عن جدلية الانتخابات الصومالية المرتقبة

30 مايو 2020
الصورة
يسود اللغط والجدل في المشهد السياسي بشأن الانتخابات الصومالية التي ستُجرى مطلع عام 2021، حيث بات الغموض يكتنف مصيرها، وكان المفترض أن تبدأ إدارة الرئيس محمد عبد الله فرماجو استعداداتها مبكراً، إذ لم تقرّر بعد الهيئة الوطنية للانتخابات موعداً لبدء الانتخابات النيابية في الدوائر الانتخابية الخمس في الأقاليم الفيدرالية المنضوية تحت سلطة الحكومة في مقديشو. وأصبح شأن الانتخابات حديث الإعلام المحلي، ويتداول بكثرة في الإعلام البديل المنفلت العقال؛ حيث تواجه الحكومة تهماً كثيرة، تتعلق بنيتها تأجيل موعد الانتخابات وتمديد فترة حكمها، بذرائع مختلفة، أولها أزمة كورونا، والكوارث الطبيعية التي تشهدها البلاد، وخصوصا مياه الفيضان التي شردت نحو مليون وأربعمئة ألف صومالي، وتهدد سكان المناطق الجنوبية بالنزوح نحو خيام مقديشو التي أصبح بقاؤها ليس أقل كلفة من شقاء الجوع ومياه الفيضانات. 
مع عودة كثيرين من زعماء المعارضة من الخارج، بعدما علقوا في كينيا وتركيا وغيرهما، أصبح الشارع الصومالي يغلي ويجيش بتوترات بين الحكومة الفيدرالية والمعارضة، إذ تصر الأخيرة على تنظيم الانتخابات، على الرغم من كل الظروف. وفي المقابل، تلتزم الحكومة الفيدرالية الصمت بشأن تفنيد تهم المعارضة بشأن نيتها تمرير أجندات سياسية جديدة تسمح لها بإمداد شعلة حياتها المتضاءلة بمزيد من النفس، من أجل تدارك الوضع وترتيب بيتها من الداخل، لمواجهة معارضة داخلية وأخرى إقليمية وخارجية.
يتساءل كثيرون من زعماء المعارضة عن أسباب عدم ظهور الرئيس فرماجو الذي تنتهي ولايته العام المقبل، في لقاءات حوارية مفتوحة أو مقابلات تلفزيونية للحديث عن الوضع السياسي في 
البلاد، من دون أن يجري لقاءات مكتوبة ومسجلة سلفاً، ولا يسمح للإعلام المحلي بتغطية تلك المؤتمرات الصحافية ومساءلة المسؤولين في الحكومة الفيدرالية في قضايا ذات علاقة بمستقبل البلاد أمنياً وسياسياً. وما يتداول حالياً في الميديا الاجتماعية، من استطلاع رأي أو التصويت للمرشحين عبر منصات التواصل الاجتماعي (فيسبوك غالبا)، تظهر مدى التحام القوى السياسية والأطراف الفاعلة في المشهد الصومالي، وتوجه البلاد نحو انتخابات مصيرية، يكون المال السياسي والفساد الانتخابي كبيرين، بسبب أطراف دولية وعربية وإقليمية تغذّي الصراع الداخلي، فالحسابات الخارجية أكثر تأثيراً من الصراعات السياسية بين المرشحين للانتخابات التي ستكون في منزلة معركة كسر عظام مفصلية، بالنسبة لمستقبل البلاد والعباد.
من المتوقع في نهاية مايو / أيار الجاري أو مطلع الشهر المقبل أن تعقد اللجنة الوطنية للانتخابات مؤتمراً صحافياً حول شكل الانتخابات التي ستشهدها البلاد ونوعها، وتبدي اللجنة استعداداتها لتنظيم انتخابات شفافة بعيدة عن تدخل الحكومة الفيدرالية، لكن كثيرين يرون أن في وسع الإدارة الحالية أن تضع يدها على مجريات اللجنة الوطنية للانتخابات قبل فوات الأوان، أما بعد انقضاء مدة حكم الرئيس الحالي أو قربها، فإن تلك الإدارة الوطنية ستوفر هامشا كبيرا من الاستقلالية في توظيف ملف الانتخابات وإدارته بالتعاون مع المنظمات الأممية والمشرفين الدوليين.
اللافت أن الأمم المتحدة وسفراء الإتحاد الأوروبي في مقديشو لا يرغبون في جرّ البلاد إلى مزيد من القتامة والفوضى السياسية، ويتطلعون إلى تنظيم انتخابات رئاسية في موعدها (فبراير/ شباط 2021)، وهذا ما بينته رسائل سفيري بريطانيا والولايات المتحدة في مقديشو ومكتب الأمم المتحدة لدى الصومال إلى الرئاسة. ففي حال القفز على تلك الرسائل، سواء من المعارضة الداخلية أو من البعثات الرسمية الدولية، فإن هذا سيؤدي إلى احتقان سياسي ونزاع داخلي، ربما سيتطور إلى فشل نظام الدولة، لا سمح الله، والعودة إلى المربع الأول.
أمام الحكومة الفيدرالية خيارات عدة وسيناريوهات يمكن أن تجنب البلاد صراعا سياسيا يقود من 
فشل إلى آخر، أولها أن تتبنى هذه الحكومة برنامجاً سياسياً واضحاً بشأن إعلان موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة، وتحديد نوع الانتخابات المرتقبة، حيث يبدي كثيرون شكوكاً في أهلية الرئاسة الحالية في المشاركة في انتخاباتٍ ستكون الأحزاب فيها بديلاً عن القبيلة، نظراً إلى عدم اتفاق الترويكا الحاكمة على تأليف كيان أو حزب سياسي يمثلها. ثانياً، أن تمنح الحكومة الفيدرالية اللجنة الوطنية للانتخابات كل الامتيازات وتدعمها لتنظيم انتخابات رئاسية يختار البرلمانيون رئيس البرلمان، نموذجا أفضل لتجنب صراع سياسي بين الأطياف الصومالية.
على النقيض، يرى كثيرون أن الحكومة الفيدرالية تواجه جملة من التحديات الأمنية والسياسية، وهو ما قد يكون سبباً رئيساً لتأجيل الانتخابات، ولو إلى موعد غير بعيد، فبسط نفوذها على مناطق حركة الشباب في الجنوب الصومالي ما زال غير مكتمل، فضلاً عن النزاع الحدودي البحري مع كينيا، وتفشّي أزمة كورونا ومياه الفيضانات في وسط البلاد وجنوبها.
في النهاية، تشكل الانتخابات بالنسبة للدول الفقيرة، وخاصة الخارجة من نفق الحروب، أزمة كبيرة، نظراً إلى عدم توفر سلطة فعلية رشيدة، أو إدارة ذات جذور صلبة، ناهيك عن شيوع الفساد المالي والإداري في مؤسساتها، وهو ما يبعث على القلق في الحالة الصومالية التي تتجه حالياً نحو منعطف خطير، فالتداول السلمي الذي شهدته البلاد في السنوات الأخيرة لا تلوح مؤشراته في الأفق، وما يدار حالياً في الكواليس يوحي بأن المعارضة الداخلية ستواجه الحكومة الفيدرالية عبر منصات التواصل الاجتماعي وفضاء الإعلام وعبر احتجاج المنظمات الأممية في مقديشو.
تعليق: