عن خطاب النكسة في السياسة والإعلام

15 يوليو 2020
الصورة

مرّت الشهر الماضي (يونيو/ حزيران)، الذكرى 53 على هزيمة 1967 التي يحلو لبعضهم أن يسميها النكسة. وعلى الرغم من مرور كل هذه السنين، إلا أن عقلية ما يمكن تسميته "خطاب النكسة" لا تزال مسيطرة على تفكير كثيرين من صناع القرار في البلاد العربية.

إذا أردت فحص مفردات خطاب النكسة هذا وتحليلها، فستخرج بعدد من النتائج، ففي البداية كان الكذب الصريح، والإيهام بوجود انتصارات ساحقة، مثل الأخبار التي بثها الإعلام المصري عن إسقاط مئات الطائرات الإسرائيلية، وأن الجيش المصري أصبح قاب قوسين أو أدنى من دخول تل أبيب. وبعد اكتشاف الحقيقة المرّة، بدأت مرحلة الحجج واختلاق المبرّرات والمعاذير، مثل التظاهر بالمفاجأة، والقول إن مصر واجهت أميركا وليس إسرائيل فقط، وهو ما تمثل في تصريح الرئيس الراحل جمال عبد الناصر نفسه، إنهم توقعوا أن يأتي العدو من الشرق والشمال، لكنه جاء من الغرب! 

أما الخداع الأكبر فكان في تحويل الهزيمة الساحقة إلى انتصار، بادّعاء أن إسرائيل كانت تهدف إلى القضاء على عبد الناصر، وما دامت لم تقض عليه، وما دام مستمرا في الحكم، فنحن لم ننهزم! مع ما يستتبعه ذلك من تمييع للمسؤولية عن الهزيمة، لأن المحاسبة ستُفضي بالضرورة إلى رحيل عبد الناصر، لأنه المسؤول الأول والأخير عما حدث، وهو ما لا يريده الشعب بالطبع، حتى لا تحقق إسرائيل غرضها برحيله! كما استتبع استمرار عبد الناصر أيضا إطلاق مسميات أخرى على الهزيمة للتخفيف من حقيقتها، وهنا كان اسم "النكسة" الذي يوحي بأن كل شيء كان يسير على ما يرام، وأن ما حدث لا يعدو كونه تراجعا مؤقتا، وستعود كل الأمور إلى ما كانت عليه، فلكل جواد كبوة!

لدى كل شخص في مصر والوطن العربي أمثلته على عقلية النكسة التي لا تزال تحكمنا

وعند تأمل مواقف المسؤولين المصريين وتصريحاتهم خلال السنوات الماضية، تجد أن خطاب النكسة لا يزال موجودا بقوة، ويسيطر على تفكيرهم وقراراتهم وسياساتهم، ففي جانب التظاهر بالمفاجأة، نجد عدة تصريحات وتصرّفات، مثل تصريح مدير المخابرات العامة السابق، مراد موافي، تعليقا على مذبحة رفح الأولى في أغسطس/ آب 2012، إن الجهاز كانت لديه معلومات تفصيلية عن الحادث، لكنهم لم يتصوّروا أن يقتل مسلم أخاه المسلم ساعة الإفطار في رمضان! وكأن الجنود إذا قتلوا في وقت آخر سيصبح أمرا عاديا. أما أخيرا فقد تجسّدت تلك السياسة في تصريحات وزير الخارجية المصري، سامح شكري، فيما يخص أزمة سد النهضة، ففي أحدها قال تعليقا على تصريح حاد لوزير الخارجية الإثيوبي "لم نكن نتوقع أن تصل الأمور إلى هذا القدر". وصرّح أكثر من مرة بأن مصر انخرطت في المفاوضات بنية حسنة، وأنها تنتظر النية الحسنة في المقابل من الطرف الإثيوبي، وكأن الدول تدار بالنيات. وكان لوزير النقل كامل الوزير نصيبه من "المفاجأة"، بعد انهيار أجزاء من الطريق الدائري الإقليمي جرّاء السيول العام الماضي، إذ قال إن ما حدث غير متوقع، لأن السيول لم تأت من اتجاه الوادي، ولكن المياه جاءت من طريق آخر!

أما تحويل الهزيمة إلى انتصار فسنجده أيضا في تصرفات وتصريحات عديدة خاصة بأزمة سد النهضة، فبعد الإعلان عن فشل إحدى مراحل المفاوضات، قال نقيب الصحافيين ورئيس الهيئة العامة للاستعلامات، ضياء رشوان، إن "إعلان مصر فشل المفاوضات كان ناجحا ومثالا لكيفية إدارة الأزمة"! وبعد إعلان الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ارتفاع معدّلات الفقر في مصر لتصل إلى 32.5% مقابل 27.8% قبل عامين، أشاد رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، بتلك النسبة، واصفا زيادة عدد الفقراء "إنجازا هائلا"، لأن النسبة لم تكن أكثر من ذلك مع الإجراءات الاقتصادية التي طبقتها الحكومة! وهي السياسة نفسها التي اتبعتها صحيفة مصرية بعد تعرّض البلاد لسيول وأمطار غزيرة، أسفرت عن مقتل عدد من الأشخاص غرقا وصعقا بالكهرباء قبل أشهر، وبدلا من محاسبة السلطة على إهمالها وفشلها، ذكرت الصحيفة أن إعلان الحكومة عن السيول قبل حدوثها يمثل نجاحا كبيرا، وكأن مسؤولية الحكومة تقع عند التحذير فقط من دون أن يكون عليها القيام بشيء آخر.

عند تأمل مواقف المسؤولين المصريين وتصريحاتهم خلال السنوات الماضية، تجد أن خطاب النكسة لا يزال موجودا بقوة، ويسيطر على تفكيرهم وقراراتهم وسياساتهم

وأخيرا، تأتي مرحلة إطلاق مسميات أخرى على الكارثة، وقد أشار الكاتب إلى ذلك في مقال سابق "الأنظمة العربية ومعامل أنيس عبيد" في "العربي الجديد" (15/12/2018). وهنا أمثلة أخرى جديدة، مثل الحديث عن أن حصول مصر على قروض وديون من مؤسسات دولية هو "شهادة تقدير" تعبر عن قوة الاقتصاد المصري! وإصرار رئيس هيئة الأرصاد، العام الماضي، على أن مصر لم تتعرّض لإعصار، وإنما "منخفض"، وكأن المسمى سيخفف من الخسائر الكبيرة التي نجمت عن تلك الأحوال الجوية، أيا كان اسمها! وغنى عن القول أن لدينا عشرات الأمثلة الأخرى التي تعبر عن كل مفردة من مفردات خطاب النكسة. وأحتفظ بأمثلة أخرى عديدة لم أستطع ذكرها بسبب مقتضيات المساحة، وربما تصلح لدراسةٍ مستقلة، لكن الأكيد أن لدى كل شخص في مصر والوطن العربي أمثلته على عقلية النكسة التي لا تزال تحكمنا.