عن دور الاتحاد الأفريقي في أزمة السودان

23 ابريل 2019
الصورة
برزَ وسط التجاذب بين المجلس العسكري الانتقالي السوداني والمحتجِّين المطالبين بتسليم المجلس السلطةَ للمدنيين صوتٌ للاتحاد الأفريقي، أهم ما فيه أنه داعم لهذا التوجه، في سبيل تحقيق الاستقرار في البلاد. وأمهل مجلس السلم والأمن التابع له، قبل أيام، المجلسَ العسكري 15 يوماً لتسليم السلطة للمدنيين، وإلا فسيتخذ إجراء تعليق عضوية السودان فيه. وحيث إن الاتحاد يستطيع أن يرى ما يهمُّ الأفارقة، وما يهدد استقرار قارتهم، أكثر مما تستطيع أطراف دولية سارعت إلى الاعتراف بالمجلس العسكري، فإنه عزّز مهلته تلك، عبر زيارة رئيس مفوضية الاتحاد، موسى فقيه محمد، إلى الخرطوم بعد أيام من إعطاء المهلة، وهو أمر يشير إلى مدى جديّة عمل هيئات الاتحاد ومسؤولياتها، وإلى مدى جدية الوضع الحرج الذي يرون أن السودان يمر فيه.
ضاق الأفارقة ذرعاً بالانقلابات التي عصفت بقارتهم، ويبدو أن الاتحاد الأفريقي يسحب هذه الرؤية على انقلاب الجيش السوداني على الرئيس عمر البشير وخلعه، ويستشعر في استئثار المجلس العسكري بالسلطة ضرباً للأهداف التي قام على أساسها الاتحاد، ومنها تعزيز المواقف الأفريقية المشتركة تحقيقاً للسلام والأمن ومساندةً للديمقراطية وحقوق الإنسان. فأيُّ انقلابٍ عسكريٍّ هو ضربٌ للاستقرار الذي تسعى القارة إلى الوصول إليه، كما سيكون بمثابة العصا 
التي توضع في عجلات مسيرة هذا الاتحاد الذي كان طموح أعضائه، حين أعلنوا تأسيسه، سنة 2002، الوصول إلى الاندماج السياسي والاجتماعي والاقتصادي للقارّة، حيث الأمن والاستقرار من العوامل الأساسية لتحقيق هذا الطموح.
وليس خافياً أن استئثار المجلس العسكري بالسلطة يُعدُّ تكريساً لروح الانقلاب، في بلدٍ غير مستقر مثل السودان، قد تكون له عواقب تؤجّج نزاعاً جديداً في هذا البلد، يجلب مصائب تُضاف إلى المصائب التي ابتلي بها خلال حكم البشير. وكان من أسوأها النزاع في دارفور وبين شمال وجنوب السودان الذي أدى إلى انفصال الجنوب. ونزاعٌ جديدٌ من هذا القبيل يمكن أن يتخطى الحدود ليضرب الاستقرار في المنطقة المحيطة بالسودان، على أقل تقدير، وسيكون بمثابة الكابوس لقادة الاتحاد، وتثبيطاً لخططتهم التكاملية.
لم تكن الرسائل الأولى التي أرسلها المجلس العسكري، على إثر خلعه البشير، مطمئنة للشعب السوداني وقادة حراكه، علاوة على محيطه الإقليمي، فتعطيل المجلس العمل بالدستور، وفرضه حالة الطوارئ وحظر التجول كانت جميعها بمثابة انقلابٍ على الأهداف التي خرج السودانيون 
من أجل تحقيقها، فهم نظموا صفوفهم وخرجوا بالتظاهرات، واعتصموا في الساحات، وتحمَّلوا قمع أجهزة البشير الأمنية وقتلها محتجين سلميين، ليس لكي يروا تلك الأهداف وقد تبخرّت على يد الجيش الذي دعوه إلى تحمّل واجباته تجاه البلاد والشعب وحمايتهم، وليس تهديدهم وتكسير أحلامهم، وهذا ما استشعروه في توجّه العسكر منذ اليوم الأول للانقلاب.
ربما لم يلمس الاتحاد الأفريقي أي تجاوب من المجلس العسكري مع مهلته التي صدرت على شكل تهديدٍ، في 15 إبريل/ نيسان الجاري، فكان لا بد من الإسراع وإرسال مندوبٍ يتفاوض مع قيادته من أجل التسريع في نقل السلطة. وعلى هذا الأساس، زار رئيس مفوضية الاتحاد، موسى فقيه محمد، الخرطوم، والتقى بقادة المجلس العسكري، وقادة تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير. وشدّد بعد لقائهما على ضرورة توافق السودانيين على المرحلة الانتقالية، وسمع من قادة الحراك تأكيدهم وإصرارهم على نقل السلطة. وفي هذا السياق، قد تكون التُّهم التي وجهتها النيابة العامة السودانية للرئيس المخلوع عمر البشير، ومنها غسيل الأموال، في 20 إبريل/ نيسان الجاري، إشارة مبكِّرة من المجلس العسكري الانتقالي إلى استعداده للتعاون مع المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة، فيما يخص التهم الدولية الموجهة إلى البشير. ويرمي المجلس من ورائها إلى الحصول على رفع العقوبات والاعتراف الدولي به، قطعاً للطريق على تهديدات الاتحاد الأفريقي بتعليق عضوية السودان في الاتحاد، إن لم يستجب المجلس العسكري ويسلِّم السلطة لحكومةٍ مدنيةٍ.
وقد تحمل الأيام المقبلة توجُّها من المجلس لتسليم البشير للمحكمة الجنائية الدولية، المطلوب 
للمحاكمة لديها، بتهمة ارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية في إقليم دارفور. وكانت المحكمة قد طلبت مراراً تسليمه لها خلال خروجه برحلات عمل خارج بلاده، منها طلبها من حكومة جنوب أفريقيا تسليمها إياه حين شارك في أعمال قمة الاتحاد الأفريقي سنة 2015. وربما تجد المحكمة في التغييرات في السودان فرصة مناسبة، فتطلب من المجلس تسليمه، وقد يستجيب المجلس، لكي يُسجل المجتمع الدولي في سجله مواقف تتماشى مع الشرعية الدولية، تُسبغ عليه شرعية ما وتثبت أهليته لمواصلة الحكم.
إذا استمرَّ توجه المجلس العسكري بالاستئثار بالسلطة من خلال حكومةٍ عسكريةٍ، سيستمر الاتحاد الأفريقي في الضغط على قادته لتسليم السلطة، وهو توجُّهٌ يتوافق مع ضغط الشارع ومطالبه. في هذا السياق، ربما يغالي في خطواته في التقرُّب من مؤسسات المجتمع الدولي ودوله الكبرى، ليستمد منها شرعيته. في المقابل، تبقى الشرعية الثورية التي اكتسبها الحراك من الشارع، وتكرَّست له بعد اعتصامه شهوراً أربعة وخلع البشير مقابلةً لشرعيةٍ لا يتكرَّم المجتمع الدولي بإسباغها سوى على من يُقدِم على خطواتٍ فيها كثيرٌ من أشكال التودّد له، في ظروف مثل التي يمر فيها السودان حالياً.