صارت معي... بين حيفا وبيروت

15 مارس 2020
+ الخط -
قصّة ترويها مسنّة من حيفا
أنا ابنة حيفا، لا أزال أذكر لمّة نسوان الحي الصبح، لتناول القهوة وزيارات المساء غير المتوقّعة وأحاديثنا البسيطة. لكن هناك أحداث تتحكّم أحياناً بذكريات سنين من العمر على الرّغم من أنّها كانت مجرّد لحظات، ويصعب محوها من الذاكرة مهما حاولنا. هي تلك المواقف التي تصعقنا وتأتينا من حيث لا ندري.

أمسية واحدة فقط، كانت كفيلة أن تقلب حياتي رأساً على عقب. أمسية هادئة صافية، من ليالي صيف حيفا. ومن لا يعرف حيفا، لن تسعفه مخيّلته مهما اتّسعت، على تصوّر جمالها.

جهّزت العشاء، وبالغت ذلك المساء، في الاهتمام بمظهري قليلاً أكثر من المعتاد. أردت أن أبدو أجمل في عيني زوجي، ولم أعرف سبباً لذلك الإحساس آنذاك. صفّفت شعري الأجعد، وارتديت الفستان المفضّل لديه، كنت نحيلة متوسطة القامة، لكنّني كنت أشعر بأنّني أجمل النساء كلّما وقعت نظراته عليّ.

أذكر ذلك المساء لحظة بلحظة. خرجت إلى الصالة حيث كان يستمع إلى المذياع. نظر إليّ، وأضاءت ابتسامته روحي كالعادة. اقترب منّي وهمس كلمة لم أفهمها، منعني من استيعابها، صوت طرقات على الباب، كان ابن الجيران يقف هناك. ثمّ قال: "كنت ألعب بالقرب من المبنى، فتوقّفت سيّارة بداخلها رجلان، يسألان عنك".

كان زوجي ناشطاً سياسياً. خرج بسرعة، وبعد خطوات معدودات، عاد أدراجه. أخذ علبة السجائر وابتسم، قال: "نضيفهم سيجارة عيب". كان يتمتّع بروح مرحة وكريماً للغاية.

دخلت لأطمئن على أولادي في غرفتهم، وبينما كنت أستمع إلى أحاديثهم البريئة، سمعت صوت طلقات رصاص، تبعها هدير سيارة تنطلق بسرعة وصرخات دبّت الرّعب في قلبي. 


كنت حاملاً بطفلي الرابع، فنزلت الدرج بكل ما أوتيت من قوّة، مهرولة وأنا أصلّي وأتضرّع أن يكون زوجي بخير. وقفت أمام مدخل البناية، مشدوهة. في لحظات كان أهل الحيّ برمّته قد تجمّعوا. لم أستطع رؤية المصاب. وارتفعت أصوات تصرخ للاتصال بسيارة إسعاف. جلت بنظري أبحث عن زوجي، ورحت أتدافع معهم للوصول إلى الجريح. أفسحوا لي المجال عندما لاحظوا وجودي. تراجعوا بضع خطوات بحذر وكانوا كمن يترقّب انفجار بركان. نظرت إلى الأرض، كان زوجي ممدّداً هناك غارقاً بدمائه. تجمّدت للحظات، قبل أن أرتمي بالقرب منه وأحتضنه بحثاً عن نبض حياة... لا شيء. ولا شعورياً احتضنته بقوّة أكبر. كنت أحاول الإمساك بروح أعشقها وأمنعها من مغادرة جسد لفظها... اصطبغ كل شيء من حولي بالسواد، لم أعد أرى الناس أو أميّز ما يتفوّهون به.

كان صراخي في تلك اللحظة، صدى ألم جمع أصوات نساء العالم المفجوعات. صرخات اخترقت سماء حيفا الأشبه بلوحة زجاجية وحطّمتها، فتساقطت شظاياها، تدمي روحي وتترك فيها ندوباً لا تمّحى.

صارت معي، وغادر زوجي هذا العالم بسرعة البرق. في ثوانٍ ترمّلت هذه الامرأة المفعمة بالحياة وهي في العشرينيات من العمر وباتت هي المسؤولة عن إعالة أطفالها وحدها.

كنت مدرّسة فحاولت الاستمرار في العمل مع مساعدة أهلي. لكن بعد سنة تقريباً تدهورت الظروف الأمنية في المنطقة. وخفت على سلامة أطفالي، فقرّرت إيداعهم في مدارس داخلية في لبنان. تركت طفلي الرضيع مع أهلي ريثما أعود. هذا الطفل الذي لم يكتب له القدر أن يرى وجه والده، وولد يتيماً.

انطلقت إلى بيروت حيث كان يقيم أخو زوجي وعائلته، على أن أمكث هناك فترة من الوقت، أرتّب فيها وضع المدارس لأولادي.

استقبلوني بالترحاب في البداية، لكن الضيف يبقى ثقيلاً خاصّة عندما تكون الأوضاع الاقتصادية شبه معدومة، كنت أحاول بأقصى سرعة الانتهاء من المهمّة التي أتيت لأجلها والعودة.

ما لم يكن في الحسبان، إغلاق الحدود بين لبنان وفلسطين. صدر القرار بينما كنت في بيروت. قرار حرمني طفلي الرّضيع ربّما إلى الأبد، واقتلعني غصباً عنّي من أهلي وأحبابي والمكان الذي عشت فيه أجمل الذكريات وأكثرها مرارة. حيفا الغالية التي منحتني الحياة وسلبتني إيّاها.

مع صدور هذا القرار، ازداد امتعاض أخي زوجي من وجودي الذي بات واضحاً أنّه أطول ممّا توقّع. أودعت ولديّ في إحدى المدارس الداخلية وابنتي في مدرسة أخرى، ورحت أبحث عن عمل، أي عمل يؤمّن لي سكناً وحياة بسيطة.

كنت شابة وحيدة يائسة مفطورة القلب، وكلّما طرقت باباً أسأل عن فرصة، أتعرّض لمضايقات لا أحتملها. مرّ أكثر من عام وأنا على هذه الحال، حتى صرت عبئاً واضحاً على أخ زوجي وعائلته، وطلب منّي مباشرة، الرّحيل بأقرب وقت ممكن.

خرجت أجول شوارع بيروت على غير هدى، تمنّيت أن تدهسني سيّارة وأموت... قد لا نعرف قيمة أهلنا ووطننا سوى حين نجد أنفسنا وحيدين في بلاد غريبة... سرت لساعات حتى وصلت إلى سكّة حديد، وقفت هناك أراقبها وأفكّر بالانتحار...

يتبع..