فرنسا ومأزق المقاربة الأمنية في محاربة الإرهاب

فرنسا ومأزق المقاربة الأمنية في محاربة الإرهاب

05 فبراير 2016
الصورة

السياسة الأمنية لهولاند قد تسبب هزيمته (فبراير/2016/Getty)

+ الخط -
لم يتردّد فرنسيون كثيرون، منهم اليسار الحاكم حالياً، في نقد السياسة الأمنية المتشددة التي تبناها الرئيس الأميركي جورج بوش الابن، عقب هجمات "11 سبتمبر"، مؤكدين على تميز النموذج الفرنسي عن غيره. وبعد الهجوم على صحيفة "شارلي إيبدو"، بدأ الحديث عن الإجراءات الأمنية الحازمة مع استبعاد منظومة قانونية على شكل "باتريوت أكت" الأميركي. لكن الأمور تغيرت تماماً عقب العمليات الإرهابية التي ضربت فرنسا في 13 نوفمبر/تشرين ثاني 2015. إذ سرعان ما غير اليسار الحاكم من خطابه، ونسي القيم والحريات التي طالما دافع عنها. حيث تبنت الحكومة خطاباً شديد اللهجة يذكّرنا بالخطاب الأميركي في عهد بوش، وبشعارات متطابقة: "فرنسا في حرب على الإرهاب" عبارة أصبحت بمثابة لسان حال الحكومة. ولهذه الصياغة دلالة خطابية وسياسية قوية وغياب لضبط النفس لم تعدها فرنسا الرسمية في السنوات الأخيرة.
لهذا الشعار السياسي تعبيرات أمنية قانونية منها قانون الاستخبارات الذي تم سنه قبل هذه العمليات، وحالة الطوارئ وسحب الجنسية من مزدوجي الجنسية. هكذا سارت فرنسا على خطى أميركا فيما يتعلق بالإجراءات الأمنية والتضييق على الحريات إلى درجة أن بعض النشطاء الخضر الفرنسيين وضعوا تحت الإقامة الجبرية في المؤتمر الدولي حول المناخ الذي عقد في فرنسا نهاية العام، وذلك لمنعهم من التظاهر. وهو إجراء غير معهود.
وبغض النظر عن نجاعتها في مكافحة الإرهاب، فإن هذه الإجراءات تمس بالحريات، بل وحتى بأسس الديمقراطية الفرنسية، خصوصاً المتعلقة بتمديد حالة الطوارئ، وسحب الجنسية، وتوسيع مفهوم الدفاع المشروع عن النفس بالنسبة لرجال الشرطة. لذا، تثير منظومة الإجراءات السياسية والأمنية هذه، والتي تريد حكومة الرئيس فرانسوا هولاند أن تحولها إلى ترسانة قانونية متكاملة لمحاربة الإرهاب، جدلاً واسعاً في فرنسا. ويبدو أن الحكومة وضعت نفسها في مأزق سياسي بتسرعها وتشددها في بعض المسائل. فهي خسرت كل اليسار غير الحاكم، وبصدد خسارة جزء من اليسار الحاكم، ولن تربح اليمين الجمهوري الذي يعول عليه هولاند لتمرير إصلاح الدستور.
ويمكن القول إن السيل الكبير من الانتقادات في حق حكومة هولاند وسياسته لا يصب في اتجاه واحد، ولا تقف وراءه المبررات نفسها. إذ يمكن تحديد أربع فئات من منتقدي سياسته. تتمثل الفئة في المعارضة اليمينية التي، على الرغم من دعمها إجراء سحب الجنسية، تنتقد سياسته، وتسعى إلى الاستفادة من الصعوبات التي يواجهها مع معسكره اليساري والاشتراكي تحديداً، نظراً لتمرد جزء من نوابه حزبه في البرلمان. ومن ثم، فهذه الفئة تنتقد هولاند، لأنها تريد التخلص منه، وضمان العودة إلى الحكم في 2017، وهذا طبيعي وأساس اللعبة السياسية في الدول الديمقراطية. وتكمن الفئة الثانية في جزء من اليسار الحاكم الذي يعيب على هولاند التوجهات اليمينية لسياسته الاقتصادية، ولتراجعه عن التزاماته ووعوده في الحملة الانتخابية. ويرى بعضهم ممن ينتمي إلى هذه الفئة من نواب في البرلمان، وفي مجلس الشيوخ، أن هولاند لم يعد المرشح الطبيعي للحزب الاشتراكي في رئاسيات 2017.
أما الفئة الثالثة فتمثلها قوى اليسار الأخرى غير الاشتراكية، أي اليسار غير الحاكم (أحزاب
اليسار المتطرف وحزب الخضر)، وهي الفئة الأكثر دفاعاً عن مبادئ الجمهورية، وبالتالي الأكثر انتقاداً للسياسة الأمنية لحكومة هولاند. وتعيب، هي الأخرى، على حكومته توجهاتها اليمنية في مجال الإصلاحات الاقتصادية وسياسته الأمنية، وابتعاده عن المبادئ اليسارية، وعدم الإيفاء بوعوده الانتخابية. وتضم الفئة الرابعة مجموعات غير سياسية، مختلفة ومتنوعة، منها القضاة، وقطاعات واسعة من المثقفين والجامعيين والصحفيين... وربما أهم مجموعة في هذه الفئة، بالنظر إلى موقعها في مؤسسة الدولة، هم القضاة. فهؤلاء انتقدوا، منذ البداية، إجراء سحب الجنسية لاستحداثه قانونياً فئتين من المواطنين الفرنسيين. كما ينتقد القضاة حالة الطوارئ التي تمسح لأجهزة الأمن بالقيام بمختلف المهمات، من دون مراقبة وإذن مسبق من القضاء.
بالطبع، تعطي هذه العناصر صورة قاتمة عن المشهد السياسي الفرنسي، لما يعبر عنه من خرق للحريات باسم مكافحة الإرهاب. لكن هذا المشهد هو أيضاً دلالة على وجود ديمقراطية حقيقية، تسمح بمثل هذه النقاشات والانتقادات الحادة للحكومة. وهو مشهد يوجد على بعد سنوات ضوئية من الوضع العربي المتردّي. وعلى الرغم من عزم هولاند وحكوماته على تمرير ترسانة القوانين الأمنية التي تطرح إشكالاتٍ فيما يتعلق باحترام الحريات، فإن إقبال فرنسا على انتخابات رئاسية في أبريل/نيسان 2017 سيعطي الصراع بين الحكومة ومعارضيه السياسيين وغير السياسيين بعداً آخر. ويبدو أن هولاند أساء تقدير رد فعل مختلف الفئات حيال سياسته الأمنية. وهذا ما يشير إلى أن فرنسا ستعرف نقاشاً سياسياً حادّاً سيزداد قوة مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية بين مختلف الأطراف.
ومن غير المرجح أن يستفيد هولاند، هذه المرة، من "فزاعة" الجبهة الوطنية، فقد خرجت الحكومة شبه سالمة من الانتخابات الجهوية الأخيرة، لأنها وظفت هذه الفزاعة لتعبئة القوى المناوئة للجبهة الوطنية، ولعبت ورقة الجبهة الجمهورية لضمان انتخاب مرشحي اليمين الجمهوري أمام مرشحي حزب لوبان المتطرف. إلا أن تزايد الاحتجاجات على سياسة هولاند ومعارضة إجراءاته الأمنية لمحاربة الإرهاب، فضلاً عن فشله في الحد من ظاهرة البطالة ستحد كلها من مفعول "فزاعة" اليمين المتطرف. ولا نبالغ، إذا قلنا إنه في حال عدم فوز هولاند بعهدة ثانية، فإن سياسته الأمنية تكون أحد الأسباب الرئيسية في هزيمته. وربما هنا يتوقف سير فرنسا الرسمية على خطى أميركا، فعلى عكس جورج بوش الابن الذي فاز بعهدة ثانية بفضل سياسته الأمنية، على الرغم من مأزق العراق، فإن السياسة الأمنية لهولاند قد تكلفه غالياً.