غزّة إذ تقترب

24 فبراير 2019
الصورة
(غرافيتي في مخيّم الشاطئ بغزّة، 2015، تصوير: أسامة موسى)
+ الخط -

دخلتُ رفح، أولى مدن قطاع غزّة من جانب مصر، مساءً. كان الشتاء في ذروته بالنسبة إلى سكّان القطاع الطيّبين، لكنني لم أشعر بالبرد كثيراً، خصوصاً في أوائل أيامِ مكوثي بين أهلي في مدينة رفح هناك. للقادم من لندن، يبدو الجوُّ ربيعياً، بجنوحٍ نحو الصيف، بما أن هناك شمسا تُعمّد السماء والأرض بدفئها تقريباً كل يوم خلال النهار.

كانت لديَّ مشاعر كثيرة والسيارة التي تُقلّني تقترب من غزّة. الأرض بخضرتها وزينة طلّتها بدت مألوفة، والسماء كأنها قطعة من خيال عائدة من بعدِ غياب: زرقاء في حلّةٍ بيضاء/ مثل الأحلام المؤلّفة من وصلات غناء/ هادئ كما لو أنه حديقة/ تعلوها ابتسامات ماء.
حاولتُ أن أفكّرَ بسفري والأشياء العملية اللازمة لإتمامه بسلام. لم أستطع التركيز.
تلك مرة أخرى.

دخولي رفح، موطن ميلادي ونشأتي الأوّل وموطن أهلي وأحبابي الأوّلين، بعد ما يقارب العشرين عاماً، ملأني بالصمت: صمت الدفء والحيرة والحبّ وصمتُ الإحساس أن لغتي العربية التي أمتلكها بهذا المكان غير مناسبة له، فعقلي ملغّمٌ بالإنكليزية وثقافتها، والتي تبدو غريبة في هذا المكان المألوف حسّياً، لكن لغتي اغتربت عليه.

الصمتُ حاسةٌ غريبة، معناها أنّني مهما حاولت القول والكلام، فإن كلامي لا يرتقي إلى مستوى الموقف والتجربة التي أنا فيها. في الحقيقة، الكلامُ في هكذا مقام يبدو محالاً: ماذا أقول للوجوه التي ألفتها في صغري وها هي قد كبرت وصار لها/لهن أبناء وبنات وبعضهم/بعضهن أحفاد؟ ماذا أقولُ لمن ابيضّ شعره وتغيَّرت ملامحه، لكن بقيت تلك النظرات القديمة التي تعوّدتُ عليها؟ وماذا أقول لمن يريدني أن أتحدّثَ وكأنني لم أسافر ولم أجرّب ولم أعش في عالمٍ يبدو مختلفاً تماماً عن ذلك العالم الذي حططتُ به للتو؟

إن المشاعر التي تُقالُ بأحوال لا يلائمها سوى الصمت مشاعر غير بليغة وغير ممكنة... وتبدو ناقصة.

أتى لفيفٌ كبيرٌ من قومي وحيّوني، وسعدتُ بهم جميعاً وتكلمتُ مع من تكلمت، وفاتني أن أبادل البعض الحديث، وذلك لكثرة الأحباب وقلّة الوقت.

تأثّرتُ بالناس الطيبين وبالأطفال الذين رأيتهم. وجدتُ نفسي أقلّبُ ذاكرتي عن شيء يشبه ما أنا فيه، لكن لم أجد مرجعاً. ها هم أهلي وأحبابي وغزّة ورفح مدينتي يقتربون وأصبحُ أنا بينهم منهم ولهم، ويصبح المكان وأهله مصادر هناء وأُلفة لا تُنسى.

امتلأتُ بكل أسباب الحبّ، وشعرتُ بعمق الحياة بالقرب من الإخوة والأهل والناس الذين ألفتهم في صغري.

إن كان هناك حزن، فليس إلّا لأنني أحسّست أن هؤلاء الناس المسالمين والبسطاء يريدون العيش مثل باقي البشر. ينشدون الحياة لكنهم محرومون منها، وتلكَ مصيبة ووشم عار أبدي على جبين من حاصرهم وأحاطَ حياتهم بالصعاب وقلّة الحيلة.

غزّة معملُ سياسي بامتياز. الكلُّ يعي أن هناك مشاكل سياسية وضعت غزّة في مكانٍ يبدو مستحيلاً؛ فهي مغلقة. بؤسها واضح، لكن حركة الحياة فيها واضحة أيضاً: يسيرُ من لهم أعمال إلى أعمالهم. أما من ليس لديهم عمل، خصوصاً الشباب، فأحوالهم غاية في الصعوبة. عصية على الوصف. ولا يبدو أن هناك آفاقاً للخروج من المآزق في غزّة.

غزّة آمنة. الشوارع هادئة تقريباً في الليل. لكن يسمعُ إطلاق النار بشكلٍ كثيف وفج، خصوصاً على الجانب المصري. والناس لا يأبهون. "عادي يا راجل"، "ولا شي"، "خليهم يطخطخوا لما يشبعوا". الناس وصوت إطلاق النار أيّاً كان مصدره "ألفوا" بعضهما البعض، وتلك أُلفة غريبة. أي خطأ في رمي الحديد القاتل قد يؤدي إلى أذى أو موتٍ شخصٍ ما، وما أكثر الأخطاء التي قتَلت أبرياء في غزّة.

الأنظمة المجاورة لغزّة قاسية أشد القسوة. قسوتها تجاه قطاع غزّة لا تُطاق، وغير منطقية أبداً. حصار مليونَي شخص ومنعهم من التنقّل والسفر، وحجب أشياء كثيرة وظلمهم وحرمانهم من التواصل مع العالم الخارجي جريمة لا يمكن أن تُبرَّر.

مظاهر القسوة كثيرة ومقيتة وتجعل القلب يتحسّرُ كثيراً على كثرة الغباء الإنساني الذي يعامل البشر بسوءٍ واضح. هناك ثقافة تَكَبّر واستعلاء وعسكرة غير لازمة ولا تعني شيئاً في ميزان التفكير الكوني السليم، لكنها تجعل الإنسان أسيراً لغباء نفسه والنظام والمجتمع اللذين يمثّلانه.

أهل غزّة اجتماعيون لدرجةٍ كبيرة. دُعيتُ لموائد كثيرة. طعامهم لذيذ وجلساتهم لا تخلو من دعابة. هم أصحاب نكتة وعشرة. ونكاتهم تتمحور حول حياتهم ومعرفتهم بشخصيات بعضهم البعض. وأحياناً يرفعون أصواتهم ويلومون. حياتهم فيها انقسام وانفصام، لكنهم يبدون متصالحين مع الانقسام، يعرفونهُ ويعيدون إنتاجه في حياتهم اليومية. الانقسام السياسي يستمر والشروخ الاجتماعية كذلك، لكن هناك مسافات من التعايش والقدرة على التأقلم، مع أنه من الواضح أنّ هناك أزمة وتأزُّماً في غزّة، خصوصاً لفئات الشباب.

إلى أين نحنُ ذاهبون؟ وإلى متى؟

لا أحد يعرف.

المساجد تبدو عامرة بالمصلّين، صباحاً ومساءً. يبدو اليوم ملفتاً للنظر لمن هو قادم من بعيد، حيثُ يُجزّأُ اليوم لخمسِ مساحات، كل مساحة تقطعها صلاة وكل صلاة تليها حركة في الشارع. يغلبُ على الممارسة الدينية في غزّة الفهم الحرفي والالتزام الجاد. والتخاطبات اليومية بين الناس وفي جلساتهم عادةً ما تتضمّن استحضار الماضي وقصصه بصورة دراماتيكية، حيثُ أغلبها قصص لا بدّ أنّ للخيال منها نصيبا كبيرا، لكنها أخذت طابع الحقائق التي لا جدال فيها. الرجال القدامى من تلك العصور الغابرة والمختلفة كلياً عن عصورنا الحالية يشكّلون نماذج بشرية خارقة، قابلة لإلهام الحاضر للأبد.

لا يبدو أنَّ هناك ذلك الوعي بالتاريخ الإسلامي الكبير والمتنوّع والفلسفي والمدني، خصوصاً في الفترة الأموية والعباسية وفي أرجاء الأندلس، حيثُ أصبح الإسلام حضارة مدنية وعملية فيها الكثير من العقلانية والسياسة والسعة والمرونة والفهم المجازي للنصوص الأولى وللحياة بشكل عام. وذلك بخلاف فترة الإسلام الأولى في الجزيرة العربية حيث الإسلام ما زال في طور التشكيل ويغلب عليه طابع القتال المستمر وعدم الاستقرار المدني بشكل عام، مما يصعب تقييمه كطريقة حياة متجذّرة ومقاربتها بعصرنا وحياتنا المتشعبة.

يبدو المشهد في غزّة معقّداً ولا أفق للخروج من أنفاق الرؤى.

ويحزنُ القلبُ مرّات ومرّات على أنَّ غزّة محاصرة وحصارها ظالم. أهلُ غزة الطيّبون لا يستحقون أن يُعزلوا عن العالم. أبناؤهم بلا عمل والعالم المجاور لهم والبعيد عنهم قاسٍ عليهم. تضييق الخناق على مليوني شخص يسعون للانعتاق والحرية حتماً يؤدّي إلى ضيق في الأفق والنظر. ومن هو البالغ العاقل السوي الذي يريد هكذا نتيجة؟!

تستحقُ غزّة أن تعيشَ بكرامة وأن ينعم أهلها بالأمن والأمان والطمأنينة، لا أن يكونوا ضحايا حروب ووقود نزاعات لا تليقُ بهم ولا يليقون بها.

لا أبالغ بالقول إن احترام غزّة وأهلها والتضامن معها ضرورة إنسانية وأمانة في أعناق كلِّ الإنسانية...

سعدتُ بغزّة وبأهلي بها: الطيّبين الكرماء الذين أمدّوا قلبي بالقرب والود.

سعدتُ بالبحر، وهو كعادته في كلِ مكان، يعانقُ كلّ من ينظر إليه ويملؤهُ بزرقةٍ ترقدُ فيها إيماءات سحرية. الأمل أنَّ هذه البقعة المتوسّطية التي ازدهرت في عصور بعيدة سوفَ تزدهرُ مرّة أخرى وتلفظُ بؤسها وحزن أبنائها وبناتها. وستتحرّر.

لا بدّ أن أؤمن أن حصارها وإن طال لن يدوم.

سعدتُ بسعة الغروب وبرتقالية السماء حيثُ تغطّي العيون ببهاءِ الهدوء وتعلّمها الصبر وأن الحبّ ممكن في هذا المكان المظلوم الذي يستعرضُ أساليب حياتهِ كلّ يومٍ بإبداعاتٍ لافتة.
سعدتُ بما رأيتُ من نور في الفضاء وخضرة في الأرض.

سعدتُ بشجر الماندرينا والليمون (عند أخي أبو عبد الله) والزيتون ومزروع الملفوف بأرضِ إخوتي وأقاربي وأحبابي (أبو رامي خصوصاً) ورأيتُ في هذهِ الأشجار مناراتٍ لأرواحِ تؤمن بالعمار، وذوقها ثري بالمودّة والدفء.

سعدتُ أن رأيتني أتّخذُ قراراً لم أفكر فيه كثيراً، وذلك على غير عادتي: تزوّجتُ وصارَ لي زوجة.

وغنّتْ لي أخواتي وأنشدن بعمارِ البيتِ وجمال النصيب وضوءِ الأنوارِ.


* كاتب وأكاديمي في جامعة ويستمينستر بلندن

المساهمون