فلسطينيو الـ 48 بعد انتخابات الكنيست

07 ابريل 2019
الصورة

حشد فلسطيني قرب حيفا ضد الانتهاكات الإسرائيلية (30/3/2012/فرانس برس)

+ الخط -
ينتظر فلسطينيو الأراضي المحتلة في 1948 تحديات كبرى، إضافية، داخلية وخارجية، بعد انتخابات كنيست نظام الأبارتهايد الصهيوني. وما يهمنا، في هذا الظرف، التحديات الداخلية التي تعمقت بعد انحلال القائمة العربية المشتركة، وانتشار عدم الثقة بين الناس، حيث سيتولد فراغ سياسي وطني خطير، سنحتاج إلى فترة لملئه، خصوصا أن حكم اليمين، بتنوعاته المختلفة، وبعدوانيته الصارخة، سيتعزز، ويزداد شراسة. ويتساءل كثيرون عمن يقود المرحلة المقبلة القريبة.
حتى فترة قريبة، وخصوصا بعد نجاح الأحزاب الفلسطينية في أراضي 1948 في تشكيل قائمة انتخابية مشتركة، لخوض انتخابات الكنيست عام 2015، وزيادة تمثيلها في الكنيست، نظر الفلسطينيون، خارج الخط الأخضر وفِي الشتات، بإعجاب، إلى التجربة السياسية لهذا الجزء من شعبنا. بل راح بعضهم يطالب شقي أزمة الانقسام، حركتي فتح وحماس، بالتعلم من تجربة "إخواننا في منطقة الـ ٤٨". والحقيقة أن الإعجاب بتجربتنا الفلسطينية، في الأرض المحتلة عام 1948، لم يكن فقط بسبب تحقيق وحدة انتخابية، وإحباط مخطط المؤسسة الصهيونية لإخراج العرب، وخصوصا التيار الجذري، من الكنيست، عبر رفع نسبة الحسم، بل بسبب تمكنهم من تطوير وجودهم الفيزيائي، والثقافي، والتعليمي، وتحولهم إلى مصدر تحدٍّ دائم لحكومة نظام الأبارتهايد، وهو تطور حصل معظمه من خلال النشاط الميداني، وليس من خلال الكنيست. وقد أضاف ظهور حزب التجمع الوطني الديمقراطي، بعد سنوات قليلة من اتفاق أوسلو، إضافة سياسية وفكرية وميدانية نوعية، جعلته من أكثر الأحزاب استهدافاً وكرهاً من نظام الأبارتهايد، غير أن هذا الحزب بات يعيش صعوباتٍ جدية، وتحديات كبيرة، لأسبابٍ موضوعية وذاتية.
إذاً هذه التجربة الوحدوية التي بدت استثناءَ في الواقع الفلسطيني العام، والتي حاول بعض 
إخوتنا استلهامها، تهاوت وباتت من الماضي. وهي تهاوت، ليس بفعل قرار قمعي، صهيوني، أو بسبب كارثة طبيعية، بل بسبب السلوك النرجسي لأحد أقطابها (أحمد الطيبي) الذي تحول إلى نجم إعلامي، في الإعلام الإسرائيلي، وهو اليوم يتعرّض في الداخل، وإلى حد كبير، أيضاً التيار الذي تحالف معه، الشيوعي، لحملة انتقاد شعبية غير مسبوقة. ويترافق مع هذه الظاهرة غياب الأيديولوجيا، والخواء القيمي. هناك أسباب أخرى أكثر عمقاً وراء تراجع التأييد للقائمة المشتركة، حتى قبل انتحارها، أو بالأحرى نحرها. هي أسبابٌ تتعلق ببرامج وأيديولوجية الأحزاب الأخرى التي تتفادى خوض تحدٍّ حقيقي لجوهر النظام الصهيوني، وترفض تنظيم المواطنين الفلسطينيين على أساس قومي.
وكانت قيادتا "التجمع الوطني الديمقراطي" والحركة الإسلامية (المعروفة بالشق الجنوبي) قد بذلتا قصارى جهدهما للحيلولة دون انفراطها، خصوصا أن حزب التجمع، وهو المنظّر الأول لفكرة القائمة المشتركة، ليس من باب تحصيل مقاعد إضافية في الكنيست الإسرائيلي، بل في الأساس لتكون رافعة تعزّز العمل الجماعي، وتغذي عملية تنظيم الفلسطينيين على أساس قومي. وكان "التجمع" قد بدأ، قبل النجاح في تشكيل القائمة المشتركة، بمناقشة جدوى الاستمرار بالمشاركة في انتخابات الكنيست. وقد أدى تشكيل القائمة المشتركة إلى رفع نسبة التصويت، بصورة كبيرة نسبيا، بعد أن كانت قد بدأت تنخفض في انتخابات سابقة.
ولا بد من القول إن غالبية الفلسطينيين شعروا في أثناء الحملة الانتخابية لعام 2015، وعلى مدار العام الأول، بقوة الوحدة، إذ ظهرت القائمة المشتركة على مسرح بعض المؤسسات الدولية، والمنابر المدنية، ممثلة لجزء من شعبٍ تم تجاهل قضيته عقودا طويلة، باعتباره جزءًا من الشعب الفلسطيني، وجزءا من الصراع، وواقعا تحت ظلم، تم التعتيم عليه من النظام الصهيوني وحلفائه في الغرب. ولكن النظام الصهيوني واصل حملته العدوانية ضد الأحزاب العربية، وعمل على دق الأسافين، من خلال التحريض على "التجمع" كحزب متطرّف، وأنّه يقود باقي أحزاب القائمة المشتركة إلى مزيد من التطرّف. ولكن الحقيقة، وإن كان "التجمع" بالفعل أكثر الأحزاب استهدافاً، بسبب رؤيته الوطنية الجذرية، والديمقراطية المتحدّية ليهودية الدولة بلا هوادة، فإن العداء الصهيوني كان ولا يزال موجّهاً ضد فكرة الوحدة بحد ذاتها، ذلك أنه واصل تهميش الأحزاب العربية، وسن مزيد من القوانين التي لا تستهدف العمل السياسي فحسب، بل حقوق كل المواطنين الفلسطينيين وهويتهم وأراضيهم.
ولكن غياب ردّ القائمة المشتركة على هذا التحريض، وعلى تمرير قانون يهودية الدولة الذي ُ
يشرعن ما هو قائم من ظلم، وتنكر، ونهب، وعدم المباشرة في إطلاق المظاهرات العارمة، أو مقاطعة الكنيست بعد تمريره، سبب خيبة أمل كبيرة في أوساط المواطنين العرب، إذ ازداد عدم الثقة بلعبة الكنيست، وثانيا في قيادة القائمة المشتركة. وجاء تفكيك هذه القائمة، ليزيد الطين بِلّة، ولتصبح أزمة العلاقة بين الناس والقيادات أكثر عُمقاً وأكثر خطورة. ومن مؤشرات هذه الأزمة ما تسجله استطلاعات الرأي عن انخفاضٍ كبير في نسبة التصويت في وسط الفلسطينيين، وارتفاعها في وسط المجتمع الاستيطاني، وعودة الأحزاب الصهيونية إلى العمل في البلدات العربية، محاولة استغلال هذه الأزمة وتراجع الثقة. كما ازداد نشاط المقاطعين الفلسطينيين انتخابات الكنيست، على أساس أيديولوجي، غير أن المقاطعة هي غالبا لأسباب احتجاجية، واُخرى لعدم المبالاة، ولكن أزمة حملة المقاطعة التي تتشكل من الشباب في الأساس، وتحاول أن تستفيد من هذه الشرائح، في أنها لا تملك برنامجا مفصلا للمستقبل، وهي ليست جاهزة لقيادة المرحلة المقبلة.
الخطورة الكامنة في نتائج حالة الشارع الفلسطيني الحالية أن الصورة التي سترتسم، وسيستغلها نظام الأبارتهايد، في حالة فشل القائمتين في تجاوز نسبة الحسم، أن الفلسطينيين نزعوا ثقتهم من أحزابهم، وليس من برلمان الأبارتهايد الذي غالى في تهميشهم، ولم يتح لهم الحصول على منجزاتٍ حقيقية من خلاله. وبذلك نكون قد فرّطنا بسلاح المقاطعة الذي كان يجب أن نشهره نحن في وجه نظام الأبارتهايد، ونعتمده في اللحظة التي تطوّع فيها في الكشف كلياً عن وجهه الحقيقي، أي يوم مرّر برلمانه قانون القومية الاستعماري العنصري، الصيف الماضي. ولذلك هناك من يقول إنه طالما لم تأخذ الأحزاب قرارا بمقاطعة الكنيست، فإن عليها أن تبذل كل جهد لكي تنجح، وذلك حتى لا نخسر سلاح المقاطعة في المسستقبل. وحتى لو نجحت القائمتان في عبور نسبة الحسم، وفِي كلّ الأحوال، لن تحصلا على عدد المقاعد التي حصلت عليها الأحزاب مجتمعة في إطار القائمة المشتركة، في الانتخابات السابقة، فإن انعدام الثقة في القيادات سيكون عميقا، وكذلك في لعبة الكنيست.
بعد تفكّك القائمة المشتركة، وبعد تآكل مكانة لجنة المتابعة العليا (المظلة التي تنضوي فيها
 جميع الأحزاب والحركات ورؤساء المجالس البلدية والقروية) التي عجزت قيادتها عن النهوض بها، من سيتصدّى من أجل مهمة الحفاظ على المنجزات الكبيرة التي حققها الفسطينيون داخل المنطقة المحتلة عام 1948، في مجالات التنظيم والتعليم والثقافة والهوية الوطنية؟ هذا هو السؤال الكبير الذي سيجد الفلسطينيون، داخل الخط الأخضر، أنفسهم أمامه بعد يوم الانتخابات، وقد نعيش فراغاً خطيراً للمركز السياسي الذي يستطيع تجميع الناس وتوجيههم، فهل نشهد نهوض قوى جديدة، تنشط الآن في مختلف ميادين المجتمع، خصوصا في الثقافة والفن والتعليم والعمل الاجتماعي والخيري، والحركات الشبابية والطلابية! إما من أجل بناء إطار وطني واسع، أو للتصدّي لمهمة إعادة بناء الهيئة الفلسطينية العليا، المسمّاة لجنة المتابعة العليا للجماهير الفلسطينية في الداخل.
يجب القول إن للتصدّي بنجاح لهذه المهام، ليس فائدة لفلسطينيي الـ 48، فحسب، بل لمجمل شعبنا في كل مكان.
على الرغم من كل علامات الضعف، يبقى لهذا الجزء من شعبنا الفلسطيني دور استراتيجي، في مواجهة نظام الأبارتهايد الكولونيالي، وهو ما يجب أن نبذل من أجله كل ما نستطيع من جهد.