في شأن مورو مرشحاً لرئاسة تونس

10 سبتمبر 2019
الصورة
+ الخط -
لم تعد الانتخابات الرئاسية الوشيكة في تونس محلية فقط، بل عربية بامتياز، بعدما باتت بلاد ثورة الياسمين النموذج الديموقراطي العربي الوحيد، في انتظار نتائج سيرورة التحول في السودان، والتطور الديموقراطي في المغرب، ولكن من دون أن نصل إلى انتخابات تنافسية شفافة نزيهة، وفق دستور توافقي راسخ، وقانون انتخابي عصري عادل ومتوازن، كما الحال في تونس التي تعطينا الأمل والثقة، فليس الفشل هو النتيجة الحتمية والوحيدة للثورات العربية. ولهذا حازت الانتخابات الرئاسية التونسية المرتقبة اهتمامات الجمهور العربي، وبتنا أمام شكل من أشكال التصويت الافتراضي، لهذا المرشح أو ذاك. ومن هنا، أعطي صوتي للمرشح نائب رئيس حركة النهضة ورئيس البرلمان الحالي، عبد الفتاح مورو، لعدة أسباب منهجية استراتيجية سياسية، وشخصية أيضاً.
استراتيجياً ومنهجياً، ظلت عربة الثورية في تونس على السكة الدستورية الديموقراطية السياسية الصحيحة، على الرغم من الصعوبات والتحديات والتداعيات الهائلة لفشل التجربة في مصر، كون العالم العربي يذهب حيثما تذهب المحروسة، أقله في القرن الأخير .. صمد النموذج التونسي الديموقراطي وتجاوز عنق الزجاجة في عامي 2013 و2014، لأن الأساس كان صلباً بعد مرحلة انتقالية أولى قصيرة، تم فيها التوافق على دستور جامع، وقانون انتخابات عصري عادل متوازن، ما منع أو أضعف، إلى حد كبير، أي احتمال للانقلاب من فلول النظام السابق.
.. منهجياً واستراتيجياً أيضاً؛ تعيش تونس المرحلة التي كانت ستعيشها مصر لو تم الإصرار 
على معادلة الدستور التوافقي الجامع قبل الانتخابات، ولو لم يرشّح الإخوان المسلمون واحدا منهم، واكتفوا بدعم عبد المنعم أبو الفتوح، أو حتى الانسحاب في الدورة الثانية لصالح المرشح الثالث حمدين صباحي، كما نصحهم رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، أحد أسباب نجاح التجربة في تونس، وإفشال محاولات إعادة عقارب التاريخ إلى الوراء، ملخصاً المشهد بجملته، أن نكون في المعارضة أفضل بالتأكيد من أن نكون في السجن..
مع الانقلاب في مصر، والتحريض المسعور ضد الثورات والإسلاميين في تونس، كانت حركة النهضة قد اتخذت القرار الصحيح بالانسحاب من السلطة من الحكومة، ولكن مع البقاء في الحكم. وقد جنّب هذا الموقف الحكيم بعيد النظر واسع الأفق البلد النموذج المصري، وأبقى العربة الثورية، عربة التغيير الديموقراطي، على السكة الدستورية السياسية الصحيحة، وأوصلنا إلى الاستحقاق الانتخابي الوشيك الذي بات فخراً للعرب، مع أمل في تعميمه عربياً.
سياسياً أيضاً، كانت "النهضة" شريكة مع حزب نداء تونس في إنجاح التجربة - النموذج. وشهدت الشراكة تقديم تنازلاتٍ متبادلة على قاعدة وقناعة أن المرحلة الانتقالية بعد الثورة وسيرورة بناء تونس الجديدة، ممتدة سنوات، ولا بد أن تسع الجميع من دون إقصاء أو تهميش (الحقائب السيادية كانت خلال هذه الفترة لمستقلين أو تكنوقراط). ومع رحيل زعيم "نداء تونس"، الرئيس الباجي قائد السبسي، تشظى وانقسم معسكر خصوم "النهضة" أو منافسيها
 وحتى شركائها، في غياب زعيم كاريزماتي، يمكن الالتفاف حوله، كما خفّت الضغوط الخارجية، بعدما انحسر مدّ الثورات المضادة على إثر تعثّرهم في ليبيا واليمن، وقلة حيلتهم في الجزائر، وبالتالي باتت الفرصة سانحةً لتقديم مرشح من "النهضة" من دون المخاطرة بتفتيت الوحدة الوطنية أو تهديد السلم الأهلي. ولن تحتكر الحركة الرئاسات الثلاث، حتى لو فازت بالانتخابات الرئاسية والتشريعية، أقله في المدى المنظور، ولن تضع ثلاثة ملتحين في هذه المواقع، وسيكون رئيس الوزراء توافقيا، مع حكومة توافقية ومستقلين في كل الوزارات السيادية، والبرلمان بقيادة توافقية أيضاً. هذا في مرحلة انتقالية ستمتد سنوات أربعا أو ثماني، مع عدم استبعاد هيمنة "النهضة" على الرئاسة والحكومة والبرلمان، ولكن بعد رسوخ التجربة الديمقراطية وحكم المؤسسات، ومفهوم دولة كل مواطنيها.
يجب الانتباه كذلك إلى معطى في غاية الأهمية، أن النظام في تونس ليس رئاسياً وإنما رئاسي برلماني، بل تميل الكفة لصالح الحكومة والبرلمان، وبالتالي لا خوف هنا من سلطات كبيرة بيد الرئيس. هذا ما يجب أن يحدث عربياً أيضاً. وكان سيطبق نظام برلماني في مصر أيضاً، لو تم اتباع قاعدة الدستور قبل الانتخابات. وعبد الفتاح مورو سيكون في حالة نجاحه رئيساً لكل التوانسة، وقادرا على تمثيل بلاده خارجياً، والحفاظ على مصالحها أفضل ما يكون، كونه شخصياً مقبولاً محلياً إقليمياً ودولياً.
وإلى ما سبق، لسنا أمام مرشح إسلامي تقليدي عابس متجهم، وإنما أمام الشيخ عبد الفتاح مورو الذي سار خاشعاً حزيناً، وفياً خلف جنازة الرئيس السابق الباجي قائد السبسي، السياسي المدني الديموقراطي المنفتح على الإسلام والعصر والتيارات السياسية والفكرية الأخرى. يختلف مورو عن كثيرين من إسلاميي المشرق، إنه يشبه أكثر الشيخ حسن الترابي. والتجربة التونسية كلها تبدو أقرب إلى التجربتين، التركية والماليزية، الناجحتين والمتطورتين، منها إلى التجارب الإسلامية الفاشلة في المشرق العربي.
وفيما يتعلق بالمرشح الرئيس السابق منصف المرزوقي، هو أحد أيقونات الثورات العربية، ولكن خطابه يبدو أقرب إلى خطاب الثورة منه إلى خطاب الدولة. وبعد تراجع شعبيته
 وخسارته الانتخابات الرئاسية السابقة في عام 2014، كان أفضل له أن يعتزل العمل السياسي الحزبي المباشر، ليمارس دوره ضميرا للتحول الديموقراطي في العالم العربي، يدلي بدلوه في المحطات في القضايا المصيرية والاستراتيجية. والفرصة متاحة أمامه لمغادرة السباق الرئاسي الحالي، خصوصا أن حظوظه غير كبيرة، ولا تعطيه استطلاعات الرأي فرصة جدية للفوز، مع دعم المرشح مورو، الأقرب إلى مربعه السياسي، والذي يملك فرصة جدّية للانتصار مع التوافق طبعاً على برنامج انتخابي جامع.
وللقياس والحكم أكثر على شخصية عبد الفتاح مورو، يمكن الرجوع إلى ما قاله رئيس الوزراء الماليزي، مهاتير محمد، في خلاصة تجربته للناشطين والمثقفين العرب، في نوفمبر/ تشرين الثاني 2014، وقد اختصرها في أربع وصايا أو قواعد: التوافق الوطني، وتقديم التنازلات في مجتمعات متعددة ثقافياً فكرياً قومياً عرقياً دينياً، ضبط البوصلة على قضايا الناس، الفقر والجهل والمرض، بدلاً من الصراع الأيديولوجي، ثم الفتاوى لا تحل مشكلات المسلمين، بل الانكباب على المعرفة والعلوم، التكنولوجيا والفيزياء والكيمياء. وأخيراً، لا ينزل عون الله على المتعصبين المتطرّفين. هذه وصفة مضمونة، وكانت وما زالت أحد أسباب نجاح مهاتير محمد والتجربة الماليزية. ونكاد نجدها في عبد الفتاح مورو، شخصياً فكرياً وسياسياً، كما في تجربة حركة النهضة بشكل عام.