فتنة قانون المحروقات في الجزائر

19 أكتوبر 2019
الصورة
عموماً، تملي الحكمة والحنكة السياسيتان على أي سلطة، تسلطية كانت أو ديمقراطية، ألا تفتح جبهاتٍ هي في غنى عنها، في ظروف سياسية غير مواتية، حتى تقي نفسها تبعات ذلك، وعناء الإقناع، لأنه لن يؤتي أكله، بما أن الظرف غير مناسب. ويعد هذا من أبجديات الممارسة السياسية العقلانية. طبعاً قد تكون في الأمر حيلة لتوظيف قضيةٍ ما، سعياً إلى التلاعب بالرأي العام وإلهائه، ولو إلى حين، حتى لا يهتم بأمهات الأمور، بيد أن تلك القضية "الإلهائية" قد تكون، هي الأخرى، من أمهات الأمور. وفي هذه الحالة، الخلل السياسي يكون أعمق مما يتصوّر العام والخاص.
ينطبق هذا التحليل على السلطة الجزائرية الحالية التي أقرّت قانوناً جديداً بشأن المحروقات (يتضمن في ما يتضمن تسهيلات وتحفيزات ضريبية وجمركية، كما يحدّد مهلة العقود مع الشركات الأجنبية بثلاثين سنة، تنقيباً واستكشافاً واستغلالاً)، والذي سيُقدّم للبرلمان للمصادقة عليه (كرجل واحد كعادته)، في ظرف سياسي على درجةٍ عاليةٍ من التعقيد. قانون يضع البرلماني، المفقود الشرعية هو الآخر، في مأزق: إما التصويت على القانون رضوخاً للسلطة التنفيذية، كما تعود على ذلك، أو إرضاء للحراك. ولكن التجربة التاريخية والسياق الحالي (الرفع المتتالي لحصانة البرلمانيين لغرض اعتقالهم ومحاكمتهم) يفيدان بأن التصويت على هذا القانون، المثير للجدل، تحصيل حاصل. صحيحٌ أن متظاهرين حاصروا مقر المجلس الشعبي الوطني (الغرفة السفلى للبرلمان) في العاصمة الجزائرية، لمطالبة النواب بعدم تمرير القانون، وصحيح أن إلغاء قانون المحروقات تصدّر مطالب الجمعة الرابعة والثلاثين للحراك الشعبي، إلا أن منطق المفاضلات (التصويت أو رفع الحصانة) حسم عملياً الأمر.
تعيش الجزائر حراكاً شعبياً غير مسبوق، منذ فبراير/ شباط 2019، فالسلطة لا هي قانونية 
(بسبب الفراغ الدستوري، تجاوز المهلة الزمنية المحدّدة دستورياً بعد استقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة) ولا هي شرعية (بسبب الرفض الشعبي لها)، ناهيك بكل ما يصدر عنها من قراراتٍ وتشريعات، فما الذي جعل السلطة الجزائرية الحالية تطرح مشروع قانون يخص قطاعاً استراتيجياً في البلاد، باعتباره عماد اقتصادها ومصدر لقمة عيش شعبها؟ سؤال تصعب الإجابة عليه، سيما أن المقاربة العقلانية والواقعية السياسية، حتى في نسختها الأكثر مكيافيلية، لا تساعد كثيراً على فك طلاسم هذا القرار، إذ ليست المشكلة بالضرورة في مضامين القانون، وإنما في توقيت طرحه، فكيف نفسر إصرار حكومة صرف الأعمال، المفتقدة للشرعية، على تمرير قانونٍ يخص القطاع الاستراتيجي بامتياز، بسرعةٍ فائقةٍ في ظل حراك عارم يرفضها تماماً؟
ربما التوقيت هو الأمر الوحيد الذي لا يتم اختياره مصادفة في السياسة، فتوقيت أي قرار أو قانون لا يكون عبثاً، بل يُدرس بدقة، حتى وإن كانت القراءة التي استند إليها غير سليمة، حتى لا نقول خاطئة. يمكن أن نقترح هنا فرضيتين.
الأولى، أن السلطة الحالية منقسمة على نفسها بين جهةٍ نافذة وأخرى غير نافذة. تسعى الأخيرة إلى توريط الأولى في مأزق سياسي، للتخلص منها بطريقة ذكية، مستغلةً النصائح الموجَّهة التي تسديها لها وموظفة للحراك، علها تضمن شعبيةً لنفسها لغرض خوض الاستحقاقات المقبلة. بمعنى أن أطرافا داخل السلطة الحالية تتظاهر بخدمة الأطراف الأكثر نفوذاً لسحب البساط من تحت أقدامها، بدفعها إلى طرح مثل هذا القانون الاستراتيجي في هذا الظرف السياسي العسير الذي تمر به الجزائر، على الرغم من أن هذا القانون ليس من أولويات المرحلة، فهو يخص قطاعاً استراتيجياً يقتضي نقاشاً وطنياً، حتى لا يطعن فيه.
الفرضية الثانية، أن السلطة الحالية تبحث عن شرعيةٍ دوليةٍ عساها تعوّضها الشرعية المحلية 
المفقودة أصلاً، فهي تسعى، من خلال هذا القانون، إلى استمالة القوى الدولية الفاعلة بمغازلة مصالحها الطاقوية، في سياق دوليٍّ تنافسي. ومن ثم يكون الهدف المقصود من هذا القانون سياسياً بامتياز: التسويق ليس فقط لسياسة السلطة الحالية، وإنما لتزكية الانتخابات الرئاسية التي تريد تنظيمها في 12 ديسمبر/ كانون الأول، على الرغم من رفض أغلبية الشعب لها، وخصوصا لشرعنة الرئيس المقبل الذي سيكون فاقد الشرعية. من هذا المنظور، يبدو قانون المحروقات وسيلةً لاستمالة الأطراف الدولية النافذة، لتمرير مشروع السلطة. تبدو هذه الفرضية وجيهة، خصوصا أن كل المؤشرات تسير نحو تأكيدها أكثر من نفيها.
ولكن هناك مشكلة في هذه الفرضية الثانية: يُبقي مشروع القانون على قاعدة 51/49 التي تمنح الأغلبية للطرف الجزائري في أي مشروع شراكة اقتصادية. وهي تحديداً القاعدة التي تندّد بها القوى الاقتصادية الفاعلة التي تسعى السلطة الجزائرية إلى استمالتها من خلال هذا القانون. كما أبقى مشروع القانون على مبدأ حق الشفعة لشركة المحروقات الجزائرية سوناطراك (منحها حق معارضة تحويل حقوق شركة أجنبية في حقول نفطية أو غازية جزائرية إلى شركة أجنبية أخرى).
لماذا تُبقي السلطة في هذه الحالة على هذه القاعدة؟ إذا كان المتظاهرون يتهمونها ببيع ثروات البلاد والسيادة الوطنية، بسبب تبنّيها هذا القانون، فماذا سيقولون لو ألغيت هذه القاعدة. ربما تحسّباً لهذه الإدانة الشعبية الواسعة، فضلت السلطة عدم المساس بهذه القاعدة. ولكن محاولتها إرضاء الجميع جعلتها تفقد كل شيء، فإبقاؤها على هذه القاعدة جعل القانون لا يرضي، بما فيه الكفاية، الأطراف الدولية الفاعلة. ومن جهة أخرى، فإن مجرد طرحه في هذا الظرف الخاص لا يطمئن الداخل، ما فاقم أزمة الشرعية السياسية والشبهات بشأن التضحية بمصالح الدولة العليا، خدمة لمصالح النظام. إذا كان من غير الممكن أصلاً التوفيق بين المستلزمين (الخارجي والداخلي) بإرضاء الطرفين في الوقت نفسه، فما الداعي لطرح هذا القانون الذي عمّق الشرخ، الكبير أصلاً، بين الشعب والسلطة؟
أقل ما يقال عن هذا القرار السياسي إنه غير محسوب العواقب السياسية (وحتى الاقتصادية). إذا كانت السلطة الحالية ليست بالضرورة خاطئة في تصوّرها للمشهد الطاقوي في البلاد، بغض النظر عن عدم شرعيتها. صحيحٌ أن الجزائر بحاجةٍ إلى مراجعة قوانينها لتطوير الاستثمارات وجذبها لتطوير قدراتها الإنتاجية، قصد رفع مداخيلها والاستجابة لاستهلاكها المحلي المتنامي، إلا أن السلطة خاطئة في توقيت طرحها هذا القانون، وفي توظيفه السياسي، فضلاً عن افتقارها للبعد الاستراتيجي (مرحلة ما بعد النفط تحتم تنويع الاقتصاد والتقليل من الاعتماد على المحروقات). السلطة الحالية التي تمارس منطق التخوين في حق كل من لا يوافقها خياراتها منحت فرصة ذهبية لمعارضيها، ليمارسوا بدورهم التخوين في حقها، بالاستناد إلى هذا القانون، لتدخل البلاد نفقاً مظلماً آخر: التخوين والتخوين المضاد.