لأن أحداً في رأس الدولة المصرية طلب ذلك، فامتثل كثيرون لرغبته، أو لأن من كانوا يكنون العداء للصحيفة وكتابها شعروا أنها أصبحت فريسة سهلة، بعد أن فقدت مصدر قوتها الأهم، أو لنقل الوحيد، وهو قدرتها على تقديم صحافة ناجحة مؤثرة، فلولا ذلك لما سعى هذا المسؤول أو ذاك لاستغلالها، ولولاه لما خشيها هذا الجهاز، ولما خطبت ودها تلك المؤسسة.

اكتملت ملامح الصورة السوداء المقبلة عليّ، وعلى الذين خلّفوني والذين زاملوني، حين جاء إلى مقر التجهيز زميلنا محمد رضوان، الصحفي في جريدة الأخبار وقتها (مدير تحرير المصري اليوم فيما بعد)، والذي كان مشرفا على صفحة الحوادث والقضايا في "الدستور"، وقال لنا إنه تأكد من مصادره في النيابة، أن هناك تعليمات حكومية صارمة أمرت بـ "الشد على بتوع الدستور"، وهي عبارة مشحونة بالدلالات، خطر في بالي للحظة أن أسأله عن معناها التفصيلي، لكنني التزمت برأي الدين الحنيف: "لا تسألوا عن أشياء إن تُبد لكم تسؤكم". وفي حين كان الحاضرون في ذلك الجمع الكئيب يتحدثون عن تفاصيل تحريك بلاغ رفعه الروائي القديم ثروت أباظة ضد جمال فهمي مدير تحرير "الدستور"، بسبب مقالة ساخرة نشرها في صحيفة "العربي"  (تعرض جمال، بسبب تلك المقالة، للسجن الفعلي ستة أشهر بعد أسابيع من غلق "لدستور"). كنت قد قررت أن أشغل وقتي فيما هو أبدى، وهو التفكير في اسم محامٍ قدير، يحضر معي التحقيق، من دون أن يحصل على أتعاب مادية لا أمتلكها أصلا، قبل أن أحمد الله وأثني عليه، لأنه ابتلاني حتى الآن بقضية وحيدة تنتظرني، فقد كان يمكن أن أكون، مثل غيري، مطلوباً في قضيتين أو ثلاثة، ولأنني لم أكن عضواً في نقابة الصحفيين، لم تكن النقابة سترسل معي محاميها المخضرم الأستاذ سيد أبو زيد، للدفاع عني مجاناً. تذكرت وقتها أنه لم يكن لدى أمي ذهب لكي تبيعه لدفع أتعاب المحامين، وفكّرت في مدى تعاستي، لأنني سأُحرم من ذلك المشهد الحميم الذي رأيته في عشرات المسلسلات والأفلام، ولن أرى أبداً يدي أمي الطاهرتين، مع كلوز أب على عروق يدها البارزة من سوء التغذية وووعثاء السفر وطول الطريق، وهي تحمل صرة مليئة بالغوايش و"السناسل" طالبة مني بيعها للإفلات من غياهب السجون، فأقبل يديها باكياً، وأنا أصدمها بأن كل ما تحمله من ذهب، لن يدفع أصلا أتعاب أسبوع عمل لأي محام ضليع في القانون. 

ظللت ساهياً في غمرة تلك الأفكار العبثية، حتى أخرجني منها صوت إبراهيم عيسى، وهو يطمئنني ويشد من أزري، قائلا إن الصحيفة لن تتخلى عني بسهولة، وأنه سيتصل بناشرها عصام إسماعيل فهمي، لكي يأخذ منه وعداً بأن الصحيفة ستكلف محامياً كبيراً لحضور القضية معي، واتصاله العاجل بعصام فهمي انتهى بضحكة عريضة، كانت تحمل كالعادة مصيبة جديدة، لأن المحامي الكبير الذي رشحه عصام إسماعيل فهمي بحماس بالغ لكي يدافع عني، قائلا إنه الوحيد المتاح في وقت ضيق كهذا، كان رجلا بيني وبينه ثأرات أسبوعية، ولو كان أمري بيده، لأصدر بنفسه قرارا بحبسي مع الشغل والنفاذ، فكيف سيقوم بالدفاع عني إذن؟، لست أدري.

...

كان المحامي المتاح لي طبقاً لترشيح عصام فهمي، هو الدكتور إبراهيم على صالح، النائب الأول السابق لرئيس محكمة النقض، والذي كانت تربطه صداقة قديمة بناشر (الدستور)، أظنها بدأت عبر حزب الوفد، قبل أن يقرّر عصام فهمي استغلالها لتوفير نفقات الدفاع فيما يرفع عليه من قضايا، مقابل أن يسمح للدكتور المستشار بقدح زناد فكره عبر صفحات (الدستور). وكانت لعصام فهمي في ذلك سوابق عديدة، يلح عليّ من بينها الآن نموذج فريد، لا يمكن أن أفوت فرصة حكيه لك، هو نموذج طلعت جاد الله الذي كان النموذج الجنيني الذي تولدته منه نماذج جديدة فيما بعد، من بينها نموذج الدكتور إبراهيم علي صالح.

حين بدأت (الدستور) الصدور في نهاية عام 1995، لم تكن لناشرها عصام فهمي صداقات

مهمة، باستثناء الأستاذ أحمد الخواجة الذي ولدت الصحيفة أصلاً على يديه، وظل اسمه على ترويستها حتى بيعت عام 2010، وكان له دور مهم في إنقاذها من أزمات عاتية في الأسابيع الأولى من صدورها، خصوصاً بعد أن طلب حسني مبارك من صفوت الشريف، في اجتماع على الملأ، إغلاقها، ولولا تدخل أحمد الخواجة بعلاقاته، وما اشتهر به من حنكة سياسية، لنفذ ذلك الأمر على الفور، وبعد أن رحل "أحمد بيه"، كما كنا نناديه جميعاً إلى رحاب الله، بعد فترة قصيرة من صدور (الدستور)، كنا نتندر بأن الشخص المهم الوحيد الذي يعرفه عصام فهمي، كان عبد الإله عبد الحميد عضو المجلس المحلي لمحافظة القاهرة، والذي كان عصام يطلب، من حين إلى آخر، نشر أخبار قصيرة له مصحوبة بصورته، ولم يكن عصام فهمي يعرف أنه، في خلال أشهر قليلة من نجاح الصحيفة الساحق، سيصبح هاتفه المحمول مقصداً لكل كبار الساسة ورجال الأمن ونجوم المجتمع.

 كان عصام فهمي مبهوراً بشخص فؤاد سراج الدين، الزعيم الوفدي الأسطوري الذي كان برغم مرضه وتقدم سنه مسيطراً على مقاليد الأمور في حزب الوفد، وكان عصام حريصاً على أن يثبت لفؤاد باشا من خلال تجربته في "الدستور" أنه، بعد أن تم تهميشه في الحزب، استطاع إنشاء صحيفة أهم بكثير من صحيفة الوفد التي لم يكن الحزب، في ذلك الوقت، يفعل شيئا مهما غير إصدارها. وفي سياق إرضاء طموحه الوفدي، فرض عصام فهمي على "الدستور" استكتاب أحد قيادات الصف الثاني في الحزب، وهو الأستاذ طلعت جاد الله، والذي كان شخصاً لطيفاً للغاية، وكان يبدو ببلاطيه الشتوية وقمصانه المشجرة شخصاً شديد الأناقة، من وجهة نظر شاب فقير رث الملبس مثلي، لكنه كان يكتب مقالات تعيسة بالغة الركاكة، يغتصب فيها قواعد النحو والإملاء والمنطق، لكن علاقته الوثيقة بعصام فهمي كفلت له نشر عمود رأي أسبوعي، مع "زملائه" محمد مستجاب وصافي ناز كاظم وأحمد فؤاد نجم وخيري شلبي وصلاح عيسى وأسامة أنور عكاشة وحسين أحمد أمين ولينين الرملي ومحمد عفيفي مطر، وغيرهم من كبار الكتاب الذين قد لا يلحق بعضهم بموعد النشر الأسبوعي، في حين يبقى مقال طلعت جاد الله وحده ثابتا كل أسبوع، من دون أن يفهم أحد ما يكتبه، ولا لماذا يكتب أصلاً. ولذلك، كنت أتلقى كل أسبوع رسائل من بعض القراء الذين لا تفوتهم فائتة، يلحون في السؤال عن سر نشر مقالات ذلك الكاتب المجهول الذي يأكل شنبه الضخم نصف مساحة صورته.

بعد كل هذه السنين، لا أظن أن أحدا من العاملين في "الدستور"، استطاع أن يفهم سر إصرار عصام فهمي على النشر الأسبوعي لطلعت جاد الله، لدرجة دخوله في مشادات عنيفة مع إبراهيم عيسى، حين كان يطلب تأجيل نشر هرائه أحياناً، من أجل نشر مقالة لكاتب أجمل وأهم، وكان عصام فهمي يبرّر ضرورة الإبقاء على تعاسات طلعت، مرة لأنه مقرب للغاية من فؤاد سراج الدين، ومرة لأنه مقرب للغاية من البابا شنودة، في حين قال لنا بعض من يعرف الطرفين، أن الأمر له علاقة بصداقة طلعت برجال أعمال مسيحيين، كان أحدهم يمتلك شركة أدوية، أدخلت إلى مصر حبوب الميلاتونين التي كانت، في ذلك الوقت، اختراعا شبيها بالفياجرا، يعد الناس بالشباب الدائم والحيوية الأزلية، وأذكر بالفعل أن "الدستور: نشرت بعدها إعلانات للميلاتونين، ليبدو التفسير الاقتصادي لتلك العلاقة الملغزة سليماً.

ما زاد الأمر عبثاً على عبثه، أن عصام فهمي قال لإبراهيم عيسى، خلال إحدى المشادات، التي اشتكى فيها إبراهيم من طول مقالات طلعت، أنه لا يهمه إذا قصصنا نصف ما يكتبه أو حتى ثلاثة أرباعه، المهم أن ننشر بعضاً مما يرسله كل أسبوع، مصحوبا بصورته، وهو ما وجد فيه إبراهيم فرصة سانحة لتطفيش الرجل من الجريدة، فأوكل إلى محسوبك مهمة قصقصة مقالاته، التي وضعناها في التبويب أسفل مقالة عمنا أسامة أنور عكاشة التي كانت تطول في بعض الأحيان أكثر من المتفق عليه، فأقوم بالإمعان في قص مقالات طلعت، حتى ينشر منها في بعض الأحيان ثلاث فقرات من مقدمة المقال. وبالطبع، أثار طلعت أزمة حادة، بعد أول مقالة له تم نتفها، وبعد أن قال له إبراهيم عيسى إن نشر المقالات من اختصاصي كسكرتير للتحرير، شكاني طلعت لعصام فهمي الذي كانت قد نشأت بيني وبينه، في وقت قصير، علاقة إنسانية لطيفة، مرتكزها الأساسي حبنا المشترك فن البذاءة الشعبية. لا أعتقد أنني قابلت أحدا

في العالم، لديه تنوع في مفردات الشتائم الشعبية المبتكرة مثله، حتى أنه فاق في ذلك عمنا أحمد فؤاد نجم وعمنا خيري شلبي اللذين كانا يحفظان كل ما جاد به الشعب المصري عبر تاريخه من شتائم، فضلا عن النكت والأشعار والمواويل والأمثال. وكان عصام فهمي يتميز عنهما، وعن غيرهما، بقدرة عجيبة على تدكيك الشتائم وتضفيرها، بحيث تتحول من كلمات يتم بها تطعيم الجمل والعبارات للتعبير عن الغضب أو السخرية، لتصبح هي الجمل والعبارات، ويلحق بها كلمات أخرى شارحة أو موضحة للمعنى، وحين يصبح لدينا، كسائر الشعوب، دارسون جادون لفن الشتيمة، سأضع تحت تصرف أحدهم، ما لا زلت أحتفظ به من عطاء الرجل، لكي لا يطويه النسيان، وتستفيد منه الأجيال القادمة.

...  

حين نقل إلي عصام فهمي شكوى طلعت جاد الله من نتف ريش مقاله، حتى أنه لم يعد مفهوماً على الإطلاق، كنت مستعداً للرد، حيث أخرجت مقاله الأصلي الذي كان يكتبه على ورقة فلوسكاب مسطرة، لازقاً الكلمات ببعضها، على طريقة المخطوطات القديمة، وطلبت من عصام فهمي أن يقرأ المقال الأصلي، ويصدر قراراً برفدي من الجريدة، إذا استطاع فهم ما يقصده من المقال. وحين ألقى عصام فهمي نظرة ناشر قديم على المقال، أصدر شخرة عريضة وقصيرة في الوقت نفسه، ثم قال لي إن المقال أصبح مفهوما أصلا، بعد اختصاري ثلاثة أرباعه، ثم طلب مني بمودة بالغة، أن أراعي الرجل من أجل خاطره، وأن أطنش كل شكاويه، لأنه رجل طيب وابن حلال، وسيتعود بعد قليل على اختصاراتي، وربما دفعه ذلك لأن يختصر من تلقاء نفسه، المهم أن يستمر الرجل في النشر كل أسبوع، رافضا أن يفصح لي عن سر تمسكه به بذلك الشكل الغريب، قائلا بلهجةٍ يختلط فيها الجد بالهزل أن ذلك من أسرار الجرنان العليا. وما عرفته فيما بعد أن عصام فهمي قال لطلعت جاد الله، إنه لن يستطيع أن يفعل شيئا في شكاويه، لأنني شخصيا أضعه في دماغي، وأن عليه أن يحل مشكلته معي بنفسه، لأنني شاب طائش حديث التخرج، وأن ما يدفعه لتحملي هو أنني شايل الجرنان على أكتافي، وأنه تمكن من إحباط مؤامرة لإطاحة مقالاته من الصحيفة، وفرض بقاءه كل أسبوع، ولن يستطيع فعل أكثر من ذلك، لأنه لا يريد الدخول في أزمات أسبوعية مع إبراهيم عيسى.

حين عرف إبراهيم بما جرى، وجد فيه على ما يبدو مخرجاً سحريا لكثير من المشاكل التي تحدث مع الكتاب والصحفيين، فدعاني ذات يوم إلى مكتبه، وقال لي بهدوء شديد، إنه سيحدث كثيرا من الآن وصاعدا، أن يدعوني إلى مكتبه، فأجد أمامه كاتباً أو صحفياً كبيرا من الذين كانوا يتعاملون مع الصحيفة من الخارج، وأنه سيقوم من دون مقدمات بتعنيفي على الخطأ الذي قمت به في حق ذلك الكاتب أو الصحفي الكبير، وأن عليّ فوراً الاعتذار عن ذلك الخطأ بحرارة وحماس، وأن أعد بعدم تكراره، وإلا سأتحمل أنا المسؤولية عن ذلك في المستقبل. ولأننا لم نكن قد "أخذنا هذه الحتة" من العمل الصحفي في كلية الإعلام التي تخرجت منها بامتياز مع مرتبة الشرف، بل وكنت الأول على دفعتي، حاولت أن أفهم مغزى هذا الظلم الذي وقع على رأسي من حيث لا أحتسب، فقال لي إبراهيم ضاحكاً إن هذه أشياء لا يدرسونها في الكليات، وإنه تعرض لها حين عمل سكرتيرا لتحرير مجلة روز اليوسف، وأن عليّ أن أقبل بها كواحدة من مستلزمات مهنة سكرتير التحرير، الذي أصبحت، بعد سنين من ممارستها، أُعرِّف دوره الوظيفي لمن يسألني من طلبة كلية إعلام بأنه "الرجل الذي ينزح خراء الجرنان من دون أن يشكو همه لأحد، ومن دون أن يشم رئيس التحرير رائحة الخراء، ومن دون أن يطرطش على القراء بعض منه".

بعد ما قاله عصام فهمي لطلعت عن محسوبك، قرّر الرجل أن يغير طريقة تعامله معي، فيعاملني بمودة غامرة، بعد أن كان يتجاهلني كلما مر إلى جواري، بوصفه صديقاً شخصيا لرئيس مجلس الإدارة، كان طلعت يأتي كل جمعة ليقوم بتسليم "المقالة"، وكان على ما يبدو يحب كثيراً أن يسمع نفسه وهو يقول للرائح والغادي: "أنا جاي عشان أسلم المقالة". كانت ترتسم على وجهه وهو يقول لي ذلك علامات رضا أورجازمي بالغة، سرعان ما تختفي، حين أنظر إليها، بامتعاض وأقول له "بس طويلة أوي المقالة يا أستاذ طلعت"، فيقول لي، بابتسامة مشحونة بالود الذي يخفي خلفه رغبة في التنكيل بي: "البركة فيك بقى، بس خليك حنين عليها الأسبوع ده". كان من سوء حظ الرجل أن يوم الجمعة الذي يأتي فيه، كان واحدا من أكثر أيام العمل صعوبة وإرهاقا، لذلك كان يجدني على الدوام متجهماً، أحاول الإفلات من فخ نصبه لي أحدهم، أو أحاول نصب فخ لأحد، فتفشل كل محاولاته لإقامة علاقة إنسانية بيننا، تجعلني أكثر حناناً على مقالاته. ولذلك، سلم أمره للمولى، وبدأ يتعامل معي كأنني لا أقوم أبدا بـ "جزّ" مقالاته وشدها من شعرها، حتى تلائم المساحة المحددة لها سلفاً، فيناولني المقالة الجديدة، وقد افترّ وجهه عن ابتسامة "طويلة"، ثم يقول لي بهدوء راهب بوذي: "يا رب تكون مقالة الأسبوع اللي فات عجبتك، أصلها الحمد لله عاملة صدى كويس"، فأستلم المقالة، وأسلم الأمر فيه للمولى، وأنصرف لحال أفخاخي، سائلا الله ألا يوقعني يوما في ضيقة كضيقة هذا الرجل.  

....

بعد أشهر من استقرار أوضاع طلعت جاد الله، ورضائه بالقليل الدائم، بدلا من الكثير المنقطع، سطع في سماء الصحيفة نجم المستشار الدكتور إبراهيم علي صالح، وصار واحداً من ثوابت عصام فهمي التي لا يملك أحد، أياً كان هزها، كان سيادة المستشار قد خرج على المعاش منذ فترة وجيزة، فقرّر أن يشبع رغبة قديمة لديه في كتابة الرأي، عن كل ما يجري في مصر من تطورات وأحداث. وكان الرجل الجليل يحب كثيرا أن ينصح مصر المحروسة التي كان يتعامل معها كأخته الكبيرة المسافرة إلى الخارج منذ فترة، والتي لا يجد وسيلة للتواصل معها سوى مقالاته الإنشائية المطعمة ببعض النصوص القانونية، وأحكام محكمة النقض والمحكمة الدستورية العليا. وأشهد للرجل أنه جعلني أستعيد علاقتي بكلماتٍ لم أكن قد قرأتها مطبوعة، إلا في صحف النصف الأول من القرن العشرين التي كنت أطلع عليها في دار الكتب، في أثناء إعداد أبحاثي الجامعية، كلمات من قبيل "لا مندوحة وامتشق ولا غرو وزهاء وهنيهة والخافقين والوغى وحومة البعث"، ولأن سيادة المستشار كان معتاداً على كتابة الأحكام التاريخية والمذكرات الملحمية، فقد كان من الصعب إقناعه بأن للصحيفة الورقية مساحة محددة لا يمكن تجاوزها، وأنه ربما تمكن العلم الحديث مستقبلاً، من اختراع وسيلة لتعبئة مئات الكلمات الفائضة من مساحة مقالته، في كيس يحصل عليه القارئ مع الصحيفة كل أسبوع. لكن، حتى يحدث ذلك، ليس أمامه إلا أن يختصر مقالته، أو أقوم أنا بذلك عنه، مع مراعاة أن سيادته لا يكتب جزافا، أو من أجل أن تنشر صورته مع المقالة، بل يكتب لكي تصل كلماته إلى مصر بانتظام. ولذلك، يجب أن يكون كلامه مفهوماً، لكي لا تفهمه مصر خطأ فيتوكس حالها، أكثر مما هو موكوس، وهو ما كان يحدوني للارتحال بين سطوره بحذر، لاختصارها بشكل يجعل المقالة تخرج متماسكة، خصوصاً أن اللقب الملتصق بصورته سيجعل القارئ يقرأ المقالة بجدية إضافية، وقد كنا في زمن لم يكن المستشارون فيه بعد قد رطرطوا في جنبات الصحف وزواريق القنوات. ولعلي أزعم، هنا، أن معاشرتي المنتظمة مقالات الدكتور المستشار جعلتني أخترع فنا جديدا في الاختصار، أصبح يطلق عليه "التقضيب"، تفقد فيه المقالة أكثر من ثلاثة أرباع حجمها، من دون أن يظهر عليها آثار الغرز، فلا تتعب مصر في قراءتها، وتصلها نصائح سيادته في أبهى حُلّة.

لكن سيادة المستشار، للأسف، لم يكن يشاركني الإعجاب بفن التقضيب، ولأنه كان قد بلغ من العمر عتيا، فلم يكن يتاح له المجيء إلى وسط البلد كثيراً، كان يشكوني هاتفيا لإبراهيم عيسى، الذي كان يستدعيني خلال المكالمة، ويعنفني لأنني لا أقدّر المستشار الدكتور حق قدره، ثم يهددني مبتسماً بالويل والثبور وعظائم الأمور، إن امتدت يدي إلى مقالته القادمة باختصار أو حتى تشذيب، ثم يعطيني السماعة لأعتذر لسيادة المستشار عن هذا الخطأ غير المقصود، وأعد صادقاً بعدم تكراره، في حين أسمع أثناء ذلك "كلمتين بايخين من جنابه في جِنابي" عن جيلي الغر المنفلت، الذي لا يقدر الكلمة الصادقة حق قدرها، ولا يعرف أهمية تعريف الأجيال الجديدة بنصوص الأحكام القضائية الشامخة، ويتكرّر ذلك بحذافيره، كلما نشر سيادة المستشار مقالا لدينا، من دون أن يمل ثلاثتنا من ترديد الكلام نفسه، في كل مرة، بمنتهى الانفعال والحرارة، حتى أنني كنت أتوقع أن يتدخل الضابط المكلف بمراقبة تليفون "الدستور" ذات مرة، ليشخر لنا ويطلب منا التوقف عن أداء هذه التمثيلية الرديئة، أو حتى التجديد في أدائها، ليبقى ذلك الحال على ما هو عليه، حتى جاء اليوم الموعود الذي وجدت فيه نفسي واقعاً تحت رحمة السيد المستشار الدكتور، الذي لا أملك محامياً قديراً ومجانياً غيره، لينقذني من اتهامي بإفشاء أسرار عسكرية، وكنت أظن أن حالي وحال "الدستور" سيدفعه للعفو والصفح، لكن رغبته في الانتقام كانت أقوى من سعيه إلى العفو، كما عرفت، بعد أيام، في سراي النيابة.  

وللحكاية بقية بإذن الله.