عندما تحاصر السلطوية في مصر مبادرات مواجهة كورونا

07 يوليو 2020
الصورة

تتعاظم في الأزمات أهمية المبادرات الشعبية، فعبر تعبئة الموارد وتوظيفها، تساهم قوى المجتمع، بجانب الدولة، في المواجهة. وتعزّز المبادرات علاقة الدولة بمواطنيها في النماذج الديمقراطية، حسب أطروحات اجتماعية عديدة. ويعدّ التماسك والتضامن الاجتماعي في المجتمعات المحلية مفتاحا لمعالجة الأزمات الصحية، وسبق أن تناولها تقرير "العالم في خطر" الذي صدر عام 2019 عن المجلس العالمي لرصد التأهب، ضمن توصياته باحتمال حدوث جائحة عالمية مميتة تصيب الجهاز التنفسي، وتقلب الاقتصاد العالمي. تشكل السلطوية وغياب مساحات الحرية في المجال العام تقييدا لإمكانات توظيف الموارد وقت الأزمات، فتراجع حرية التنظيم والحركة وإشاعة الخوف عوامل تحدّ من إمكانات العمل التطوعي، بينما تعزّز الديمقراطية إمكانات التفاعل والأنشطة المجتمعية، ويساهم ذلك في توثيق الصلة بين الدولة والمواطنين في إطارٍ من الشراكة لمواجهة الأزمات. 

خلال أزمة كورونا، دشنت في مصر مبادرات عدة، أغلبها هدف إلى توفير إعانات للعمالة غير المنتظمة، ومستلزمات طبية، بجانب مجموعات للتوعية الصحية، غير تقديم رعاية طبية من مؤسسات أهلية، منها مستشفى 25 يناير وجمعية مرسال وغيرهما من تجارب مماثلة. ويرتبط عموما نجاح المبادرات واتساع مداها في المجتمعات المحلية بعدة عوامل، منها فاعلية المجتمع المدني، وما يمتلكه من موارد ومؤسسات وشبكات علاقات، فضلا عن نخب وقيادات طبيعة داعمة. بينما تعوق عوامل ثقافية واقتصادية وسياسية انتشارها، ويحد النمط السلطوي الأنشطة التطوعية، إذ ينظر إليها تهديدا لهيمنة سلطةٍ تحاصر كل فعل خارج أطرها، وتنظر إلى الجهود الشعبية بوصفها تحدّيا، وليس دورا مكملا للدولة. في هذا السياق، يمكن تحليل تجربة أهالي الرحمانية في محافظة البحيرة الذين دشنوا مستشفى لمصابي كورونا في أحد مراكز الشباب، وألحقوا بها مكانا للعزل تضمن 49 سريرا، بهدف التغلب على صعوبة العزل المنزلي لبعض المرضى، وقد دُشّنت التجربة بتبرعات أهلية وتطوع أطباء وممرضين، وحصلوا على موافقاتٍ رسميةٍ لم ترفع فيها لافتة "ممنوع". 

تخاف السلطة المهيمنة من أن تفقد سطوتها، ومن أن يكون هناك فاعل خارجها يكشف جوانب إخفاقها أو خطأ سياساتها

كانت التجربة محلّ ترحيبٍ تجاوز محيطها الجغرافي، رحبت بها وسائل إعلام رسمية. وحاول بعضهم استنساخها في محافظات أخرى. ولكن التجربة لم تستمر غير أسبوع، بعد أن قرّرت سلطات المحافظة تفكيكها، مستخدمة آليات بيروقراطية. كما قرّرت لجنةٌ من وزارة الصحة إنهاءها لعدم استيفائها الشروط. لم يكن بديل تفكيك التجربة دعمها أو البناء على جهودٍ شعبيةٍ وجب احترامها. كان المطلوب إنهاء التجربة، لأن قانون السلطوية أن أي فعل خارجها يعاديها، وأي جهد لمواجهة الأزمة لا بد أن ينسب للسيد "اللواء المحافظ"، أو سيد آخر حسب تراتب السلطة الاجتماعية والسياسية في المحيط الجغرافي. ترى عقلية السلطوية أن كل مبادرة لا بد أن تكون "تحت إشراف الدولة"، بينما المبادرات الشعبية، في الأصل، فعل مستقل يكمل جهود الدولة.

يُلمح في المشهد رفض للتجربة من قيادات سياسية محلية، منها أعضاء في مجلس النواب، شعروا بأن هناك قيادات شعبية وشبابية تنافسهم، وأن المبادرات الشعبية تتجاوز أدوارهم الغائبة وعجزهم، واستطاعت المبادرة وقيادتها الشبابية كسب التأييد. لم يتوقف الأمر على إنهاء التجربة، بل أيضا أعفي رئيس مجلس المدينة، وعوقب وكيل وزارة الصحة على تعاونهما مع المبادرة الشبابية. وهنا يُعاين في المشهد الصراع في الواقع المحلي بين قيادات رسمية منتمية للدولة وقيادات شعبية مستقلة تتفاعل مع مشكلات الواقع المحلي، وبين بيروقراطية عليا توظف ضد عمل تطوعي وقيادات محلية متفاعلة مع قضايا الصحة في محيطها الجغرافي. كما تُلمح أيضا ما تعرف بالإزاحة بين النخب، فنواب في مجلس الشعب غائبون عن دور سياسي واجتماعي مفترض في دوائرهم، وقيادات شعبية وشبابية تزيح وجودهم الشكلي، وتنشئ وجودا حقيقيا، وتقوم بدور فاعل. 

تعزّز المبادرات علاقة الدولة بمواطنيها في النماذج الديمقراطية، حسب أطروحات اجتماعية عديدة

يتناول عالم الاجتماع، أنتوني جدنز، القطاع الصحي بوصفه نموذجا للبيروقراطية، كما أن أطروحات تصنفه بوصفه إحدى مؤسسات الضبط. وهو ما يُلمح في هذا المشهد في إنهاء تجربة شعبية لمواجهة وباء ينتشر. وفي المشهد أيضا، مثالا للتحليل، تتجلى الشخصية التسلطية ضيقة الأفق، عندما لا تتعاطى مع آراء الآخرين أو جهودهم، وهي شخصية ترتبط بنمط حكم مركزي سلطوي، يفتقد للعقلانية في التعامل مع المبادرات في ظل أزمة كورونا، على الرغم من إمكانية الاستفادة من الأزمة لتقارب مفتقد بين السلطة والمجتمع. وفي المشهد أيضا يتجلى الخوف، فقد أعلن الأهالي لحماية مبادرتهم أنها من دون أي توجه سياسي، لأن الانتماء السياسي، في عرف السلطوية، جريمة. المبادرة تعني، في مضمونها الاجتماعي، قدرة المواطنين على مقاومة الأزمات بجهودهم. ونفسيا، تجسّد القدرة على الفعل ومقاومة مشاعر الاستلاب، لكنها في ذهن السلطوية تعني التعدّي والانتقاص من دور الدولة وممثليها. 

حسب إيريك فروم، للشخصية التسلطية جانب تدميري، فهي تسعى إلى نفي الآخر. وهي في حالة اشتهاء للسيطرة، بغرض إظهار القوة، بينما هي تخفي ضعفها. ليس العمل التطوعي في الواقع المحلي تعبيرا عن حالة التضامن والتكافل وحسب، إنه أيضا أداة لتكامل الجهود في إدارة الأزمات ومواجهتها، على الرغم من محدودية الإمكانات والقدرات التنظيمية، وهو حائط صدّ الإقصاء الاجتماعي، لما يحمله من مضامين المشاركة الفعالة، فضلا عمّا يعزّزه على المستوى النفسي من شعور الدعم والمشاركة الوجدانية، وتبديد العزلة وكسر دوائر الاغتراب الذي كرّسته السلطوية في مجتمعاتٍ حديثة، وتحاول توظيفه لسيطرتها على الجسد الاجتماعي ليبقى مفتتا وأفرادا منفصلين عن مجتمعاتهم والشأن العام، منكفئين على همومهم الذاتية. كما أن المبادرة إعادة إحياء لجسد المجتمع المعتل، وهو يواجه كارثةً تخنق الأنفاس. ويعود حصار المبادرات وخنقها إلى معاداة أصيلة لدى السلطوية للفعل المستقل. وفي واقعةٍ شبيهة، أغلقت أجهزة الأمن المصرية، نهاية العام 2016، من دون سند قانوني، سلسلة مكتبات الكرامة التي أسستها الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان في ست مناطق شعبية عام 2012، فضلا عن إغلاق مبادراتٍ ثقافيةٍ لم تخالف القانون أو تعطيلها. 

حسب إيريك فروم، للشخصية التسلطية جانب تدميري، فهي تسعى إلى نفي الآخر. وهي في حالة اشتهاء للسيطرة، بغرض إظهار القوة، بينما هي تخفي ضعفها.

التوجس الرسمي في مصر من المبادرات الأهلية لصيق الصلة بالخوف العام الذي برز خلال أزمة كورونا، بداية من إنكار وجود حالات إصابة، وصولا إلى تفاوت تقديرات أعدادها. تعلن وزارة الصحة أرقاما، بينما يصرح وزير التعليم العالي، خالد عبد الغفار، أول يونيو/ حزيران، بأن هناك نموذج قياس افتراضيا، يفيد بوجود خمسة أضعاف الأرقام الرسمية للمصابين، وعشرة أضعاف الوفيات المعلنة. ويعلن مركز بصيرة للدراسات، وهو معروفٌ بقربه من السلطة، نتائج أبحاث تفيد بوجود ما يزيد عن 600 ألف أصيبوا بكورونا، لجأ 12% منهم إلى المستشفيات الحكومية، بينما لجأ 66% إلى العزل المنزلي، و39% يتابعون مع طبيب. ولا يستثنى الخوف والألم من مشاهد الشكوى المتكرّرة من عدم توفر أماكن لتلقي العلاج والعزل. يتجسد الخوف ميدانيا في حصار مقر نقابة الأطباء في القاهرة، عندما أعلنت عن مؤتمر صحافي للرد على رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، الذي هاجم الأطباء، وأرجع ارتفاع الإصابات، في جانب منه، إلى تغيب أطباء عن أداء واجبهم. يمتد الحصار افتراضيا بعدما قُبض على أطباء بتهمة نشر أخبار كاذبة على وسائل التواصل الاجتماعي عن عجز الإمكانات في مواجهة كورونا. .. ملف الأطباء مؤلم، وتتعدد جوانبه خلال الأزمة، من تهديداتٍ أمنية إلى ارتفاع نسب الوفيات وعددها، غير الإصابات (وفاة 114 طبيبا وإصابة ثلاثة آلاف)، فضلا عن هجوم على مبادرات النقابة حين تقدم رؤيتها لمواجهة الأزمة.

يمكن تفسير إعاقة المشاركة الشعبية في مواجهة الأزمات في إطار نموذج السلطوية ومجتمع الرقابة، وما يشيعه من أجواء الخوف والحصار، وهو تجريم للفعل الاجتماعي مرتبط بمخاوف السلطة المهيمنة من أن تفقد سطوتها، ومن أن يكون هناك فاعل خارجها يكشف جوانب إخفاقها أو خطأ سياساتها، خوف على كسر صورتها واستحواذها المجال العام بشكل مطلق، سواء في ما تعلق بتقديم الخدمات أو مراكمة الوعي أو تقديم رؤيةٍ مختلفةٍ للمعالجة، خوفها من المواطنين، لا خوفها عليهم، كما يحب كل متسلط أن يفرض هيمنته ويبرّرها بدعوى أنه يحبك، حريصٌ على مصلحتك. يحتاج فرض الإذعان وتقييد الفاعلية، يربط مصالحك بخوفك، لفرض هيمنته، غير التشكيك في كل من يخرج عن دائرته، ليبقى وحده فاعلا في الصورة، وينفي الآخرين وينكرهم، فهو وحده القادر على الفعل، وإذا ظهر عكس ذلك ينفي الفعل، وأحيانا الفاعلين، إن لم يشرع في تدميرهم.