عن مستشاري الرئيس

30 اغسطس 2019
الصورة
يتناقل العارفون بخفايا دواليب القيادة الفلسطينية قصصا ونوادر كثيرة عن مستشاري الرئيس، وكيفية توظيف الرئيس الراحل، ياسر عرفات، هذا المسمّى الوظيفي لغايات عدة، منها التكريم والإرضاء والمناكفة والإقصاء. من هذه القصص أن أبو عمّار غضب يوما من سوء سلوك أحد سفرائه في دولة عربية شمال أفريقية، فقرر عزله، وحتى لا يبدو الأمر كذلك، أُرفق قرار الإقصاء المكتوب بقرار شفوي بتعيين السفير المعزول مستشاراً له في الشؤون العربية لمنطقة شمال أفريقيا، بحكم خبرة الرجل في تلك المنطقة. وكانت أول مهمة كُلف المُستشار بها مرافقة الرئيس مع وفد طويل عريض في زيارة رسمية إلى الصين الشعبية. وفي ذلك مثال واضح لكيفية توظيف أبو عمار، المعروف بكظمه الغيظ، غفر الله له، مُسمى "مستشار". وفي حالة أخرى، حالة المستشار الخارج من قيادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بسام أبو شريف، احتضنه الرئيس أبو عمّار، وعيّنه مستشاراً له، ربما للاستفادة من خبراته الطويلة في اليسار الفلسطيني، أو ربما مناكفة بأمين عام الجبهة الشعبية الراحل جورج حبش، ولكن الأكيد أن أبو عمّار استخدم المستشار أبو شريف في مهمات سياسية صعبة، حتى قيل إنه استخدم الرجل مثل بالون اختبار لقياس مدى رضا الرأي العام الفلسطيني، أو غضبه، من توجهات قيادة منظمة التحرير نحو الاعتراف بإسرائيل. ومعروف كيف تصدّر أبو شريف المشهد السياسي الفلسطيني، ولعب دورا سياسيا مهما وأساسيا من عام 1987 وحتى مباحثات أوسلو. وقبل ذلك دوره في كواليس مؤتمر مدريد بعد أن أطلق وثيقته "وثيقة أبو شريف"، والتي طرحت أول مرة حل الدولتين، واستند المجلس الوطني الفلسطيني لها، لتعديل برنامجه السياسي، وتمكين عرفات من إطلاق مبادرته للسلام أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 18 ديسمبر/كانون الأول من عام 1988. واستخدم أبو عمار المستشارين لفتح قنوات مغلقة، وتعبيد طرق وعرة مع أنظمة وتنظيمات، سيما في حالات كان يفضل فيها أبو عمّار عدم توسيخ يديه، والتحكّم عن بُعد. ومن الطرائف التي راجت عنه أنه كان لديه مستشار لشؤون العسل، حيث لم يُسمع منه إلا نصائحه للرئيس عن أحسن أنواع العسل، وطرائق فحص نقائه وجودته. ولم يكن الرئيس ياسر عرفات يرى كثيرين من مستشاريه إلا مصادفة، أو في الأعياد والمناسبات الوطنية أو العائلية. 
لم يبتعد الرئيس محمود عباس عن نهج سلفه، إذ استعان بالمستشارين، وقرّب بعضهم من مجلسه، تكريماً أو احتواء أو مناكفة، من دون أن يعطي أيا منهم دوراً تنفيذياً أو فاعلاً. وظل معظم هؤلاء في الظل، حتى صعب معرفة عددهم بالضبط، وكان آخرون يحملون المباخر للرئيس في المناسبات العامة، ويدعون لفخامته بالنصر المُظفر في صلاة الجمعة في مُصلّى المقر الرئاسي في مقاطعة رام الله. وقد أحسن الرئيس أبو مازن صنيعاً عندما أنهى أخيرا خدمات كل مستشاريه، بصرف النظر عن مسمّياتهم أو درجاتهم، مع إلغاء العمل بالقرارات والعقود المتعلقة بهم، وإيقاف الحقوق والامتيازات المترتبة على صفتهم مستشارين، سيما وأن كثيرين منهم باتوا عبئاً ثقيلاً على الرئيس، بعد أن أوغل بعضهم في سوء استخدام المنصب أو المُسمّى الوظيفي، وفاضت مفاسدهم، ومفاسد أولادهم وأحفادهم، حتى فاقت فوائدهم.
سواء صدقت دوافع القرار كما تم ترويجها، أي تخفيض نفقات السلطة مع الضائقة المالية التي تمر بها، أم أن هناك وراء الأكمة أشياء أخرى، فالتخلص من الطحالب الضارّة خطوة مفيدة وصائبة، غير أن الإشادة بقرار الرئيس أبو مازن محاطةٌ، في الوقت ذاته، بحذر شديد، وهي الخشية من تعميق تفرّد الرئيس بقرارات السلطة، سيما وأن الرئيس الذي حل المجلس التشريعي، وشكل المجلس المركزي على هواه، وحل المجلس القضائي، وغيّب اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، بات وحده مصدر السلطات جميعها، وبلا مستشارين.
AE03ED80-FBD8-4FF6-84BD-F58B9F6BBC73
نواف التميمي