طريق إلى القاهرة يمر من حلب

طريق إلى القاهرة يمر من حلب

14 فبراير 2016
الصورة

لا إمكانية لقوة عربية مشتركة من دون مصر

+ الخط -

 

في حلب والمقدادية وصنعاء وطرابلس، في قرى ودساكر كثيرة، تجري صناعة مشاهد مجتزأة، ربما تصل إلى حد السيطرة على قريةٍ هنا، ومفرق طريق هناك، لكنها تشكل المداميك الأساسية في إعادة البنيان الجيوسياسي للمنطقة، يحصل ذلك بتصميم وإلحاح من الأطراف المنخرطة في الهجوم على الجغرافية العربية، وبغياب وعي عربي جمعي عن المشهد وتشكّلاته.

وبكلف منخفضة نسبياً، تجري عمليات إعادة تموضع كبرى في مفاصل النظام الإقليمي العربي، بالتزامن مع محاولات إجراء تعديلات في بنية النظام الدولي وتراتبية القوة فيه، وانخفاض التكاليف محفز لصناعة ديناميات تخريبية في المنطقة، تبدأ اليوم في شوارع بعض المدن، وتنتهي بترسيمات إقليمية كبرى، فضلاً عن أنها تصنع نمطاً من القيادات المتوحشة والآراء العامة المتطرفة في بلدانها، تصبح نهمة ومتطلبة لمزيد من الإنجازات، ذات التكلفة الرخيصة والمدعّمة للحس القومي، وليس هناك فراغ مغرٍ لتصريف تلك البطولات وتظهيرها سوى العالم العربي، بحيث تصبح أمكنته فرصة لتسجيل أكبر عدد من النقاط، تحصيناً للمواجهات الكبرى في الملعب الدولي.

لا تحتاج اللعبة إلى شرح كبير وتفصيل خرائطي. هي عملية تغيير حيوسياسي كبيرة، تأخذ شكل القضم التدريجي والتحطيم المنهجي، عمليات التطهير والحصار في مضايا والمقدادية وبعض قرى حوران السورية وشوارع حمص، إن طالت سكان هذه البلدات لكنها تتجاوزهم إلى إطباق الحصار على عالم عربي أوسع، وكل شارع يسقط في مدن سورية وعراقية هو بمثابة تحطيم ركن في النظام الإقليمي العربي.

يتركّز معظم الضغط الآن على الخليج العربي، باعتباره القوة الوحيدة التي يمكن أن تشكل نواة لقيامة النظام العربي، ولديها القدرة على ترميم الخراب الحاصل، وتتمحور الجهود حول دفع الخليج إلى الإنكفاء عن الساحات المشرقية في مرحلة أولى، وتأخذ هذه المحاولات مظاهر متعددة من التهديدات الإيرانية الصريحة إلى التهديد الروسي المبطّن، وصولاً إلى الإنفكاك الأميركي عن التنسيق الأمني والإستراتيجي مع هذه المنطقة، وتركها تواجه المخاطر منفردة.

وفي الخليج إدراك إستراتيجي ناهض يعتبر أن سورية والعراق صارت خطوط دفاع أولى عن الأمن الخليجي، وتقدير أن سقوط المقاومة فيهما سيكون بداية مرحلة العبث بالجيوسياسية الخليجية وإعادة تشكيلها، ليس بما يتوافق مع خطوط الدم وحدود إنتشار الطوائف. ولكن، بما يتوافق، أيضاً، مع خطوط الغاز والنفط، بوصفها المدعّم الحقيقي لصعود القوة الناهضة دولياً وإقليمياً.

تتعامل الأنظمة العربية القادرة على التأثير في حماية بنية النظام الإقليمي العربي، وعدم تغيير ديناميكية الصراع في المنطقة، انطلاقاً من مبدأ توفير الجهد لما تعتقده أولويات أمنية داخلية، واستحقاقات مقبلة. لكن، العدو فيها دائماً داخلي بامتياز، وكأن الحظر الخارجي أمر ملغى من أجندات تلك الأنظمة، وكأن البيئة الدولية أصبحت صحّية، إلى درجة أن التوجّس من مخاطرها نوع من الترف التقديري الذي لا يلزم الأنظمة المشغولة بأعدائها الذين يجري تصنيعهم غالباً، وتضخيم أحجامهم ومخاطرهم في غرف إستخباراتية معتّمة.

وتمارس الأطراف الخارجية سياسات عزلٍ، تقوم على حصر إنخراطها مبدئياً ضمن مناطق محدّدة "التدخل الروسي- الإيراني في سورية". ويبعث هذا النمط التدخلي رسائل إغراء تكتيكية لبعض الأنظمة العربية، بعضها يقوم على التخلص من أعداء محتمليين "الجماعات الإسلامية"، وبعضها ينطوي على إحتمالية منح أدوار وظيفية، لكن هذه الإغراءات تنطوي على مخاطر أمنية قاتلة، على المديين المتوسط والبعيد، بحيث يصبح أمن البلدان العربية تحت خطر الإنكشاف على قوى خارجيةٍ، لا يتوفر معها ضمانات بعدم التمدد أكثر في الفضاء العربي.

في هذه اللحظة الحاسمة، ترنو العين إلى مصر، فلا إمكانية لقيام قوة عربية هجومية، بدون قيادتها ومشاركتها. وبدون مصر، ستبقى القوة العربية دفاعية، ستضطر مع إستمرار الضغط إلى التراجع عمّا تعتبره أقل قيمة وأهمية إستراتيجية أمام تصاعد الخطر والتهديدات. ومع مصر، ستتحول القوة العربية إلى قوة هجومية مبادرة في الإقليم. ثقل مصر السكاني ورمزيتها السياسية وعلاقاتها التاريخية يمنحانها هذه الصفة. مع مصر، يتوقف تآكل قوة الخليج المادية وقدراته العسكرية التي يجب أن توفّر للقادم، وحتى قدرة مصر، في إطارها العربي، سيجري ترميمها وتدعيمها، مصر التي بإمكانها رفد القوة العربية تستطيع أن تحقّق جل أهدافها من خلال عملية اندماج ضمن المصالح القومية والأمنية العربية.

تمتلك مصر كل المقومات التي تجعلها عاملاً مساعداً على وقف الإنهيارات الحاصلة في الفضاء العربي. وبدمج تلك المقدرات مع الإمكانات التمويلية الخليجية وقوة المقاومة في المشرق العربي، يمكن صناعة نطاق أمني يشكل في مرحلة أولى درع حماية للإطار العربي الذي بات سريع الإنفراط في ظل الهجمة الخارجية الشرسة، ومن ثم يمكن الإنطلاق إلى مواقع أكثر تحصيناً.

هذا التحول يحتاج إلى ثورة إدراكية عالية بأهمية النطاق القومي، بالتراكب مع درجة عالية من الحساسية للمخاطر، وتحديد ليس مصادر الخطر وحسب ولكن أيضا طرق مواصلاته وخطوط مساراته، فعندما يسقط مركز بحجم حلب، تصبح المسافات الباقية للقاهرة مجرد مسافة سكة، لأن خطوط الدفاع تصبح أكثر رخاوة وضعفاً، والأهم أن روح المقاومة تبدأ بالإنحفاض، كما انهارت تاريخياً في أثناء الغزو المغولي والإستعماري، مثل أحجار الدينامو، والأهم من هذا وذاك أن الخيارات تصبح ضيقة ومحدودة، ومن الغريب أن الخارج يشن هجومه علينا، ليرفع من أسهم خياراته، فيما نسير نحن إلى الإنحشار في زواية ضيقة، بعيون مفتوحة.