عندما تتغير السياسة الأميركية في الأزمة الليبية

23 اغسطس 2020
الصورة
+ الخط -

مع صدور قرار حكومة الوفاق الوطني في العاصمة الليبية طرابلس بوقف إطلاق النار، يثير تناول السياسة الأميركية تساؤلات عن مدى قدرتها على ضبط التنافس الدولي حول ليبيا، والسير نحو حل الصراع والانتقال الدستوري، فقد بدت الولايات المتحدة أكثر تفاعلاً مع مكونات التهديد الداخلية في ليبيا وخارجها، ما يمثل تغيراً نوعياً في تناولها السياسي والأمني عبر تضافر مستويات مختلفة، شارك فيها إلى جانب وزارة الخارجية كل من القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) ومجلس الأمن القومي، نوعاً من السياسة الشاملة على نحو غير معهود في التعامل الأميركي مع الأزمة الليبية. 

على مدى السنوات السابقة، ظلت الولايات المتحدة، في سياستها بشأن ليبيا، تعمل ضمن شركائها الأوروبيين وفق صيغة منح الحرب فرصة لتسوية الخلافات بين الليبيين. وبمرور الوقت، صار لدى الأميركيين قلق من عدم قدرة الأوروبيين على بناء موقف مشترك تجاه الأزمة الليبية، ما فتح الباب أمام تزايد عدد الدول المتدخلة في ليبيا، وانقسامها ما بين دعم خليفة حفتر أو دعم حكومة الوفاق، بشكلٍ ساهم في توسيع نطاق الحرب، وأضفى صعوباتٍ على حسمها.

وقد أضفى توسّع نفوذ حكومة الوفاق مدعوماً بالظهور التركي، بالإضافة إلى الدخول الروسي والتهديد المصري بالتدخل، قيوداً على بقاء السياسة الأميركية متذبذبة من دون تدخل حاسم لإعادة ترتيب سياستها الإقليمية، وتوجيه الأزمة نحو الحل السياسي. ولذلك، بدأت تميل، منذ مايو/ أيار الماضي، إلى بناء شبكات داعمة لوقف إطلاق النار والحوار السياسي، بالإضافة إلى حظر التصعيد، وقد رسمت الأجندة الأميركية المخاطر التي تواجهها في تهديد الوجود الروسي لمصالحها، ضمان حرية الملاحة في البحر المتوسط، وهيمنة المتطرّفين على الشؤون الليبية، والتنازع الدولي على تقسيم ليبيا.

بمرور الوقت، صار لدى الأميركيين قلق من عدم قدرة الأوروبيين على بناء موقف مشترك تجاه الأزمة الليبية

وفي هذا السياق، بدأت السياسة الأميركية في تكوين إطار شامل لتحرّكاتها تجاه المسألة الليبية، بحيث تعمل على ترجيح الحل السلمي، متجاوزة حالة التأرجح السابقة، فقد تبنّى الخطاب الأميركي، 17 مايو/ أيار 2020، موقفاً انفتاحياً تجاه الليبيين، وذلك عندما اعتبر السفير الأميركي أن كلّاً من القوات المسلحة العربية الليبية وحكومة الوفاق الوطني شركاء للولايات المتحدة في الحرب ضد الإرهاب، ما يعني إمكانية إستيعاب المرحلة الجديدة الفاعلين الرئيسيين في السياسة الليبية، مرحلة انتقالية، يكون هدفها وقف الحرب. وقد بدت التحرّكات الأميركية متعدّدة المستويات، فعلى المستوى الدولي، تبنّت الولايات المتحدة خطاباً تصعيدياً، وزارة الخارجية 11 يونيو/ حزيران 2020، ضد التدخلات الخارجية، الروسية، ويعتبرها تحدّياً استراتيجياً، ولذلك كثر استخدام مصطلح إنهاء التدخل الأجنبي، وعلى وجه مقابل، بدأت في الحديث عن ضبط الصراع أو تحويله، وذلك عبر ترتيباتٍ إقليميةٍ تسمح بتقليل التنافر بين القوى الرئيسية إقليمياً.

وبشكل عام، تشير بيانات السفارة الأميركية في ليبيا إلى زيارتين أدّاهما السفير ريتشارد نورلاند، إلى مصر وتركيا في فترة متقاربة، تم التركيز فيهما على وقف دائم لإطلاق النار ودعم الانتقال السياسي، واحترام سيادة ليبيا وسلامة أراضيها. وفي ما يخص مصر، اعتبرت الولايات المتحدة أن إعلان القاهرة، 6 يونيو/ حزيران الماضي، يساعد على الحل السلمي وتعزيز الإصلاحات الاقتصادية، وكان لافتا لقاء السفير برئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، في القاهرة، ومناقشتهما متطلبات التهدئة وإدارة عوائد النفط بشفافية. وهنا تبدو المقاربة الأميركية مهمة من وجهة أنها اشتغلت على مساحات التقاطع المصرية ـ التركية، في ظل إدراك عمق مصالح البلدين ونفوذهما في السياسة الليبية.

ودخل مجلس الأمن القومي، 4 أغسطس/ آب 2020، مؤسسة إضافية لمتابعة النزاع في ليبيا، وقد طرح أجندة داعمة لمواقف المؤسسات الأخرى، انصبت بشكل أساسي على الشؤون الأمنية والعسكرية وتحييد الموارد الطبيعية وإبعادها عن الصراع السياسي، بجانب حمايتها من التهريب عبر البحر المتوسط.

 استطاعت الدبلوماسية الأميركية بناء قواسم مشتركة بين الدول المتدخلة في ليبيا، وتفعيل اتصالاتها مع المكونات الليبية

وفي هذا السياق، تدخلت "الأفريكوم" لإسناد السياسة الخارجية الأميركية بتوفير التسهيلات اللازمة للتواصل مع حكومة الوفاق الوطني. وبهذا المعنى، تظل قدرة الولايات المتحدة على التدخل قائمة وغير بعيدة عن التطورات الميدانية، ما يضفي تأثيراً ونفوذاً يصعب إهماله في التداول الدولي على الأزمة الليبية، فقد انشغلت قيادة "أفريكوم" بخطط وقف إطلاق النار، بشكل يعكس تضافر المؤسسات الأميركية على المستويين، السياسي والعسكري، بشكلٍ يساعد على الأخذ بزمام المبادرة وترسية دورها.

وبجانب إكراه المتنازعين الليبيين على وقف الحرب، يرتبط دور "أفريكوم" بسياسة مكافحة الإرهاب، حيث ترى الولايات المتحدة ضرورة وجود حكومة مركزية قانونية تنهي الجدل حول المشروعية، وتكون خالية من المليشيات، توطيداً للحل السياسي، وسحب اللواء المتمرد خليفة حفتر من المظلة الروسية. كذلك يبدو دور "أفريكوم" مهماً في ضبط سلوك حلف شمال الأطلسي (الناتو) في ليبيا، بسبب تناقض مصالح أعضاء الحلف، بين الأوروبيين وتركيا. وهذا ما يفسر الظهور الواضح لقيادة المنطقة الأفريقية في المشهد الليبي. وقد لا يقتصر دورها على منع الاشتباك المحتمل أو فضّه، ولكن في دعم المسار السياسي. وهنا، يمكن الإشارة إلى إحباط المحاولات الفرنسية لتسيير الطيران الحربي فوق الأراضي الليبية، أو الاشتباك مع تركيا في البحر المتوسط.

يمكن تفسير رفض الولايات المتحدة ما تعتبرها تدخلاتٍ أجنبية بمثابة توجّه إلى تنسيق دور كل الدول ومنع الصدام في ما بينها

ويتمثل الدور الرئيسي لـ"أفريكوم" في موازنة الدخول الروسي الأراضي الليبية أو مراقبته، باعتباره تهديداً خارجياً لحلف الناتو، وهي وظيفة فنية عسكرية، وتعمل بتضافر مع الدبلوماسية الأميركية، بحيث تفسح المجال أمام دور حلفاء الولايات المتحدة للولوج العسكري والسياسي لليبيا، ويمكن فهم كثافة تواصل واشنطن مع كل من القاهرة وأنقرة، لتحقيق هدفين: خفض التوتر وملء الفراغ أمام روسيا، ما يشكل انتقالاً نوعياً في رسم خريطة الحلفاء الإقليميين بشكلٍ يسمح بدعم الولايات المتحدة في ليبيا، فعلى خلاف فرنسا ودول أخرى، تعمل الولايات المتحدة على بناء المصالح المشتركة بين الدول الإقليمية أساساً لتسوية الأزمة السياسية في ليبيا.

وبشكل عام، ترى الولايات المتحدة أن دخول روسيا إلى ليبيا عن طريق خليفة حفتر يتعارض مع المصالح الأميركية، كما أنها تتوافق معه في تسريح الجماعات المسلحة الليبية، غير أنها تطالبه بالابتعاد عن مجموعة فاغنر الروسية، ووقف إغلاق حقول النفط. وهنا، يمكن تفسير التواصل مع حفتر مساراً لضبط تصرفاته العسكرية وإكراهه على الابتعاد عن خط سرت ـ الجفرة والتراجع إلى المنطقة الشرقية. وبعد فتح حقول النفط وفرض وقف إطلاق النار، يبدو أن السياسة الأميركية تحقق تغيرات نوعية نحو إفراغ حفتر من مصادر قوته الداخلية والخارجية، ما يحتمل أن تكون خطوة لخروجه من المشهد السياسي وإنهاء مرحلة الحرب بالوكالة، وهي تطوراتٌ تلتقي مع المخاوف المصرية، وتضع حداً لانتهاكات حظر السلاح وتقليل هامش المناورة أمام القوى المنافسة.

ترى الولايات المتحدة دخول روسيا ليبيا عن طريق خليفة حفتر يتعارض مع المصالح الأميركية

ويمكن تفسير رفض الولايات المتحدة ما تعتبرها تدخلاتٍ أجنبية بمثابة توجّه إلى تنسيق دور كل الدول ومنع الصدام في ما بينها. وهنا يمكن الإشارة إلى ردود الفعل التركية والمصرية على وقف إطلاق النار تعبيراً عن تجنّب الصراع والقبول بالمصالح المشتركة، وهذا ما يساعد على بناء إطار تنسيق ميداني لوقف التصعيد، يمنح الأطراف الثلاثة ميزةً نسبيةً في التعامل الدولي على ليبيا. وفي هذا السياق، يمكن قراءة بياني رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، ورئيس المجلس الرئاسي، فايز السراج، من وجهين: الأول، حيث يمكن اعتبارهما انتقالاً نوعياً في التعامل مع الحرب الأهلية، حيث لا يتوقف أثرهما السياسي عند وقف إطلاق النار، ولكنه يعد بمثابة انتقال نوعي نحو الحل السياسي، فقد صار لديهما قناعة مشتركة بصعوبة المضي في خيار الحرب. الثاني، يرتبط باتساق المواقف الأميركية والتركية والمصرية نحو تجنب الدخول في حربٍ مباشرةٍ ووجود رغبة في إفساح المجال أمام الليبيين للحل السلمي. قد تمهد هذه التطورات لبناء معادلة دولية جديدة، تكون البلدان الثلاثة مرتكزها الأساسي، بشكلٍ يعمل على تحييد التدخلات المعزّزة للصراع.

وفي ظل التطورات المتسارعة، يمكن القول إن الدبلوماسية الأميركية استطاعت بناء قواسم مشتركة بين الدول المتدخلة في ليبيا، وأيضاً تفعيل اتصالاتها مع المكونات الليبية، سواء في حكومة الوفاق أو خصومها السياسيين والعسكريين، باستثناء المكونات الإسلامية والحركات المسلحة غير المنضوية في الجيش الليبي. ولعل النقطة الأساسية هنا تتمثل في أن تبنّي الولايات المتحدة استبعاد بعض المكونات الليبية قد يشكل تحدياتٍ مستقبلية، بسبب الخلاف على الإدماج السياسي وصعوبات تهيئة الأجواء لإعادة بناء شرعية دستورية انتقالية.