صارت معي... لا تسقطوا هذه التماثيل!

11 يونيو 2020
+ الخط -
وأنا أتابع أخبار وفاة فلويد، تمنّيت ألّا تكون فقط الشرارة التي هبّ معها السود ليصرخوا بأعلى صوتهم: "حياة السود مهمّة"، بل أن تكون الشعلة التي آن لها أن تتسلّل إلى عروق كل ثائر على الظلم والاستبداد، بغضّ النظر عن هويّة الجلّاد أو الضحية.

وعادت بي ذاكرتي إلى طفولتي. أحببت حلوى "راس العبد"، وكنت أشتريها، من دون ان ألحظ الكمّ الهائل من العنصرية، الذي يحمله اسمها. أو تلك النفوس المريضة التي تربي أجيالاً على العنصرية المقيتة، وكأنّها أمر طبيعي ومسلّم به.

وكبرت وغادرت بلدي، وفي داخلي نعرة عنصرية تجري في عروقي. وما إن بدأت الاختلاط بشعوب وثقافات جديدة، حتى انهارت العديد من المفاهيم والمبادئ التي تجرّعتها في الصغر. أعراق كنت قد بالغت في تعظيمها، وأخرى حملت لها في داخلي دونية، واحتقرتها واستخففت بها من دون أن أفقه عنها شيئاً، وسرعان ما أدركت أن أصحاب البشرة السوداء، هم الأكثر اضطهاداً على مرّ الأزمنة وفي معظم أصقاع الأرض.


عايشت أنواعاً من العنصرية، ليس فقط ضد السود، بل ضد الآسيويين وضد بعضنا البعض. وأذكر موقفاً، أعجز عن نسيانه على الرّغم من بساطته، ذات يوم، اجتمعنا في غرفة المدرّسات، خلال فترة إقامتي في دولة عربية حيث عملت مدرّسة، وصدف أن خلعت زميلتي حجابها، ثمّ سمعنا طرقات على الباب، وبدا الناطور الهندي، من الشرخ، يستأذن الدخول لتسليمنا ما طلبناه من عصائر وسندويشات. التفتُّ إليها أحذّرها أن تغطي شعرها، ابتسمت بهدوء وقالت: "إنّه مجرّد هندي لا يهمّ".

وذات مرة ليست بالبعيدة، رافقت ابنتي إلى موعدها مع طبيب عيون في لندن، وخلال الفحص، أدركت أنّ الطبيب من أصول باكستانية، وعلم هو أنّني من بلد عربي، فقال:"لا تعتبري موقفي شخصياً، لكنني على الرّغم من كوني مسلماً أكره البلاد العربية ومن فيها". أزعجني تعليقه الذي يضعنا جميعنا في إطار عنصري مقيت، وللوهلة الأولى أردت أن أجادله، لكنّني سرعان ما تريثت، كنت أعلم ضمنياً أنّنا شعوب معتلّة بالعنصرية والطائفية، فاخترت الصمت.

أمّا في بلد يتشدّق بالديمقراطية، وفي العاصمة البريطانية لندن، فتعرّض أخي حنطي البشرة لضرب همجي من مجموعة من الشباب البيض، وتركوه يتأرجح بين الحياة والموت، فكتبت الشرطة تقريراً وأقفلت القضية ضدّ مجهولين.

اليوم، مع امتداد المظاهرات حول العالم بسبب وفاة جورج فلويد المواطن الأميركي، رحت أبحث في تاريخه، أردت أن أعرفه كإنسان، أن اقترب من حياته. نعم، لم يكن فلويد قدّيساً، لكنّه كان كغيره من أبناء جلدته المضطهدين، لا بل أيضاً من طبقة الفقراء المهمّشين، الفقير الذي يقتل من أي لون أو عرق كان، من دون أن يحرّك العالم ساكناً.

لا قيمة لحياة الفقراء، لذلك ربّما لم يتوقّع هذا الشرطي وهو يقطع الأنفاس الأخيرة لضحيته، أن تعمّ الاحتجاجات المدن وأن تقوم الدنيا ولا تقعد، ولماذا يكترث؟

فها هو العالم بأسره يشهد غرق المهاجرين شبه اليومي في وسط البحر، على شاشات التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي، ولم نرَ أي مظاهرات حاشدة أو حتى خجولة، فضلاً عن صورة جثّة الطفل السوري إيلان، التي وجب أن تحرّك المشاعر في التماثيل والجماد، لكنّها لم تكن كافية لإثارة غضبنا، لتحفيزنا على الصراخ، لتفجير الخوف الجاثم على صدورنا، للتخلّص من أنانيتنا في التفكير "أنا ومن بعدي الطوفان". كذلك المتاجرة بالمهاجرين الأفارقة وبيعهم عبيداً، لغاية يومنا هذا، وقصص مقتل الخادمات وتعذيبهنّ واحتقارهنّ وكأنّهنّ من جنس بشري متدنٍّ، هي بذاتها دراما لا نهاية لها.

بيد أنّ ردة الفعل الصادمة على وفاة فلويد جاءت لتخيب ظنون الشرطي المستهتر، وتتجاوز جميع التوقّعات. وأثبت أصحاب البشرة السوداء أنّ آلامهم لم تعد مجرّد صرخات استغاثة، تختفي في فضاءات استعمار الرجل الأبيض، بل تحوّلت اليوم إلى صراخ غاضب، موحّد يزداد صلابة وقوّة، ليدبّ الرعب في قلوب رؤساء أعتى الدول. ها هم يطالبون العالم بحقوقهم وبإسقاط تماثيل تجّار رقيق، لشخصيات تاريخية، استعبدتهم ونكّلت بهم.

وتلوح في الأفق بوادر استجابة المجالس البلدية في جميع أنحاء بريطانيا، حيث تناقش إمكانية إزالة عشرات التماثيل التي كانت مصدر فخر لها، ولم تتوقّع أن يأتي يوم تخجل منها.

ووجدت نفسي أرغب في المحافظة على هذه التماثيل. وأقول: "لتبقَ هذه التماثيل، مصدر إحراج، تشهد على تاريخ عنصري مقيت، وليكتب تحت كل منها تعريفٌ دقيق لما ارتكبه أصحابها من انتهاكات لحقوق الإنسان. لتبقَ أدلّة شامخة ناطقة بالعنصرية، تثبت وتذكّر الدول التي تنادي بالديمقراطية، بهمجيتها وتمنعها من تزوير التاريخ".

أكرّر: "لا تُسقطوا هذه التماثيل".