فرنسا بين حفتر والكرد

06 يوليو 2020
الصورة

جاء نفي الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أن تكون بلاده قد دعمت اللواء المتقاعد المتمرّد، خليفة حفتر، في ليبيا، أو قبلت بهجومه على طرابلس، مفاجئا للمتابعين. ليس بسبب هذا التنصل من المراهنة على الحصان الخاسر، بل من مدى استصغار ماكرون قيم الجمهورية الفرنسية، ومبادئ ثورتها العظيمة التي ألهمت شعوبا بالسعي وراء الحرية والديمقراطية.

رويدا رويدا يتجلى ماكرون بمظهر "الديكتاتور الصغير"، ولكنه ليس نابليون الغازي، ولا هو شيراك ذو الكاريزما الخاصة، حتى يستطيع أن يحظى بما حظيا به. والحقيقة أنه لا يدعم حفتر لشخصه، بل يسعى إلى تحقيق مصالحه عبر الانخراط في مشروع الأنظمة الداعمة لحفتر، سواء كان هو أو غيره الأداة لتنفيذ هذا المشروع المركّب المصالح والأهداف، والذي تقوده أبوظبي ونظام عبد الفتاح السيسي في مصر، وكان لا بد من الظفر بتأييد دولة أوروبية لديها نفوذ في أوروبا ومصالح في أفريقيا. ولأسباب عديدة، كانت فرنسا المرشحة الوحيدة لهذا الدور. وبتفكيك شبكة الأنظمة الداعمة لحفتر من الأسفل إلى الأعلى، نجدها كالتالي: مصر وأبوظبي لاعبين إقليميبن، تأتي فوقهما فرنسا قوة أوروبية أوسع، تليها روسيا غطاءً دوليا أكبر. وفي مقابل هذه الشبكة إيطاليا أوروبيا في مقابل فرنسا (لم يرتق دورها إلى الدور الفرنسي)، فوقها تركيا لاعبا إقليميا في مواجهة السيسي وأبوظبي، ثم تأتي الولايات المتحدة غطاءً دوليا يشكل ندّاً للنفوذ الروسي. وتزداد انخراطا بالملف كلما ارتفعت وتيرة الانخراط الروسي الذي أصبح عاملًا رئيسيا لتحرّك واشنطن في الساحة الليبية.

التدافع التركي الفرنسي في عدة ساحات ليس وليد اليوم أو الأمس، بل يمتد إلى تاريخ طويل

وقد أصبحت فرنسا تتحرّك إزاء ليبيا وفقا للعامل التركي. ومن هنا، نجد التراشق الإعلامي والسياسي المتصاعد منها ضد تركيا. ولفهم هذا الصراع، نحتاج إلى البحث عن أسّ الصراع بينهما، والذي يعود إلى ما بين بين عامي 1858 و1911، وهي الفترة التي استطاع فيها العثمانيون قمع انتفاضة طرابلس الغرب ضد حكمهم، وتمركزوا فيها، ثم انسحبوا منها بعد حربهم مع الطليان العام 1911. كما أنها الفترة نفسها التي تعزّزت فيها سيطرة فرنسا على الصحراء الكبرى، بعد دخول قواتها الجزائر عام 1858، وبدأت معها مرحلة صراع طويل بين القوتين للسيطرة على طرق التجارة الممتدة على طول الصحراء، وصولا إلى السودان الذي نجح العثمانيون في فترات عديدة في السيطرة عليه. ولكن ما الذي يجعل هذا الصراع يستمر، ويتضح جليا وحادا في ليبيا؟ تحتاج الإجابة عن هذا السؤال توسيع زاوية الرؤية، لتغطي كامل الجغرافيا من ليبيا إلى سورية، حيث إن فرنسا تقيم علاقات خاصة ومميزة مع قوات حماية الشعب (الجناح السوري لحزب العمال الكوردستاني) في سورية، والتي تصنفها تركيا إرهابية، وتعتبرها تهديدا مباشرا لأمنها القومي، بينما تدعم فرنسا هذه القوات، حتى إن لديها جنودا ومستشارين وقواعد عسكرية صغيرة نسبيا في مناطقهم. وتقيم فرنسا أيضا علاقات ممتازة مع الجناح السياسي لهذه القوات، حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي)، وتستضيف قياداته وترعى طاولة مفاوضات بينهم وبين المجلس الوطني الكردي، بهدف توحيد الشارع السياسي الكردي، وإبعاد المجلس عن تركيا التي لديها علاقات جيدة معه. وتكاد زيارات الوفود الفرنسية الدورية مناطق الإدارة الذاتية في الجزيرة السورية لا تنقطع. وقد أقامت باريس عدة مشاريع في تلك المناطق، سواء كانت مستشفيات أو فروعا لجامعات، وتدعم منظمات مجتمع مدني، ثقافية وتنموية وإغاثية.

أصبحت فرنسا تتحرّك إزاء ليبيا وفقا للعامل التركي. ومن هنا، نجد التراشق الإعلامي والسياسي المتصاعد منها ضد تركيا.

ومن أغراض هذا "التوغل" الفرنسي في هذه المنطقة من سورية جعلها مصدر تهديد لتركيا، من حيث إمكانية تمتعها بحكم ذاتي. وبالتالي إيقاد الروح القومية لكرد تركيا، عبر العمل على إنجاح تجربة الإدارة الذاتية على الطرف الآخر من الحدود، والذي يراه كرد تركيا امتدادا لكردستان الكبرى، ودفعهم إلى إعادة التفكير في الخيارات القديمة، من أجل تحقيق طموحاتهم. وقد شكل هذا عامل قلق وتوجس كبيرين لدى تركيا التي استطاعت عبر عدة عمليات عسكرية لها، مدعومة بفصائل من المعارضة السورية، أن تقطع أوصال الجغرافيا التي تسيطر عليها قوات حماية الشعب، ما أزعج باريس جدا، ودفع ماكرون، في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، إلى التعبير عن أسفه لصمت حلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي يضم تركيا عن الهجمات التركية على تلك القوات (الكردية)، وهي حليفة التحالف الدولي في مكافحة الإرهاب. وقال ماكرون حينها إنّ الحلف صار يعاني من "موت سريري". ثم كرّر الجملة نفسها الأسبوع الماضي، إثر اتهام باريس أنقرة بتحرّش إحدى سفنها العسكرية بسفينة فرنسية في شرق المتوسط. وقال وزير خارجية تركيا، أحمد شاويش أوغلو، في ردّه على تصريحات ماكرون، إن الأخير يريد حشد "الناتو" ضد تركيا، بسبب وجودها في ليبيا، بينما يدعم هو نفسه الوجود الروسي هناك، والذي يرفضه الحلف.

ليس خافيا أن روسيا فوّضت فرنسا منذ عهد الرئيس السابق، فرانسوا هولاند، بالتحرّك في الملف الليبي، وربما كان ذلك بتشجيع من السيسي وأبوظبي والسعودية اللتين اشترتا هذا الدور الفرنسي، فالمملكة هي ثاني أكبر زبون لصناعة الأسلحة الفرنسية، وهي أيضا من موّل جزئيا، إلى جانب الإمارات، شراء مصر طائرات رافال وميسترال، وهذه حقيقة محرجة، عمل الرئيس ماكرون على حجبها عن كبار المسؤولين منذ ثلاث سنوات، وكشف عن ذلك فينسان لوبير في تقرير له في مجلة لونوفل أوبزرفاتور. ولكن التدخل التركي المباشر حجّم الدور الفرنسي، وجعله ثانويا، ما دفع موسكو إلى الخروج من الظل، وتكثيف تدخلها العسكري، بغرض تثبيت الانهيارات التكتيكية لمليشيات خليفة حفتر. وتجلى هذا جلياً بدخول مرتزقة فاغنر حقل الشرارة النفطي، ما عقّد المشهد أكثر، ونقل الصراع إلى مستوى آخر، سيتضح شكله قريبا.

تكاد زيارات الوفود الفرنسية الدورية مناطق الإدارة الذاتية في الجزيرة السورية لا تنقطع

تعلم فرنسا أن تركيا لا تريد أن تبقى حلقة وصل بين أوروبا والعالم العربي، بل تريد أن تستعيد دورها "العثماني" قوة مؤثرة، لا بل رئيسية في أوروبا، ومهيمنة في المنطقة العربية المناهضة لمشروع حفتر وداعميه من قوى الثورة المضادة، وهذه لم توفر أي ساحة مناهضة لمشروع حفتر من العبث بها، من جديدها دعوات كتل في مجلس نواب الشعب التونسي، مقرّبة من فرنسا وأبوظبي لاستجواب رئيس المجلس، راشد الغنوشي، وتمرير لائحة لوم ضده، فقط لأنه اتصل هاتفيا برئيس حكومة الوفاق الليبية، فائز السراج، وأعرب عن دعمه الحكومة الشرعية في طرابلس. ورافق ذلك حشد إعلامي كبير لهذه القوى، داعيًا إلى تحرّكات شعبية في الشارع، مؤيدة لهذه الدعوة على غرار اعتصام باردو (ما اشتهر باعتصام الرز بالفاكهة)، والذي انتهى بإسقاط حكومة الترويكا التونسية في العام 2014، ولكنها فشلت هذه المرّة. وتشبه هذه الحركة في تونس، من حيث السياقات والأهداف والقوى المحرّكة والممولة، ما جرى في طرابلس قبيل انقلاب حفتر، ما عرف حينها بحركة "لا للتمديد"، والتي عطلت عمل المؤتمر الوطني العام، وكانت بداية مشروع الانقلاب على الشرعية والديمقراطية الناشئة حينها، وما زالت مفاعيلها ماثلة. بينما تبخّر رموز تلك الحركة ولم يعد يُسمع بهم، تماما مثلما حصل قبل ذلك مع حركة تمرّد في مصر التي هدفت لإسقاط حكم الرئيس محمد مرسي ووصول العسكر إلى الحكم.

التدافع التركي الفرنسي في عدة ساحات ليس وليد اليوم أو الأمس، بل يمتد إلى تاريخ طويل

يعني ما سبق أن التدافع التركي الفرنسي في عدة ساحات ليس وليد اليوم أو الأمس، بل يمتد إلى تاريخ طويل، ولكن ما يهمنا في التاريخ الحديث أن فرنسا وقفت وما تزال في وجه انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، متذرعة باتهام أنقرة بارتكاب مجازر بحق الأرمن والسريان، ومطالبة إياها بتحمّل المسؤولية وتقديم الاعتذار، الأمر الذي ترفضه أنقرة وتكذّبه، وتتهم فرنسا بدعم قوات حماية الشعب التي تصنفها تركيا إرهابية، وكذلك دعم جنرال متقاعد منقلب على الشرعية ضد حكومة بلاده المعترف بها دوليًا. وبانتظار أن تقول واشنطن كلمتها في هذا التدافع، يستمر الصراع بين تركيا وفرنسا من الصحراء الكبرى إلى كردستان الكبرى.