عقد على اغتيال جورج حاوي... وتابت بزّي يبقى ظلّه

عقد على اغتيال جورج حاوي... وتابت بزّي يبقى ظلّه

بيروت
نادر فوز
21 يونيو 2015
+ الخط -
يجد تابت بزي نفسه عالقاً في تلك اللحظة، ولا يزال يعيش فيها منذ عشر سنوات. لحظة التفجير، لحظة الاستشهاد، لحظة الصدمة، لحظة الوداع، تجتمع كلّها في ثوانٍ، لتؤكد أنّ لحظة اغتيال الزعيم الشيوعي العربي جورج حاوي قد حانت. تمّ الأمر، بينما كان بزي جالساً إلى جانبه يقود السيارة في رحلة يومية من المنزل في وطى المصيطبة في بيروت إلى شوارع العاصمة واجتماعاتها السياسية. قبل حركة 14 آذار واعتصاماتها وبعدها، تابت مرافق جورج حاوي وسائقه. يذهب حيث يكون ويبقى إلى جانبه. بملء إرادته تحوّل تابت إلى ظل لرجل آخر. بات ظل "القائد"، مؤسس جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي 1982، والأمين العام للشيوعيين داخل التنظيم وخارجه. ولا حياة أو أثر له خارج هذا الظلّ.
تمرّ الذكرى العاشرة لاغتيال حاوي، اليوم 21 يونيو/حزيران، وتابت لا يزال هنا، في مكان التفجير ولحظة وقوعه. فعلياً، يعيش في برج حمود (شرقي بيروت)، لكن لا يتردّد لحظة في الذهاب إلى مكان التفجير والحديث عنه. فـ "جورج حاوي يعيش هنا في ذهني وقلبي". هذا أقلّ ما يقوله بزي بعد عشر سنوات على الاغتيال. ثلاثون سنتيمتراً، المسافة التي فصلت بين مقعد السائق والمقعد المجاور له، بينه وبين حاوي. كانت هذه المسافة كفيلة في التفريق بين "موت القائد ونجاة ظلّه". خطف التفجير حاوي من بين الشيوعيين، كقيمة قيادية وفكرية قادرة على الحوار وصياغة الأفكار والتأثير وحياكة المواقف السياسية وتطويرها. لكن تابت خسر مع هذا التفجير شيئاً آخر، خسر نفسه. بات ظلّاً لرجل لم يعد موجوداً. ظل لسراب، يمشي في شوارع المدينة وبين الناس باحثاً عن نفسه وعن أصله.
 
يعرّف تابت بزي عن نفسه بـ "ابن عائلة شيوعية، خلقت وتربّيت وتعرّفت إلى الحزب من خلالها، وانتسبت إلى الحزب ولا أزال فيه ولو كنت مختلفاً مع القيادة الحزبية". يظهر صلب هذا الانتماء مع قوله إنّ "والدي شهيد في الحزب، وأختي أيضاً". دخل الدم إلى هذا الانتماء، فبات صلباً، تغذّيه التجربة الشخصية من كل حدب وصوب. دخل إلى صفوف الشيوعي "ولداً" بحسب قوله، "وفيه تعلّمت كل شيء". ناب الحزب عن المدرسة والجامعة، "حملت البارودة ومارست العمل العسكري وشاركت في كل الحرب". كان زمن ثورة وحرب أهلية، فأصيب تابت ثلاث مرات، في بيروت وصيدا (جنوبي لبنان) وطرابلس (شمالي لبنان). "في الشمال كان الموت قريباً جداً"ً، يقول ذلك من دون تأثر. أصيب ونزف وأدخله رفاقه جثة إلى براد المستشفى، خلال معارك الشيوعي مع "حركة التوحيد" منتصف الثمانينيات. صباحاً، فتح تابت باب ثلاجة الجثث، استفاق فهرب الممرضون وكذلك الرفاق. استيقظ المقاتل من الموت وتابع حياته العسكرية.

اقرأ أيضاً: حال اليسار العربي4.. أمراض الدولة تصيب "الشيوعي" اللبناني 

يتحدث من دون أسف، ولا تغيب التفاصيل عن رواياته، ويؤكد أنّه "غير نادم على أي شيء قمت به دفاعاً عن حزبي ومبادئي". انتهت الحرب بـ "اتفاق الطائف"، وعاد الشيوعيون كغيرهم من الأحزاب المسلحة إلى جناح الدولة، "فكانت أصعب مرحلة على كل المقاتلين". لا يملك تابت مهنة ولا شهادة، "فكل العلم تلقيناه في الشارع والحزب"، أي بين قطعة سلاح وأخرى، مع حديث مستفيض عن الأخلاق الشيوعية. "انتهت الحرب ورحت أبحث عن نفسي"، تماماً كما هي حاله منذ استشهاد حاوي.
 
في مرحلة السلم، بقي لتابت حزب ولو ضعيفا بمؤسسات قادرة على إيواء شبّانها. فعمل لسنوات سائقاً في تلك المؤسسات، في "الإذاعة والتلفزيون". إلى أنّ تخلت قيادة الشيوعي عن آخر مؤسساتها، "فراحت على الشيوعيين الصادقين، المؤمنين بالقضية، وأنا واحد منهم".
انتقل بزي عام 2000 إلى منزل حاوي، واستمرّ في وظيفته هذه إلى حين وقوع الاغتيال. ضاع تابت ولم يجد نفسه لغاية اليوم. بقي مع عائلة حاوي عاماً إضافياً، وبقي عاطلاً عن العمل بين أعوام 2007 و2009. بعد أشهر على التفجير، "عرضت عليّ إحدى الشخصيات تأمين حمايتها، فاعتذرت لأنّ ما كنت أعطيه لـ أبو أنيس (لقب حاوي) لا يمكن أن أعطيه لغيره، فهو قائد. ووصلت وقاحة هذه الشخصية بأن عرضت عليّ راتباً عالياً، كما لو أني كنت أعمل مع جورج على الساعة".


ثم وجد تابت لنفسه عملاً شخصياً في المجال نفسه بين أعوام 2010 و2013، إلى أن انتقل للعمل في شركات أمن خاص، درج استخدامها في بيروت منذ سنوات، لحماية المباني والأملاك الخاصة. صمد بزي أشهراً في هذه المهنة وانتقل بين ثلاث شركات أمن، ليجد نفسه مجدداً في المنزل.
 
بين كلمة وأخرى، يردّد تابت كلمات "الحزب"، "الشيوعيين"، "أبو أنيس"، وغيرها من مفردات تجربته في الحياة منذ أكثر من خمسة عقود. كان قريباً من الموت أكثر من مرة، في الحرب والسلم، في الاغتيال وبعده، نتيجة قناعته ومبادئه ووظيفته، وربما نتيجة ما هي حاله اليوم، "أتمنى لو كنت جالساً مكان جورج، أو لو استشهدت معه". يقول إنّ "عتبي على الحزب كبير، أما عائلة جورج حاوي، فأقول لهم أنتم وضميركم". بعد الاغتيال، أمضى تابت ثلاثة أيام في المستشفى، "لم أتلق خلالها أي اتصال من عائلة حاوي، ولو كلمة واحدة.


لم أسمع الحمد لله على السلامة، وهذه أول مرة أقول هذا الكلام". كما لو أنه لم يكن موجوداً في حياة هذه العائلة، ولم ينج منذ ساعات من التفجير ولم يسمع القائد يقول له آخر الكلمات: "خلّص نفسك، خلّص نفسك يا تابت". عرف حاوي مصيره، فطلب من مرافقه وصديقه الخروج من السيارة. ففعل تابت ذلك، ورمى بنفسه من السيارة التي زرعت فيها عبوة من كيلوغرامين من المتفرجات، شبيهة بتلك التي كان ينقلها الوزير اللبناني السابق ميشال سماحة من مكتب اللواء السوري علي المملوك إلى بيروت.

إضافة إلى كل ذلك، ما "يطبق على صدري شيء آخر"، حقيقة أنّ نجل حاوي، رافي مادايان، زار مسؤولين في النظام السوري بعد أسابيع على الاغتيال، وانتقل بشكل كامل إلى محور هذا النظام وحلفائه في بيروت، علماً أن النظام السوري هو المتهم الأول باغتيال حاوي. بات تابت ضحية فعلية لكل تجربته السياسية، كابن للحرب الأهلية وحفيد لحزب ضائع. ولو أنه يكرّر ولا يتردّد بالقول إنه فخور بكل ما فعل، وفرح بكونه كان ولا يزال ظل القائد. 

ذات صلة

الصورة
الشهيد فادي وشحة - تويتر

سياسة

استشهد الشاب الفلسطيني فادي وشحة (34 عاماً)، من بلدة بيرزيت، شمال رام الله، وسط الضفة الغربية، صباح اليوم الأربعاء، متأثراً بإصابته التي كان قد أصيب بها قبل نحو أسبوعين خلال مواجهات شهدها المدخل الشمالي لمدينتي رام الله والبيرة.
الصورة

سياسة

بالرغم من المشهد الخادع الذي حاول النظام السوري تصديره للعالم بالتزامن مع انتخاباته الرئاسية، التي أجراها أمس الأربعاء، كانت الحقيقة مختلفة تماما عما تم ترويجه.
الصورة
تظاهرات في إدلب رفضاً لانتخابات النظام-عامر السيد علي/العربي الجديد

سياسة

تجدّدت التظاهرات في عموم شمال غرب سورية، اليوم الأربعاء، والرافضة للانتخابات الرئاسية التي انطلقت اليوم، ويسعى من خلالها النظام لإعادة انتخاب بشار الأسد لفترة رئاسية جديدة مدتها سبعة أعوام.
الصورة
إلدب: وقفة في ذكرى مجزرة دير بعلبة (العربي الجديد)

سياسة

نظم ناشطون، مساء اليوم الأحد، وقفة وسط ساحة السبع بحرات في مدينة إدلب شمالي غرب سورية، للتذكير بواحدة من أبشع المجازر التي ارتكبها جيش النظام السوري.

المساهمون