هل يُفتح ملف أنظمة الاستبداد والنظام العالمي؟

24 أكتوبر 2018
الصورة
+ الخط -
حتى فترة قريبة، أي حتى قبل انفجار الثورات العربية، كان يستعصي على المواطن العربي، البسيط، هضم (أو تصديق) الأخبار عن فظاعة العنف الذي يمكن أن يمارسه نظام الحكم العربي ضد معارضيه خلف القضبان، أو خلف الكواليس. قلة طلائعية فقط التي جرّبت غياهب السجون العربية لم يفاجئها هذا المستوى من التوحش البهيمي، والذي كان يصعب على العقل تصديقه، أو تخيّله. ولا يزال المرء يجد، يومياً، أناسا عاديين، متعلمين، انحازوا إلى أنظمةٍ تدعي القومية، لا يصدّقون ما تنقله وسائل الإعلام عن الممارسات المرعبة ضد المعارضين. هناك بطبيعة الحال من يعرف هذه الحقائق، ويدركها، وقد يكون، وَيَا للمفارقة، من هؤلاء أسرى فلسطينيون، لكنهم يبرّرونها تحت شعارات متهالكة، أخلاقيا وإنسانيا.
استحضرت فضيحة خطف الصحافي السعودي، جمال خاشقجي، وقتله بطريقة فاقت الخيال، وتقطيعه، في قنصلية بلاده في اسطنبول، في أذهان الناس المقهورين بؤس نظام العربية السعودية، وانحطاطه، وهو الذي استمد استمراريته وشرعيته من تجار السلاح في الغرب، كما وأعادت تذكير الإنسان العربي بواقع الأنظمة المتوحشة التي تحكمه، إذ إن سبعة أعوام من القتل والفتك بالشعوب التي ثارت، وبدعم النظام العالمي، وتواطئه وصمته، ببنيته الطبقية المتوحشة الراهنة، كانت قد أوصلت العربيَّ إلى حافة الاستسلام إلى مصيره الذي بدا وكأن من يصنعه هم الطغاة فقط الذين يستظلون بحمايةٍ خارجية، استعمارية. وقد نزح كثيرون من صناع
 الانتفاضات العربية، من الشباب والكبار، عن بلادهم، تفاديا لمواجهة مصير عشرات آلاف من المعارضين الذين قتلوا بوحشية، أو عذّبوا في المعتقلات، أو ما زالوا تحت وطأة التعذيب في باستيلات الطغاة. وقد تدفع هذه الجريمة بعض بسطاء الناس إلى إعادة النظر في عملية تشكيكهم (أو تبريرهم) في روايات التعذيب والسحق، والتذويب في مادة الأسيد، وعمليات الاغتصاب المرعبة للمعتقلين في سجون نظام الأسد ورامي مخلوف، وكذلك في معتقلات نظام عبد الفتاح السيسي. نعم ، قد تزيل غشاوة "الممانعة" عن عقولهم، ويبدأون بالتعرّف مجدّدا على حقيقة هذه الأنظمة المرعبة، وأنها مهيأة مهنيا ونفسيا، لممارسة أبشع الجرائم بحق مواطنيها المعارضين.
بعد أن نجحت أنظمة الطغيان في دمج نفسها في نادي محاربة الاٍرهاب العالمي، لحماية نفسها من السقوط وإخضاعها للمحاسبة، وذلك عبر استيلاد قوى إرهاب جديدة على صورة هذه الأنظمة، تفاقمت أزمة الثورات، وتحولت إلى حروب أهلية طاحنة، فوجد الثوار أنفسهم أمام نظام عالمي فاقدٍ الأخلاق، كان قد بدأ يتشكل في العقدين السابقين، مع نمو شعور القلعة الرأسمالية بتحقيقها انتصارا نهائيا، ولكن من دون تدثّره بخطاب الديمقراطية وحقوق الإنسان. وقد قادت هذه الوضعية التي وجد الثوار أنفسهم فيها، حيث تركت مناشير العظام تقطع أجسادهم، وتهشّم أرواحهم، إلى تشتّتهم في بقاع الأرض، بعضهم في إطار جهدٍ لمواصلة المسيرة، وآخرون بحثا عن النجاة.
يجمع محللون على نهاية حكم محمد بن سلمان في العربية السعودية، وعلى أن مصير هذا الشاب الأهوج انتهى قبل أن يبدأ، فكل مغامراته فشلت، ابتداءً من حربه الوحشية، الرجعية، في اليمن، مرورا بحصار قطر، وقبله في مواجهة إيران في سورية (لعب دورا مركزيا في تخريب الثورة). أما ما سمّيت حملة الإصلاح التي قادها، وتدثّر فيها الغرب لتبرير دعمه هذا الرجل، فقد توّجت بفضيحة تصفية خاشقجي، وهي جريمة شكلت استمرارا طبيعيا لحملة القمع الوحشية التي ثابرعليها منذ تسلمه القيادة، في الداخل. وسكتت عليها، بل ربما شجعتها إدارة ترامب، لتمكين هذ الصبي القاتل من الحكم.
كان العنوان على الحائط، فكل ممارساته تلك كانت تشير إلى الهاوية التي يأخذ بلده، وبلادا
 عربية أخرى، نحوها، لكن المصالح الإمبريالية والطمع في أموال السعودية، وعداءها حركات المقاومة الفلسطينية، والتحالف الخياني مع الكيان الإسرائيلي في مواجهة إيران، كان ولا يزال فوق كل اعتبار. لقد باتت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، التي أمعنت في حلْب السعودية، من أكثر القوى العالمية قلقا وارتباكاً بعد جريمة قتل خاشقجي التي تواجه تحدّيا يتمثل في كيفية امتصاص النقد الداخلي، والحفاظ على مورد مالي كبير، بأقل الأضرار على صورتها التي هي أصلا محل نقدٍ عالمي، حتى من أصدقائها، كما أن إسرائيل، وحسب دوائر صحافية مقرّبة من رئيس حكومتها، أوعزت، في الأيام الأولى، إلى قادة اللوبي اليهودي الأميركي، بالاستنفار للمساعدة في الحفاظ على مكانة النظام السعودي في مؤسسات الحكم والإعلام في الولايات المتحدة. وسخر محللون إسرائيليون ناقدون ممن سموهم "أصدقاء نتنياهو" في العالم العربي، طبعا يضيفون إليه النظام المصري المتوحش، والنظام الإماراتي المتهتك، إلى قائمة هؤلاء الأصدقاء.
من المستبعد أن تدفع هذه الحادثة، الجريمة، التي أصبحت قضية عالمية، إلى تحولٍ جذري في علاقات الإدارة الأميركية وحكومات الغرب مع النظام السعودي، وستجد الطريقة التي يتم بها التخلص من محمد بن سلمان، بطريقةٍ تضمن العلاقة المالية، وغير الاخلاقية، مع نظام آل سعود، ولكنها قد تعيد فتح ملف هذه الأنظمة العربية المتوحشة، وطبيعة علاقات الغرب مع هذه الأنظمة التي باتت تلقى الدعم والقبول، وإعادة تأهيلها، بعد أن سحقت ثورات شعوبها. وستجد القوى الديمقراطية في هذه البلدان الغربية متنفسا، أو فرصةً جديدة، تواجه فيها انتهازية حكوماتها ولا أخلاقيتها. وبالتوازي، هي فرصةٌ أيضا لقوى الثورات العربية التي حوصرت لتجديد هجومها على هذه الأنظمة، وممارسة الضغط على النظام العالمي، بغربه وشرقه، لوقف الدعم السياسي والعسكري، لهذه الأنظمة المنتصرة على شعوبها. ليست المسألة سهلة أمام ديمقراطيي العالمين، العربي والغربي، لكن الجريمة في قنصلية العربية السعودية في إسطنبول تشكّل ظرفا جديدا سانحا لتصعيد "جهادها" من أجل نظامٍ عالمي مختلف.