فصل من قصة قتال مرتزقة "فاغنر" الروسية بصفوف حفتر

09 أكتوبر 2019
الصورة
ليبيا باتت ساحة للصراع الدولي المكشوف (محمود تركية/فرانس برس)
رغم أن موسكو تتجنب الإعلان عن انحيازها لأي من طرفي النزاع في ليبيا، وتشدد على مواقفها الرافضة للحل العسكري وضرورة إحلال السلام من خلال حوار سياسي شامل، إلا أن المؤشرات تظهر وجود مقاتليها وأسلحتها في صفوف قوات اللواء المتقاعد، خليفة حفتر، لا سيما من خلال مجموعة "فاغنر"، التي تضم مرتزقة روساً، وتلجأ لها روسيا لتنفيذ عمليات مسلحة. فما حكايتها داخل ليبيا؟

الحديث عن وجود "فاغنر" بليبيا ليس جديدا، فمصادر "العربي الجديد" أكدت وجود عناصر إلى جانب حفتر منذ مارس/ آذار من العام الماضي، عندما وفروا لقواته دعما لوجستيا وصل إلى بنغازي وطبرق والجفرة، لكن الفارق الجديد في وجودهم داخل ليبيا تزامن مع وصول حرب حفتر على طرابلس إلى فصولها الأخيرة بانخراط مرتزقة روس. ويعتقد أن هؤلاء على صلة بمجموعة "فاغنر"، في جبهات القتال في محيط طرابلس ضمن صفوف حفتر ما اعتبره مراقبون محاولة روسية غير مباشرة لدعم حفتر، تغاير تماما الموقف الرسمي الروسي الرافض للحل العسكري في ليبيا.
واليوم، كشفت صحيفة "لوبوان" الفرنسية، عن مقتل 35 من المرتزقة الروس في غارة جوية قرب طرابلس، في سبتمبر/ أيلول الماضي، موضحة أنهم كانوا يقاتلون بجانب حفتر، وهم محسوبون على "فاغنر" التي أنشأها العميد السابق في الجيش الروسي ديمتري أوتكين، المقرب من الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين.
كما أشارت إلى إصابة ألكساندر كوزنتسوف المعروف باسم "راتيبور"، أحد قادة المليشيا، بجروح خطيرة أثناء المعارك، لافتة إلى أنه أعيد إلى روسيا على وجه السرعة لتلقي العلاج في أحد مستشفيات مدينة سانت بطرسبرغ.
من جهته، أكد مسؤول أمني ليبي لــ"العربي الجديد" أن "مهام الشركة عديدة منها توفير خبراء عسكريين للتخطيط للعمليات وقيادة الطائرات بالإضافة للقناصة"، مؤكدا أنهم لم يدخلوا في اشتباكات مباشرة مع قوات الحكومة.
ووفق معلومات دقيقة كشف عنها المسؤول فإن مقاتلي "فاغنر" المرتزقة الذين وصلوا إلى محيط طرابلس لم يقدموا من شرق البلاد، حيث لا تزال تتواجد مجموعة أمنية بالمرج، القريبة من قاعدة الرجمة المقر العسكري الرئيس لحفتر، تقوم بحراسة حفتر بشكل شخصي. وأوضح أن المجموعة المتواجدة في محيط طرابلس وصلت إلى الجفرة عن طريق السودان أوائل سبتمبر/ أيلول الماضي.
وبخصوص إصابة "راتيبور"، قال "المؤكد أنه قائد الفرقة التي وصلت من السودان وعسكرت في الجفرة وأصيب في غارة جوية ضمن معسكر كان في طوره إعداده في منطقة قصر بن غشير جنوب طرابلس"، لافتا إلى أن العملية أودت برقم قريب مما نقلته الصحف. لكنه قال "الرقم غير مؤكد لكنه كبير بالنسبة لأعداد مرتزقة هذه الشركة الذين لا يتجاوز عددهم في محيط طرابلس الخمسين عنصرا".
أما عن وجودهم في شرق ليبيا فكشف المسؤول أنهم قدموا تحت واجهة شركة روسية تعاقدت مع بلدية بنغازي في إطار ما عرف بمشروع إعادة إعمار المدينة، مشيرا إلى أنه أسلوب معروف لدى "فاغنر" للتواجد في أكثر من دولة.
ويرى المسؤول الأمني أن المجموعة بصدد مراجعة وجودها في جنوب طرابلس بعد تلك الضربة القاسية، مرجحا أن تراجعها بشكل كبير لصالح رجوع دعم إماراتي فرنسي لقوات حفتر تجلى في كثافة الضربات الجوية مؤخرا.



وكان مسؤول رفيع المستوى مقرب من حفتر أدلى بمعلومات لـ"العربي الجديد"، في مارس/ آذار 2018، تفيد بأن للروس دورا كبيرا في تقديم الدعم لحفتر، لاسيما عن طريق "فاغنر". وأوصلت المجموعة إلى قواعد طبرق وبنغازي والجفرة، ما لا يقل عن 31 فنياً من أوكرانيا وبلاروسيا، لصيانة أسلحة حفتر روسية الصنع، بالإضافة إلى سبعة خبراء أمنيين، لبناء شبكات استخبارية لصالح اللواء المتقاعد، بالإضافة لتوفير عدد من الطيارين من بلاروسيا هم من يقودون الطيران الإماراتي المرابط في قاعدة عسكرية جنوب المرج.

كذلك توالت التقارير الصحافية التي تؤكد وجود مقاتلي هذه المجموعة إلى جانب حفتر حتى مطلع مارس/ آذار الماضي عندما كشفت صحيفة "ذا تلغراف" البريطانية عن وجود المئات من المرتزقة الروس التابعين لجهاز الاستخبارات العسكرية الروسية في ليبيا لدعم حفتر ضمن سياسة روسيا لتعزيز وجودها في أفريقيا، في ظل ما تمنحه لها "فاغنر" من إمكانية لإنكار أي تورط مباشر لها في العمليات العسكرية.
وأكد تقرير الصحيفة البريطانية وجود 300 مرتزق تابعين لهذه الشركة يقومون بتقديم الدعم لقوات حفتر حيث تم تزويده بالأسلحة والمدافع والدبابات والطائرات من دون طيار. ونقلت عبر مصدر حكومي بريطاني قوله إن هؤلاء المرتزقة يحاولون تأمين موانئ طبرق ودرنة للأسطول الروسي، كما يمكنهم التحكم في تدفق النفط إلى جنوب أوروبا إذا ما استولوا على مصادر الطاقة في ليبيا.


وتعتبر عديد الصحف والمراقبين ظهور، رجل الأعمال يفيغيني بريجوزين، المعروف بطباخ بوتين الذي ترتبط به مجموعة "فاغنر"، وهو يجلس إلى طاولة صحبة حفتر ووزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، خلال محادثات عُقدت في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، دليلا على وجود علاقة لهذه المجموعة بحروب حفتر في ليبيا.
ويبدو أن رغبة حفتر في الاستفادة من مقاتلي هذه الشركة في تأمين مواقع النفط امتدت لتمكينها من الوجود قريبا من منطقة الهلال النفطي، ففي مايو/ أيار الماضي أعلنت "قوة حماية وتأمين مدينة سرت" التابعة لحكومة الوفاق عن إسقاط طائرة استطلاع روسية نوع "أورلان 10 "قبل وصولها للبوابة الشرقية لسرت، مؤكدة أنه "بمجرد إسقاط الطائرة تم رصد انسحاب 7 سيارات تحمل على متنها المرتزقة الذين كانوا متمركزين في منطقة سلطان الأثرية الواقعة شرق سرت، فاعتبر وقتها الإعلان أول رصد لوجود مرتزقة روس في منطقة غرب البلاد.



كذلك، أعلن قادة قوات "بركان الغضب" التابعة لحكومة الوفاق نهاية سبتمبر/ أيلول الماضي عن عثورهم على مقتنيات وصور في أحد تمركزات حفتر تظهر وجود مقاتلين يعتقد بأنهم روس. وهو ما أكده رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، فايز السراج، في لقاء مع قناة "فوكس نيوز"، أنذاك مشيرا في حديثه إلى أنه لا يوجد أي دليل يربط بين هؤلاء المرتزقة الروس وبين الحكومة الروسية. لكن وزير الداخلية فتحي باشا آغا سبق حديث السراج بيومين بالتأكيد، في لقاء مع تلفزيون ليبي محلي، على أن من يقتل الليبيين هم "قناصة ومرتزقة من شركة روسية داخل صفوف قوات حفتر".


ولم يتأخر التأكيد الرسمي لقادة قوات بركان الغضب كثيرا، فقد أعلن المتحدث الرسمي باسم الجيش التابع للحكومة، محمد قنونو، في 29 سبتمبر/ أيلول، عن مقتل 8 من مرتزقة "فاغنر" إثر ضربة نفذها سلاح الجو على مقر لهم بينما كانوا يحضرون لعمل ضد العاصمة.
وجاء إعلان قنونو متزامنا مع ما كشفت عنه وكالة "بلومبيرغ" الأميركية، وقتها، عن مشاركة أكثر من 100 مرتزق روسي مرتبطين بـ"فاغنر" إلى جانب حفتر.



ويطلق أهالي المرج على عمارة سكنية يقيم فيها مرتزقة فاغنر "عمارة الروس، وفي ديسمبر/ كانون الأول الماضي رصدت كاميرات جنودا روس وهم يتجولون داخل المدينة.