شائعات وفاة بوتفليقة... رواية مكرّرة يُثير غموضَها صمت رسمي

04 مارس 2017
الصورة
تعايُش الجزائريين مع شائعات صحة الرئيس (باكير رمزي/ الأناضول)
+ الخط -

لم تنته الشائعات المتعلقة بالوضع الصحي للرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة منذ إصابته بوعكة صحية أولى في أبريل 2013، لكنها هذه المرة جاءت بشكل أكبر من سابقاتها، في ظل إخفاق رسمي في التواصل بشأن وضع صحة الرئيس.

 

 في الثاني من مارس/ آذار الجاري، دخل بوتفليقة عقده الثمانين، عدد من أنصاره ومواقع وصحف إخبارية احتفت بطريقتها بعيد ميلاد الرئيس، لكن هذا الاحتفاء جاء وسط سلسلة من إشاعات متداولة تخص صحته، تحدثت بعضها عن وفاته، وذهبت إلى حد التخمين أنه قد يكون توفي قبل أيام، وأن السلطات وقادة الجيش يتريثون للإعلان عن وفاته بعد استكمال كافة الترتيبات.

وانعكست هذه الشائعات على المشهد الإعلامي، إذ نشرت مواقع وصحف أجنبية أخباراً عن إمكانية أن يكون الرئيس بوتفليقة قد توفي.  

وجاءت هذه الشائعات مع تخمينات تتصل باعتذار الرئاسة الجزائرية، الإثنين قبل الماضي، باسم الرئيس بوتفليقة عن استقبال المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، بسبب إصابة الرئيس بالتهاب في الشعب الهوائية.

 ولم تعلن الرئاسة الجزائرية لاحقاً عن أية تفاصيل أو تطورات تخص الحالة الصحية للرئيس، وعدم ظهوره، منذ ذلك الوقت، مقارنة مع حرص الرئاسة على ظهوره في حالات سابقة مباشرة بعد تعرضه لوعكة صحية، من خلال استقباله شخصيات سياسية دولية، خاصة الدبلوماسي الجزائري الأخضر الإبراهيمي، الذي كان يتواجد الأسبوع الماضي في الجزائر، دون أن يستقبله الرئيس بوتفليقة كما حدث في أكثر من خمس مرات سابقة.

ويعاني الرئيس الجزائري من وعكة صحية ألمت به في أبريل/نيسان 2013، نقل إثرها إلى مستشفى في باريس، مكث به 81 يوماً للعلاج من جلطة دماغية. فيما كانت التوقعات تشير إلى إمكانية عدم ترشح الرئيس بوتفليقة بسبب ذلك للانتخابات الرئاسية التي جرت في أبريل/نيسان 2014، تقدم بوتفليقة بترشحه وفاز بالانتخابات دون أن يقوم بحملة انتخابية، ورحل خلال السنتين الأخيرتين الى فرنسا وسويسرا للعلاج، أو لإجراء فحوصات دورية.

وبرغم سريان هذه الشائعات بشكل كبير، وانتقالها إلى بعض الوسائط الإعلامية، فإن الجهات الحكومية في الجزائر، لم تعلن عن أي موقف أو تفسير أو تأكيدات تتعلق بصحة الرئيس بوتفليقة.

وزاد هذا الانغلاق الإعلامي للمؤسسة الحكومية، والصمت الرسمي في سريان هذه الشائعات، برغم محاولة الأمين العام لحزب "جبهة التحرير الوطني" جمال ولد عباس، التأكيد على أن صحة الرئيس بوتفليقة جيدة، وأنه تعافى من وعكته الأخيرة، لكن الموقع الحزبي غير الحكومي لولد عباس لا يعطي لتصريحاته مصداقية كبيرة، عندما يتعلق الأمر بشأن صحة الرئيس.

وفيما تراجع اهتمام الشارع الجزائري بصحة بوتفليقة أو شائعات وفاته، دفع الغموض والتشكيك في وضع الرئيس الصحي وصلته ببعض القرارات السيادية، مجموعة مشكلة من 19 شخصية سياسية وتاريخية وثقافية في الجزائر، بينها الكاتب رشيد بوجدرة، والأمينة العامة لحزب العمال اليساري لويزة حنون، ولخضر بورقعة أحد قادة ثورة التحرير، إلى توجيه رسالة الى الرئيس بوتفليقة وطلب لقاء صحافي.

 وشككت هذه الشخصيات في أن يكون الرئيس بوتفليقة وراء بعض القرارات السياسية والاقتصادية، التي اعتبرتها هذه المجموعة موجهة ضد الشعب، ولصالح الكارتل المالي.

وفي منتصف 2014، دفع الغياب الرسمي للرئيس بوتفليقة عن المشهد الرسمي، مجموعة من أحزاب المعارضة إلى التشكيك في إمكانية قيامه بصلاحياته الدستورية، وأعلنت عن مطالبتها المجلس الدستوري بتفعيل المادة 88 من الدستور حينها (المادة 104 في الدستور المعدل في فبراير 2016)، والتي تنص على شغور منصب الرئيس بداعي صحي، وتنظيم انتخابات رئاسية مسبقة.

لكن هذه المساعي اصطدمت برد سياسي عنيف من الحكومة والأحزاب الموالية للرئيس، ذهب خلالها بعض قادة هذه الأحزاب إلى التأكيد على أن الرئيس يفكر بعقله أفضل من الأصحاء، وربط حالته بحالة الرئيس الأميركي، فرانكلين روزفلت، الذي قاد أميركا خلال الحرب العالمية الثانية، وهو مقعد على كرسي متحرك.

ما زال الجزائريون يعيشون، منذ عام 2013، على شائعات مرض أو وفاة الرئيس، وأطلق بعضهم تعليقاً على غموض الموقف من صحة الرئيس، "نحن الشعب الوحيد الذي لا يعرف إذا كان رئيسه حياً أو ميتاً".

 وفي كل مرة تحتاج السلطات إلى استحداث حالة استقبال لشخصية سياسية مهمة كرئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، أو الدبلوماسي الأخضر الإبراهيمي أوغيرهم، لإبراز حضور الرئيس وتحسن صحته، وأخفقت الحكومة في بعض هذه المحاولات، وأعطت انطباعاً عكسياً، في حالة استقباله لرئيس الحكومة الفرنسية في يوليو/ تموز 2016، حيث ظهر الرئيس بوتفليقة في وضع صحي مؤلم، وبدا متعباً وشارد الذهن.

 وخلفت تلك الصورة إحساساً بالألم والإشفاق لدى الجزائريين، وتساؤلات في الدوائر والأوساط السياسية والتعليمية الأجنبية، عن سرّ تمسك الرئيس بوتفليقة بالحكم، برغم وضعه الصحي الصعب.

 

 

المساهمون