عن جدل الجسد في تونس

19 نوفمبر 2018

(عصام معروف)

+ الخط -
لا منازع في أنّ الجسد مِلْك الإنسان، وهو مكوّن أساسي من مكوّنات هويّته الوجوديّة، به يفعل وينفعل، ومن خلاله يُعبّر عن وجوده الحيّ، وحضوره الجمالي الدّال/ المتفاعل مع الأنا والآخر والعالم. والثّابت تاريخيّا أنّ تعامل الإنسان مع الجسد تطوّر على نحو ملحوظ، فتعامل الإنسان الأوّل مع الجسد ليس كتعامل إنسان الألفيّة الثالثة معه، وانتقال البشر من لحظة البداوة إلى عصر الحضارة، ومن زمن الفردانيّة إلى فضاء الحياة الجمعيّة، اقتضى تحويلا في سلوك الإنسان، وطرائق تعامله مع الجسد، وآليّات مفهمته وترميزه، وطرق تمثّله وتوظيفه في الواقع، فلحظة الانتماء إلى المجموعة تُملي على الفرد الانتظام داخل نسقٍ ثقافيّ وإطار قيمي/ أخلاقي ارتضته الجماعة على سبيل التّعاقد الضّمني أو الصّريح. وبمقتضى ذلك العقد، خرج الإنسان من التعرّي إلى السّتر، ومن السّلوك الغريزي إلى السّلوك العقلاني الواعي باقتضاءات الظّرف المدني وممكنات المقام العمراني الذي ينتمي إليه الإنسان، فملكيّة المواطن جسده لا تعني توظيفه للإضرار بالأنا، أو الإساءة إلى الآخر، لذلك جرّم القانون اعتداء الإنسان على جسده، أو توظيفه للاعتداء على الآخرين، وجرّمت قوانين أخرى التعرّي في السّاحات العامّة، لما في ذلك من تجاوز لمقتضيات الذّوق العامّ. بل ذهبت دولة مثل كوريا الجنوبيّة أخيرا إلى فرض عقوباتٍ على ارتداء اللّباس غير اللاّئق والمنافي للحياء في أماكن العمل. ومثل هذا القانون في دول متقدّمة كثير. وقد يُفهم الأمر تقييدا لسلوك الجسد، وحدّ من حرّيته، لكنّ المراد في عقل المشرّع هو نَظْمَنَةُ تعامل الإنسان مع هويّته الجسديّة، ومراعاة توظيف الجسد، بحسب
مقتضيات المقام الذي يندرج ضمنه، فمن المهمّ التّمييز بين الفضاء الذاتي الذي ينتمي إليه جسد الإنسان، أعني حياته الخاصّة، أين يمكن أن يعيش الفرد تجربته الشخصيّة مع جسده بتنويعاتها المختلفة، والفضاء الموضوعي للجسد، أعني انتماء الإنسان إلى الفضاء الاجتماعي، بمتعلّقاته القيميّة والقانونيّة والسلوكيّة التي تفترض أن تكون حرّا في حدود ما يقتضيه احترام الآخرين والانضباط للقانون.
وتشهد تونس بعد الثورة نقاشا مفتوحا بشأن الحضور الوظيفي/ الجمالي للجسد، والموقف من سِتره أو تعريته، ويتزامن ذلك مع مناسبات الجدل بشأن الحجاب، أو بشأن مجلّة الحرّيات الفردية أو بمناسبة الظهور الاستعراضي لبعض الفنّانات في مهرجان قرطاج، أو غيره، بملابس كاشفة. ويتباين التونسيون بين من يعتبرونه التعرّي المبالغ فيه شأنا شخصيّا، بل عملا إبداعيّا وفعلا حُرّا، ومَن يرونه فعلا مستهجَنا، وخروجا عن المألوف وعلى المنظومة القيميّة السّائدة. ويذهب نوفل عسكري (أستاذ) إلى أنّ: "مسألة التصرّف في الجسد بالستر أو التعرية تندرج في باب الحرّية الشخصية، فكلّ فرد راشد له مطلق الاختيار في هندامه وكيفيّة التعامل مع جسده، ويتحمّل تبعات ذلك لوحده". ويقول نادر خالدي (باحث جامعي) "إنّ التعري بالنسبة إليّ حرّية.. وهو أمر عادي، لا يُقلِقُني.. صحيح أنّه طارئ على عاداتنا، لكنّ المغلوب مولعٌ بتقليد الغالب في السلوك واللباس، كما حدّث ابن خلدون". وترى يُسر حملاوي (مساعدة مدير) أنّ "التعامل مع الجسد مسألة ذاتيّةٌ/ ذوقيّةٌ فلكلّ الحق في أن يلبس ما يشاء وكيفما يشاء، ولا يمكن بحال التدخّل في هذا الشأن الشخصي". وفي سياقٍ متّصل، يذهب سيّد زغل (رجل أعمال) إلى أنّ "تجلّيات الجسد المختلفة تجعله يعجّ بالإيحاء والدلالة، والإنسان حرّ في كيفيّة صياغة ظهوره الجسدي داخل الفضاء العام".
وعلى خلاف ذلك، تقول رفقة زيّاتي (باحثة جامعيّة): "علّمت الثقافة الإنسان الستر، لا التعرّي، فلباسك المحترم دليل على احترامك ذاتك، وجسدك له حرمة، وهو شيءٌ خاص بك، ولست مطالبا بعرضه على عامّة الناس، والإبداع لا يقتضي بالضرورة تعرية الجسد". وترى آسيا غيضاوي (أستاذة تعليم ثانوي) أنّ "التعرّي المبالغ فيه اعتداءٌ على الذوق العام وعلى ثقافة المجتمع، والتعلّل بالحرّية الشخصية مردودٌ عليه، لأنّ الحرّية تنتهي، عندما تصبح استفزازا للآخر..". وفي سياق متّصل، تقول آية قنزوعي (طالبة مرحلة ثالثة) "إنّ التعرّي في المجال العامّ سلوكٌ لا أخلاقي، يندرج في إطار التشبّه بالآخر الغربي داخل دولةٍ هويّتها عربية/ إسلامية. والقول إنّ ذلك حريّة شخصيّة غير سليم، فحرّيتك تقف عند احترام غيرك، وإلا نزلنا إلى مرتبةٍ حيوانيّة، يفقد معها الإنسان مكانته كذات ثقافيّة/ عاقلة". وتقول وفاء مطر (أمينة مكتبة) "ستْر الجسد سلوكٌ ثقافيٌّ وفعل حضاري، والتعرّي المبالغ فيه أمر"موحش" في كلّ الأيّام.. أومن، بل أعتقد، جازمة، وأنا الأنثى، أنّ التعرّي هو للفت انتباه الرّجل، والخروج عن المألوف لا غير..".
وسبق لمنظّمة فيمن (Femen) أن احتجّت على ما تسمّيه قمع النّساء في تونس، ودعت إلى حملة للتّظاهر بصدور عارية للمطالبة بحقوق المرأة في تونس، رافعة شعار "جسدي مِلْكي.."، زاعمة أنّ الإسلاميّين الحاكمين، زمن الترويكا، خطر على الجسد، وعلى الحرّيات النسويّة، وجيّشت لذلك وسائل الإعلام في الدّاخل والخارج. وكان مصير الحملة التي لم تلق تجاوبا فعليّا الفشل الذّريع. وذلك راجعٌ إلى أسبابٍ، أهمّها أنّ تلك المنظّمة نصّبت نفسها وَصيّة على المرأة التونسيّة، متجاهلةً معطيات الواقع التي تُفيد بأنّ التونسيّات في أعلى السلّم، على الصعيدين العربي والإسلامي، في مستوى الرّيادة والفاعليّة، والشّراكة في القرار، وفي مستوى التمتّع بالحرّية والمشاركة في المجالات العلميّة والسياسيّة والاقتصاديّة وممارسة الحقوق المدنيّة. فالمرأة حاضرة مع الرّجل في كلّ الميادين أو تكاد، وأحرزت درجات التألّق والامتياز في شُعَبٍ شتّى. وبدلك كانت فيمن "Femen" من هذه النّاحية بعيدة عن الواقع. ففشلت في استتباع التونسيّات، بل لقيت استهجانا ونّفورا كثيريْن، لأنّها رأت في التعرّي سبيلا إلى الدّفاع عن حقوق المرأة، في حين رأت أغلب التونسيّات في التعرّي استخفافا بالمرأة، وامتهانا لكرامتها، واختزالا لها في صورة أبيقوريّة تبتذل الجسد، ولا تحرّر المرأة.. وجاءت أغلب الرّدود مؤكّدة أنّ الجسد تاج المرأة الجميل، وعنوان أنوثتها، به تعتني وعليه تحافظ، وترفض عرضه عاريا للعامّة، وتعتبر ستره من مظاهر تجميله، لا تقييده. وكان ردّ الفعل عكسيّا، فزاد الإقبال على اللّباس المحتشم في الأوساط الشبابيّة وغيرها. وبدا ثمّة ميل إلى التشبّث بالفضاء
القيمي المشترك، فانطلقت تظاهراتٌ في تشجيع الإقبال على الزيّ التّقليدي النسائي (السّفساري)، وشهد شارع الحبيب بورقيبة في العاصمة عروضا في هذا السّياق، عرفت إقبالا كبيرا من النّاس، ولقيت استحسانهم، وانتشرت صور اللّباس التقليدي المحتشم على شبكات التواصل الاجتماعي، وواكب ذلك سجالٌ حول نموذج التعرّي الصّارخ في الفضاء العام.
يُمكن القول، ختامًا، إنّ الحديث في الجسد والتصرّف فيه بالسّتر أو التعرية ليس موضوعا ممنوعا في تونس الجديدة، بل هو مسألة خلافيّة، ومدار جدل بين عموم المواطنين. والمؤكّد أنّ ستر الجسد هو، في واحدٍ من الجوانب، احتفال بالجسد وتزيينٌ له، واعتبارٌ لقيمته الرمزيّة والجماليّة، وخروج به من الابتذال إلى التميّز. ودعوات التعرّي المبالغ فيه في الفضاء العامّ هي في الواقع هروبٌ من مطلب تحرير المرأة نحو مطلب جَنْسَنة المرأة وتسليع الجسد. وغالبا ما تواكب الدّعوة إلى التعرّي الصّارخ أمام العموم غاياتٌ تجاريّة، ورغباتٌ في الظهور، ودعواتٌ إلى التفصّي من الأخلاق، والمراد تقويض النّسق القيمي المشترك، وإيجاد هويّة فردانيّة، وشخصيّة منبتّة عن الهويّة القيميّة الجامعة.