عبد الفتاح لـ"العربي الجديد": الجميع يتحمل مسؤولية "الفاشية العسكرية"

عبد الفتاح لـ"العربي الجديد": الجميع يتحمل مسؤولية "الفاشية العسكرية"

05 مارس 2014
الصورة
د.سيف الدين عبدالفتاح
+ الخط -

حمَّل أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، الدكتور سيف الدين عبد الفتاح، فرقاء ثورة 25 يناير مسؤولية عودة ما أسماه بـ "الفاشية العسكرية" التي تعيشها البلاد منذ 3 يوليو/تموز، مؤكدا في الوقت نفسه أن "المصالحة ستأتي عندما يتخلص هؤلاء من هواجسهم".

وقال عبد الفتاح -الذي عمل مستشارا سياسيا للرئيس محمد مرسي، الذي عزله الجيش في 3 يوليو/تموز الماضي- في حوار لـ"العربي الجديد": إن "مشكلة مبادرات المصالحة أنها تهمل طرفا أساسيا في الأزمة هو المجلس العسكري الذي يجهض أي محاولة للبحث عن مسار سياسي ويصر على فرض المسار الأمني بالقوة".

محذرا، في الوقت نفسه، من "خطورة اشتراط مرور 5 سنوات على رتبة لواء قبل تقلده مناصب عسكرية رفيعة ما يعني إغلاق الباب أمام تغيير في الجيش، بحسب القرار الجمهوري الذي أصدره الرئيس المؤقت عدلي منصور الذي ترأس بموجبه وزير الدفاع المجلس الأعلى للقوات المسلحة، فإلى نص الحوار...

بداية، كيف ترى التشكيل الجديد للحكومة المؤقتة الذي استبعد كافة وزراء جبهة الإنقاذ؟

لا يمكننا اعتبار حكومة إبراهيم محلب تشكيلا وزاريا جديدا، فهي أقرب ما يكون للتعديل الوزاري؛ حيث تم الإبقاء على ثلثي وزراء حكومة حازم الببلاوي، 20 وزيرا من إجمالي 31 باقون في أماكنهم، وتم استبعاد ما يمكن تسميته بالظهير المدني لانقلاب 3 يوليو العسكري من قوى تسمي نفسها بـ"المدنية" بالإضافة لحزب "الكرامة"، بعد أن أدت وظيفتها وانتهت مهمتها تم استبدالها بما يسمى بـ"الظهير الفلولي" من رموز نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك. هذا يؤكد أننا أمام مرحلة جديدة فبعد أن استفادت المنظومة الانقلابية من الظهير السياسي المتمثل في جبهة الإنقاذ لفترة معينة بدأت تعالج الأمر بطريقة مختلفة.

لماذا إذن استقالت حكومة الببلاوي قبل نحو شهرين من إجراء انتخابات الرئاسة؟

أولا كل المؤشرات تؤكد أنها كانت إقالة وليست استقالة، وهو ما كشف عنه وزراء التيار المدني مثل وزير التعليم العالي السابق حسام عيسى الذي قال إنه "كان عليهم أن ينظروا بعين الاحترام لرئيس الحكومة السابق حازم الببلاوي"، لكنه لم يصرح بهوية هؤلاء، تارة يقول إنهم جهاز الدولة وتارة أخرى يقول وسائل الإعلام. جميعنا يعلم أن الحكومة السابقة كانت لها مهمة سياسية انتهت وهم الآن في طور الإعداد لمهام جديدة، وتغيير الوزارة كان أشبه بغسيل الحكومات أو غسيل الأموال لفسادها أو مواقفها أو اتجاهاتها، والنظام يحاول تحميل حكومة الببلاوي مسؤولية المشاكل والأزمات التي وقعت عقب 3 يوليو/تموز.

كيف ترى احتفاظ وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي بمنصبه في الحكومة الجديدة؟

هذا يؤكد أن السلطة أجبرت الببلاوي على الاستقالة وأنه لم يتقدم بها طواعية، كثيرا ما قال الببلاوي إن التعديل الوزاري مرهون بحسم السيسي قراره بالترشح في انتخابات الرئاسة من عدمه، أقيلت حكومة الببلاوي وحلف السيسي اليمين وزيرا للدفاع أمام حكومة محلب بعدما تبين أنه لم يعد هناك جدوى من الإبقاء على الأولى.

أصدر الرئيس المؤقت عدلي منصور قرارين جمهوريين بقانونين يقضي الأول بإنشاء مجلس الأمن القومي، فيما ترأس وزير الدفاع بموجب الثاني المجلس الأعلى للقوات المسلحة، كيف ترى الأمر؟

الحقيقة إن هذه القرارات بقوانين ترجمة لنصوص دستورية موجودة بالفعل في دستور 2014، لكنها تقدم، في الوقت نفسه، شكلا جديدا للعلاقات المدنية العسكرية وفي أدنى تقدير تجعل من المؤسسة العسكرية دولة مع الدولة ومع أقصى تقدير تجعلها دولة فوق الدولة، وأرجح الاحتمال الثاني؛ حيث أصبحت مسألة اختيار وزير الدفاع وما يتمتع به من حصانة أحد اختصاصات المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ويقتصر دور رئيس الجمهورية على حضور المراسم الاحتفالية للمجلس فقط.

الأمر الأكثر خطورة ما يتعلق بشروط الإمداد والقيادة التي حددت مرور 5 سنوات على رتبة لواء قبل تقلده مناصب عسكرية رفيعة ما يعني إغلاق الباب أمام كل الطامحين لتغيير المؤسسة العسكرية من داخل الجيش؛ حيث مُنعت القيادات الوسيطة بالجيش من الوصول للمجلس العسكري الذي يصر على الإمساك بخيوط اللعبة والتحكم في المؤسسة على المدى الطويل.

الحراك الثوري

لننتقل بالحديث عن الحراك المناهض للانقلاب الذي دخل شهره الثامن على التوالي، كيف تقيّمه؟

ليست لدي اقتراحات مباشرة لتطوير الحراك الميداني المناهض للانقلاب، ومن يتولون مسؤولية التخطيط هم أكثر دراية بالأمر ويتحركون وفق قواعد تتعلق باستيعاب كل أدوات الاحتجاج السياسي، لكن ما ألحظه أن هذا الحراك يتسم بالتنوع ويشارك فيه الشباب والسيدات بشكل نوعي، فضلا عن اندلاع موجة من الاحتجاجات العمالية والإضرابات وهو ما يحصن هذا الحراك من الرتابة والجمود، خاصة أن معركة إسقاط الانقلاب هي معركة النفس الطويل لن تنتهي بين يوم وليلة، لذا فالأمر يتطلب مقاومة ممنهجة ومقننة.

ماذا عن الحراك الدولي لمحاسبة قادة الانقلاب؟

أولا يجب ألا نحصر كافة الأمور المتعلقة بكسر الانقلاب في تحالف دعم الشرعية، ويجب أن نتحرر من هذا الإطار لخدمة القضية الكبرى، وعلى جميع مناهضي الانقلاب الذين نزحوا خارج البلاد، بعد ملاحقتهم من قبل الأجهزة الأمنية، توكيل محامين لتحريك دعاوى قضائية لمحاسبة قادة الانقلاب ولا يعد هذا تدويلا للقضية خاصة مع فقدان الثقة بمؤسسة القضاء المصرية ووجود شكوك حول تسييسها.

هناك استياء داخل الصف الإخواني من تحركات بعض قيادات الجماعة التي قد تضر بموقف التحالف في الأزمة الراهنة، ما رأيك؟

أؤكد أن من هم موجودون على الأرض أكثر دراية بمعطيات الموقف وهم من يقودون الحراك، ويجب أن تكون لهم الكلمة أكثر من غيرهم ممن يتحدثون عن بعد ويصدرون نصائح غير ملزمة ولا يمكن التعويل عليها.

كيف ترى ظهور بعض الحركات التي تدعو لاستهداف ضباط الشرطة المتهمين بقتل المتظاهرين؟

كان لتحالف دعم الشرعية موقف واضح من البداية في هذا الشأن، حيث أكد أن تحركاته الميدانية المناهضة للانقلاب لن ترتقي إلى العنف والتزامهم بالسلمية الإيجابية وليس السلبية، فلن يلجأ أنصاره للعنف ولن يبادروا به، لكنهم في الوقت ذاته سيكونون قادرين على التصدي لأي عنف يطاولهم في إطار الدفاع الشرعي عن النفس.

ما مستقبل مبادرات المصالحة للخروج من الأزمة؟

المشكلة في هذه المبادرات أنها تهمل طرفا أساسيا في الأزمة وهو المجلس العسكري وبالأخص وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي، والواضح أن المؤسسة العسكرية لا ترغب في إيجاد حل سياسي للأزمة وتجهض كافة محاولات إيجاد أي مسارات أخرى غير المسار الأمني الذي تصر على فرضه بالقوة الجبرية، وهذا أمر غير مقبول، خاصة أن الحراك المناهض للانقلاب يستند للشرعية ويستخدم كافة آليات التعبير عن الرأي والاحتجاج السلميين. ويأتي إصرار المؤسسة العسكرية على فرض الأمر الواقع وإجبار معارضيها على الإذعان ليكشف عن رغبة هذه الفئة في أن تكون العلاقات المدنية العسكرية ليست على قدر من التوازن.

وكنت قد تقدمت بمشاركة مجموعة من القامات الرفيعة مثل الدكتور محمد سليم العوا والمستشار طارق البشري والدكتورة نادية مصطفى وحسن الشافعي والكاتب فهمي هويدي بمبادرة للخروج من الأزمة بعد انقلاب 3 يوليو/تموز مباشرة قوبلت بالتجاهل تارة وبالسخرية من بعض بنودها تارة أخرى. أطالب كل من يتقدم بأي مبادرات أن يحصل على موافقة المجلس العسكري أولا قبل عرضها على باقي أطراف الأزمة.

عودة مرسي

كيف تقيّم تمسك تحالف دعم الشرعية بمطلب عودة الرئيس محمد مرسي الأمر الذي قوبل باعتراض الحركات الاحتجاجية التي اعترفت بأن ما حدث في 3 يوليو انقلاب؟

في البداية أؤكد أن هذه الحركات نزلت ألى الشارع لإعلان اعتراضها على ما آلت إليه الأمور عقب 3 يوليو في فترات متباعدة، ومشاركتهم شبه منعدمة بعد تعرضهم للقمع والملاحقة بعد دعوتهم للتظاهر وإحياء الذكرى السنوية الثالثة للثورة في 25 يناير الماضي. رأينا جميعا اعتقال قيادات ونشطاء بحركة "شباب 6 إبريل" والحكم بسجن أعضاء بحزب "مصر القوية" بسبب دعوتهم للتصويت بلا في الاستفتاء الأخير، على الرغم من عدم ارتكابهم جرائم جنائية أو سياسية.

القضية ليست في عودة الرئيس محمد مرسي لمنصبه لكن عودة المسار الديمقراطي الذي يقوم على عودة الشرعية بما يضمن المستقبل السياسي للبلاد، كل شيء يمكن الاتفاق عليه بأن يعود الرئيس مرسي بشكل مؤقت على أن يحيل الأمر لرئيس وزراء توافقي مستقل قادر على جمع شتات هذه الأمة، والتحالف قال إن هذا الأمر قابل للمداولة.

برأيك من المسؤول عما آلت إليه الثورة بعد ثلاث سنوات من اندلاعها؟

الجميع يتحمل مسؤولية ما وصلت إليه البلاد من فاشية عسكرية ودولة أمنية قمعية، فقوى الثورة المضادة تجمعت فيما تفرقت قوى الثورة الحقيقية، التي جمعها ميدان واحد طوال 18 يوما، في المرحلة الانتقالية ما أدى للوصول إلى الحالة الانقلابية القمعية التي تعيشها البلاد منذ 3 يوليو/تموز الماضي. وفي هذا الإطار أؤكد ضرورة فتح الصندوق الأسود لحقوق الإنسان ومحاسبة كافة المتورطين في ارتكاب جرائم وانتهاكات طوال السنوات الثلاثة الماضية.

ما مستقبل المصالحة بين فرقاء الثورة؟

ستأتي المصالحة مع الزمن عندما يسعى الجميع للتلاقي والتخلص من الهواجس التي تسكن العقول والقلوب، ويجب أن يدركوا أن شقاقهم يصب في مصلحة العسكر وحدهم.

استقلت من منصبك كمستشار للرئيس مرسي واستغل الإعلام الواقعة للهجوم على مؤسسة الرئاسة آنذاك، هل ندمت؟

لم أندم على أي قرار اتخذته سواء بالانضمام للهيئة الاستشارية لأول رئيس مدني منتخب يأتي من رحم ثورة 25 يناير، ولم أندم كذلك على التقدم بالاستقالة احتجاجا على سقوط دماء في عهد الرئيس المنتخب في أحداث الاتحادية، ديسمبر/كانون الأول 2012، الأمر الذي لم نرغب في حدوثه، اعترضت أيضا على تباطؤ مؤسسة الرئاسة في عملية الإصلاح وعدم استفادتها من فرص التغيير الجذري الثوري التي أتاحتها ثورة 25 يناير.

العدالة الانتقامية

تم حذف 100 ورقة من قضية اتهام الرئيس وعدد من قيادات الجماعة بقتل المتظاهرين في القضية المعروفة إعلاميا بأحداث الاتحادية، كيف ترى الأمر؟

هي محاكمات انتقامية وانتقائية في المقام الأول، والأزمة ليست باستبعاد الـ 100 ورقة ولكن في من له مصلحة في انتزاع هذه الأوراق وهو ما يثير الشكوك حول المؤسسات المعنية بالتحقيق والتقاضي ويسيء إليها، وهو ما يؤكد أن هذه المحاكمات ليس لها أي أساس.

كيف ترى إحالتك للتحقيق في الجامعة بتهمة الجمع بين وظيفتين؟

كما أن محاكمة الرئيس مرسي وقيادات الجماعة انتقائية وانتقامية لهذا الفصيل السياسي، تأتي أيضا إحالتي للتحقيق وإصدار قرار بوقفي عن العمل لمدة 3 شهور بعد التحقيق معي بنصف ساعة بدافع الانتقام لموقفي المناهض للانقلاب على الرغم من عدم انتمائي للجماعة.

وجد رئيس الجامعة الباب واسعا لممارسة بعض صلاحياته بإصدار قرار بوقفي عن العمل وهي أقصى عقوبة يمكن توقيعها على الأستاذ الجامعي وفقا لقانون تنظيم الجامعات لمصلحة التحقيق الذي اتهمت فيه بالفساد والاستيلاء على المال العام بدعوى الجمع بين وظيفتي كأستاذ جامعي وعملي كعضو هيئة استشارية للرئيس على الرغم من عدم حصولي على المكافأة التي خصصتها مؤسسة الرئاسة لأعضاء الفريق الاستشاري، كما لم أغير وظيفتي في بطاقة الرقم القومي وفي جواز السفر، ولم أحصل على جواز سفر دبلوماسي أو أي امتيازت مادية أو معنوية طوال فترة عملي.

كنت قد قدمت إخطارا للجامعة بانضمامي للفريق الاستشاري للرئيس، كان ذلك في صيف 2012 ولم أتابع الإجراءات، وفوجئت بعدها بعدم عرض الإخطار على مجلس القسم بالكلية، وبناء عليه تقدمت من جانبي بالطعن على قرار وقفي عن العمل أمام مجلس الدولة، وتقدمت بتظلم لرئاسة الجامعة، وأنتظر ما ستؤول إليه الأمور.

مرض الشارع

كيف ترى المواجهات التي اندلعت بين قوات الجيش والشرطة في إمبابة أخيرا، خاصة أنها لم تكن المرة الأولى؟

ما حدث يذكرني بما حذر الخبير العسكري اللواء عادل سليمان من حدوثه في حالة استمرار وجود الجيش في الشارع لفترات طويلة وإصابته بما يسمى بـ"مرض الشارع"، خاصة أنه غير مؤهل للتعامل مع المدنيين على عكس قوات الشرطة لأنها شبه عسكرية لكنها في الوقت نفسه معتادة على هذا الأمر، وهذا سبب الأزمة التي ستتفاقم مع استمرار وجود قوات الجيش في الشارع بعيدا عن مكانها في الثكنات.

المساهمون