من الاستيلاء على فلسطين إلى محاولة فرض الخطاب

02 سبتمبر 2019
الصورة
+ الخط -
ربما لم تسجل التجارب الكولونيالية في العصر الحديث محاولة فرض المستعمِر خطابه الاستعماري على قيادة الحركة الوطنية للشعب الأصلاني، أي أن يُجبر المستعمَر على قبول شروط المستعمِر ومطالبه وتذويتها. والخطاب يختلف عن السردية أو الرواية التاريخية التي عادة يحملها المستعمِر معه منذ البداية، أو يطوّرها في مجرى عملية الغزو والاستقرار في الأرض المستهدفة، إذ يعني المطالَب الشرعية والبرنامج التحرّري. الحركة الصهيونية التي تعرض نفسها حالة غير كولونيالية، بل حركة شعب عاد إلى وطنه، تجاوزت جميع الحركات الكولونيالية في طموحاتها، وتنتقل الآن، أو تعود، إلى محاولاتها الانتقال من مرحلة تعميم سرديتها الكاذبة على المجتمع الاستيطاني الصهيوني، وعلى المجتمع الدولي، إلى محاولة فرض السردية والخطاب على الشعب الفلسطيني، أي أن تجبر القيادة الفلسطينية على قبول إسرائيل على كل فلسطين، والخضوع التام للنظام الاستعماري، باعتبار أهلها رعايا يمنحون حقوقا مدنية بديلا عن حق تقرير المصير. وذلك بناءً على ما تم، وما يجري، على مدار الساعة من ترسيخ الوقائع الكولونيالية والفصل العنصري على الأرض. ولكن هذه الممارسة العملية الفيزيائية بدأت تحتاج منظّرين من داخل المعسكر اليميني الأكثر تطرّفا الذي يدير الآن الكيان 
الصهيوني، ويُهيمن على خطابه، بهدف تأطير هذه المرحلة الجديدة من الممارسة الاستعمارية، فأحد منظّري اليمين، كوبر فاسر، يقول إنه "لا يكفي تغيير أبو مازن، بل يجب تغيير الخطاب"، ويدعو إلى إحالة القانون الإسرائيلي على مناطق ج. ويعتقد أنه يجب استغلال فرصة وجود دونالد ترامب على رأس الإدارة الأميركية للدفع بهذا الاتجاه. ففي مقال نشره في صحيفة هآرتس (30/7/2019) يكتب: "تعتقد إسرائيل والإدارة الأميركية أنه لن يكون بالإمكان الوصول إلى مفاوضات جدية بدون بذل جهد كبير لتغيير الخطاب الفلسطيني الذي يشكل العائق الأساسي للوصول إلى حل دائم. وحسب هذا الخطاب، لا يوجد شعب يهودي، ولم تكن في الماضي سيادة يهودية في أرض إسرائيل. وبالتالي لا مبرّر لوجود دولة قومية للشعب اليهودي. والحركة الصهيونية، في نظرهم (أي الفلسطينيين)، كولونيالية أقامها الأوروبيون، لكي يتخلصوا من اليهود، ولا يوجد سبب يدفع الفلسطينيين لتحملهم في جوارهم، في وقتٍ يستمرون في التصرف بصورة فظيعة، ويقيمون نظام أبارتهايد في فلسطين... القسم الاقتصادي في خطة السلام الأميركية (صفقة القرن) هي الجزرة المقدمة للفلسطينيين من أجل تغيير الخطاب".
هذا بعض ما جاء في مقال الجنرال كوبر فاسر، وهو أحد أكثر الشخصيات المؤثرة في السياسات الصهيونية التي ينتهجها ائتلاف اليمين واليمين المتطرّف الذي يقود نظام الكيان الكولونيالي في فلسطين. وكوبر فاسر خبير إسرائيلي في الاستعلامات والأمن، كان رئيس قسم الاستعلامات العسكرية في الجيش الإسرائيلي، وحاليا يعمل مديرا عاما لمركز القدس المختص بالأبعاد الأمنية للصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
وفي إطار تنظيره لضرورة تكريس الواقع الاستعماري الصهيوني في الضفة الغربية، ولكيفية دفع الفلسطينيين إلى تغيير سرديتهم التاريخية وخطابهم السياسي، يدعو كوبر فاسر إلى إحالة القانون الإسرائيلي على الضفة الغربية، ويدّعي أن إحالة القانون تختلف عن الضم الذي 
يتعارض مع القانون الدولي. ويرد، في هذا الادعاء، على معارضة ما باتوا يعرفون "جنرالات من أجل أمن إسرائيل" ومخاوفهم من إمكانية تحول إحالة القانون على الضفة الغربية إلى ضم فعلي يهدّد يهودية الدولة والغالبية اليهودية، ويفتح مواجهة مع المجتمع الدولي. ففي نظر كوبر فاسر، تشي إحالة القانون بأمر مؤقت، ولا تصطدم مع المجتمع الدولي، في حين أن الضم أمر دائم. وهذا تكتيك مخادع، لأن الغرض هو مواصلة تشكيل واقعٍ قوامه السلب والتهويد والاستيطان والحصار، حتى يصبح غير قابل للعودة عنه، أو تغييره، ومن ثم دفع المجتمع الدولي إلى التعامل معه معطى ثابتا. ومع الوقت، هكذا يفكر هو والائتلاف الحاكم، يتحقق كيّ الوعي، في أوساط الفلسطينيين، ويبدأون تغيير خطابهم، ويتخلون عن مطالبهم السياسية بحدها الأدنى.
وبسبب هذه المعطيات، وهذه التوجهات الأيديولوجية، توقّفَ مراقبون عديدون، ناقدون لإسرائيل، عن استعمال كلمة احتلال لوصف الوجود الإسرائيلي في الأراضي المحتلة عام 1967، وباتوا، بدل ذلك، يستخدمون كلمة استعمار كولونيالي وأبارتهايد مصطلحا يناسب هذا الواقع، مستمد من النظريات الكولونيالية الإحلالية، فوصف الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967 احتلالا فقط مضلل وخادع، لأن معنى الكلمة، في هذه الحالة، يشي بالمؤقت، في حين أن الوجود الصهيوني في الضفة الغربية والقدس، يُعمل عليه بصورة منهجية ليكون دائماً. ومواصلة التعامل معه على هذا النحو، أي بدون الإشارة إلى السياسات الكولونيالية الاستيطانية، يشجع العالم على مواصلة عجزه، أو تواطؤه، أو تلكؤه، في التدخل لاتخاذ إجراءاتٍ فعليةٍ لوقف العدوان الإسرائيلي، بحجة أنه، في نهاية المطاف، ستجري مفاوضاتٍ حول إنهاء الاحتلال وتحقيق التسوية النهائية. كما يشكل خطورةً بالغة على 
الخيارات الفلسطينية، لأنه أيضا يكرّس سلبية الفعل الفلسطيني، ويعزّز سياسة الانتظار الكارثية، والتعويل على منقذ خارجي، يأتي من تغيير في الحكم في إسرائيل وفي الولايات المتحدة.
ويدرك اليمين واليمين المتطرّف، في إسرائيل، أن حسم المعركة من خلال الاستيلاء على الأرض وحدها لا يضمن بقاءه في فلسطين، أو على الأقل ككيان كولونيالي عنصري، خصوصا أنّ العامل الديمغرافي لا يزال يُشكل تحدّياً كبيراً أمام هذا المشروع الاستعماري، بوصفه مشروعا عرقيا عنصريا، وأنّه بدون تبديد الخطاب الوطني عن فلسطين الذي يتمسّك به الشعب الفلسطيني، وينتقل من جيل إلى جيل، سيظل يواجه مقاومة فلسطينية مستمرّة.
لقد قطع الكيان الإسرائيلي مشوارا طويلاً في هذا الاتجاه، ولكنه يواجه تحدّيا أساسيا، إذ على خلاف سكان أميركا وأستراليا الأصليين، ظل الفلسطينيون أغلبيةً بعد الطرد والمذابح. لم تستطع إسرائيل ولن تستطيع قمع المقاومة الفلسطينية إلى درجة الإخضاع، فعلى الرغم من العقلية المهزومة التي استحوذت على القيادة الفلسطينية، والقبول بالتطبيع مع إسرائيل، وعلى 78% من الوطن الفلسطيني، وتعديل الميثاق الوطني الفلسطيني، وباختزال النضال الفلسطيني التحرّري في جزء صغير من فلسطين، التخلي عن المقاومة، فإن الشعب، ومن خلال منظّماته الشعبية المستقلة، كاللاجئين، والمثقفين، والحركات الشبابية، لا يزال يتمسّك بوطنه الموحد، فلسطين جغرافيا موحدة، وشعبا واحدا، وتاريخا واحدا، ومصيرا واحدا.