شيماماندا أديشي.. شعر أفريقيا الأجعد

10 فبراير 2015
الصورة
الكاتبة في "مهرجان غارديان" 2004 (تصوير: ديفيد ليفنسون)

ليست النيجيرية شيماماندا نغوزي أديشي الكاتبة الأفريقية الوحيدة التي يتسابق الناشرون الغربيون منذ فترة قصيرة على نشر أعمالها، وتحظى إصداراتها باهتمام واسع من قبل النقاد؛ لكنها تبدو الصوت الأكثر وقعاً في الغرب من بين الكتّاب الأفارقة الذين ينتمون إلى جيلها.

يتجلى ذلك بقوة من خلال التغطية الإعلامية التي حظيت بها روايتها الثالثة "أميريكانا" التي صدرت بالإنجليزية عام 2013 عن "دار ألفرد كنوف" النيويوركية، وصدرت ترجمتها الفرنسية أخيراً عن "دار غاليمار" الباريسية.

العمل نص روائي جميل تمكّنت أديشي فيه من أن تجدل، بمهارة فائقة، أسئلة العرق والـ"جندر" والهوية، وأيضاً أسئلة الوحدة والرومانسية وتحقيق الذات، في عالمٍ حلّت الحواجز الأخلاقية فيه مكان الحواجز الجغرافية والسياسية.

عملٌ تخطّ الكاتبة فيه قدر شابّين نيجيريين: أوبينزي المتعهّد الذي يقرر اقتلاع نفسه من طبقته الاجتماعية من دون أن يفقد روحه، وإيفيميلو، حبيبة أوبينزي في مرحلة الطفولة والمرأة القوية التي غادرت أرض أجدادها للدراسة في أميركا، حيث أطلقت مدوّنة شعبية "حول الأميركيين السود الذين كنّا نسمّيهم في الماضي زنوجاً". امرأةٌ لن تلبث أن تملّ من حياتها الأميركية وتبدأ بالتفكير جدياً في العودة إلى وطنها للبحث عن أوبينزي الذي لم تنسه أبداً.

ولا يختلف قدر إيفيميلو كثيراً عن قدر أديشي التي ولدت عام 1977 في مدينة أونوغو، جنوب نيجيريا، وكبرت في كنف والدها، الأستاذ الجامعي في مادة الإحصائيات. "بدأتُ الكتابة في اليوم الذي تعلّمتُ فيه الأبجدية"، تقول لأحد الصحافيين الفرنسيين، و"شكّلت الكتابة دائماً بالنسبة إليّ مصدر فرح ورضى لا يوصف". ومع ذلك، اختارت دراسة الطب، قبل أن تقرر عبور المحيط الأطلسي لدراسة "الاتصال" في فيلادلفيا.

"كانت صدمة بالنسبة إليّ"، تقول أشيدي في الحوار نفسه. "حين نكون من أفريقيا الغربية، حيث لا تُطرح مسألة العرق من منطلق هوياتي، نُصدَم حين نصل إلى أميركا ونكتشف، بين ليلة وضحاها، أننا سود، ما يجبرنا على إعادة التفكير ليس فقط بهويتنا، بل أيضاً بالتفاعلات التي سنتمكّن من تحقيقها مع العالم الذي يحيط بنا".

مع ذلك، ستفرض الكاتبة نفسها داخل محيطها الجديد وتنال شهادتها الجامعية بتفوّق، وتتابع دروساً في الكتابة الإبداعية، وتنشر قصائد، وتحصد مديحاً من بعض الصحافيين على روايتها الأولى "الخبّيزة الأرجوانية" (2003) التي تقع أحداثها في نيجيريا بعد الاستعمار. لكن يجب انتظار روايتها الثانية "نصف شمس صفراء" (2006)، التي تدور أحداثها في نهاية الستينيات، خلال "حرب بيافرا" الأهلية، وتحتفي فيها بوطنها وجدّها الذي ستنقطع أخباره في أحد مخيّمات اللاجئين؛ كي تتمكن أشيدي من احتلال موقع في الساحة الأدبية العالمية. إذ ستسجّل الرواية نجاحاً كبيراً وتنال "جائزة أورانج" ويُقتبَس من نصّها فيلم روائي.

وثمة حدثٌ آخر سيضع الكاتبة تحت الأضواء. في 2012، قدّمت محاضرة في لندن بعنوان "نحن جميعاً نسويات"، صفّق في نهايتها الحاضرون طويلاً لها، ونُشر بعد ذلك نصّ المحاضرة في عدة لغات، وتستحضر فيه نضالها كامرأة وكأفريقية ضد الآراء المقولبة بشأن الـ"جندر" والهوية. وإثر استخدام المغنية الأميركية بيونسي مقتطفات من هذا النص في أغنيتها Flawless، ستتحوّل أشيدي إلى ناطقة باسم حقوق النساء في أفريقيا.

حول هذه الحقوق، تقول: "رجال ونساء كثر في أفريقيا يرفضون الإصغاء إلى خطاب الحركة النسوية الذي يرون فيه أيديولوجيا "بيضاء" تتوجّب محاربتها. لكن مسألة الـ"جندر" هي مشكلة مطروحة في جميع أنحاء العالم. الاختلاف الوحيد بين هذا البلد أو ذاك، حول هذه المشكلة، هو مستوى إنكار حقوق المرأة مقارنةً بحقوق الرجل".

اليوم، تعيش أشيدي بين نيويورك وضواحي لاغوس المكتظّة بالسكان، حيث تعطي دروساً في الكتابة وتكتب بجرأة عن بلدها الذي يعاني من ديمقراطية هشّة وتطوّر متعثر، وتهديدات جماعة "بوكو حرام" المتطرّفة. بلدٌ بهوية ممزّقة، يتقدّم بصعوبة نحو الحداثة، بين تقليد وتغريب.

لكن في رواية "أميريكانا" تتجاوز الكاتبة هذه المشاكل لتقارب، بلغة إنجليزية مبسّطة، التصرّفات المنمّطة والكليشيهات، من قارة إلى أخرى، ولتستكشف - عبر تنقّلات أبطالها بين لندن وبرينستون - ظروف المهاجر الحديث التي تختلف كثيراً عن المنفى الذي عاشه المهاجرون في الماضي. فرغم تمتّعه بالمسكن والمأكل ووسائل الاتصال، لا يشعر هذا المهاجر بالسعادة لضياعه في فضاءٍ يقع بين ثقافتين ولا يترك له أي مجال للاندماج بالآخرين.

إيفيميلو مثلاً، المستعجلة على التخلّص من لكنتها النيجيرية، لا تتمكن من استعادة اعتدادها بنفسها إلا حين تتقبّل شعرها الكثّ والأجعد. "الشعر كاستعارة للعرق" هو، فضلاً عن ذلك، عنوان أحد النصوص القوية التي ستنشرها في مدوّنتها، وتعبّر فيه عن اشمئزازها من طغيان البشرة البيضاء داخل المجلات النسائية، ومن "التقدّم" المزعوم في مكافحة العنصرية، ومن سلوك الآخرين المزيّف تجاهها. وفي هذا السياق، تمسك أشيدي يد قارئها وتطوف به داخل المجرّة السوداء لإطلاعه على تنوّعها الذي بلا نهاية، وغناها باللقاءات وبالمشاهد اليومية الممتعة، وذلك بحسٍّ دعابي لاذع لكن مُشبع بالإنسانية.

ولعل قوة "أميريكانا" تكمن في هذه الميزة تحديداً، الإنسانية. فبدلاً من الاكتفاء بالجانب الهجائي، لا تنسى الكاتبة في روايتها الضخمة (524 صفحة) شخصيتيها الرئيسيتين وقصة حبّهما المعقّدة، المليئة بالانفعالات القوية والطرافة.

"الرومانسية عنصر أساسي في كل أدب حديث"، تقول أشيدي في حوار آخر معها، "عالمنا الذي يحبّ السخرية كثيراً يجد أن التحدّث عن العواطف وتصديق إمكانية أن نحبّ ونُحَبّ، هما أمران مشبوهان. في هذا الكتاب، أردتُ محاربة هذه التمثّلات وكتابة قصة حبّ حقيقية، لكن من دون الوقوع في فخ الحكايات العاطفية الرخيصة. قصة حبّ على الطريقة القديمة، مع اختلاف واحد هو أن المرأة تلعب في العلاقة دوراً معادلاً لدور الرجل".

آخر ثمار حفاوة العالم الأنغلوسكسوني والفرانكفوني بـ"أميريكانا" كان شراء الممثل براد بيت حقوق الكتاب من أجل تحويله إلى فيلم سيبدأ تصويره في هوليود قريباً، مع نجمة الثقافة الأفريقية الأخرى، لوبيتا نيونغو، في دور البطولة. ممثّلة سيقع على عاتقها حمْل هذا النص الغني والفريد الذي يشكّل نشيداً لشباب معولَم، يعاني من بلبلة في قناعاته ونقاط استدلاله الثقافية.