سياسة التوافقات والديمقراطية التونسية الهشّة

06 اغسطس 2019
الصورة

الرئيس التونسي المؤقت محمد الناصر في وداع السبسي (27/7/2019/الأناضول)

مع اقتراب موعد إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في وقت لاحق هذا العام، أثار دخول الرئيس التونسي، الباجي قائد السبسي، المشفى للعلاج في 27 يونيو/ حزيران قلقا حيال الانتقال السلمي الدائم للسلطة في البلاد. في اليوم نفسه، أدّى تفجيران انتحاريان منفصلان إلى مقتل شرطي وجرح عدة أشخاص. وبعد وفاته في 25 يوليو/ تموز، بدا أن لا ضمانات لهذا الانتقال في ظل تعطيل المحكمة الدستورية، المؤسسة الوحيدة المخوّلة بمعاينة حالة الشغور المؤقت أو النهائي لمنصب رئيس الجمهورية، والتي لم يستطع البرلمان الاتفاق على تسمية أعضائها. الأسباب التي بدت تقنية، وانحصرت في عدم حصول المرشحين على أغلبية الثلثين من الأصوات، أخفت وراءها حساباتٍ أيديولوجية وحزبية ضيقة، عكست الصراع المجتمعي بين التوجهات الإسلامية والمدنية، ودفعت إلى التساؤل عن المسافة التي قطعها التونسيون على طريق دولة القانون والدستور، منذ انطلاق ثورتهم، فاتحة الربيع العربي. 
من المفارقات أن وفاة السبسي أعطت التونسيين دفعة إلى الأمام. الروافع الديمقراطية الفتية عملت بشكل مناسب، واستطاع البرلمان التونسي القيام بعملية انتقال سريع ومنظّم للسلطة، وعيّن رئيسه الحالي، محمد الناصر، رئيسا مؤقتا، مدد حالة الطوارئ شهرا إضافيا في البلاد. وبوصفه الشخصية الأساسية في تونس الديمقراطية، عمل السبسي، رئيسا لوزراء الحكومة 
المؤقتة، على تأسيس القواعد التشغيلية للديمقراطية الفتيّة في تونس: لجنة انتخابات مستقلة، انتخاب الجمعية التأسيسية التي صاغت الدستور، تنحّى ليفسح المجال أمام أول حكومة منتخبة ديمقراطياً في ظل حزب النهضة الإسلامي المعتدل، ولعب دورًا رئيسيًا في نزع فتيل أزمة سياسية كبرى ناجمة عن اغتيال اثنين من السياسيين العلمانيين اليساريين على أيدي مسلحين سلفيين العام 2013.
أسس السبسي حزب نداء تونس في 2012، وحوّله إلى ثقل رئيسي ليبرالي وعلماني في مواجهة منافسه الرئيس، حزب النهضة، ولمّا لم يفز حزبه بالأغلبية المطلقة في الانتخابات التشريعية العام 2014 سعى إلى التوافق مع "النهضة". استعدادُه للتفاوض مع الإسلاميين وُصف بأنه مُبالغ فيه، ولكن قدرة الرجل على الموازنة بين الأيديولوجيا والبراغماتية والقوة، باسم الوحدة، والإجماع، والاستقرار، الكلمات التي تكرّرت كثيرا في خطاباته، وتقديمه تنازلاتٍ عديدة في سبيل المصلحة الوطنية، جعلت ممكنا إبقاء النزاعات السياسية بين العلمانيين والإسلاميين ضمن معايير النقاش الديمقراطي، وأسهمت في فوزه بالانتخابات الرئاسية في العام نفسه، ليصبح أول رئيس منتخب ديمقراطياً في تونس. ولكن، ماذا عن النصف الفارغ من الكأس؟
تجذّرت جزئيا الأزمة الدستورية والسياسية التي تركها السبسي للتونسيين، على الرغم من أسبابها الكثيرة، في دستورٍ يجد حقوقيون وقانونيون في لغته المعقدة غموضا في تحديد صلاحيات السلطتين، التنفيذية والتشريعية، والعلاقات بينهما. أما تقديم موعد الانتخابات الرئاسية بعد رحيله إلى 15 سبتمبر/ أيلول (المهلة التي يمنحها الدستور لانتخاب الرئيس هي 90 يوما) بدلا من 17 نوفمبر/ تشرين الثاني، والإبقاء على موعد الانتخابات التشريعية من دون تغيير في 6 أكتوبر/ تشرين الأول، أدى إلى خلط الأوراق، واضطرار الأحزاب السياسية التونسية المتنافسة إلى إحداث تغيرات جذرية في تكتيكاتها، وخططها الانتخابية، بعد أن كانت تأمل أن تمنحها الانتخابات التشريعية قاعدة جماهيرية كافية لدعم مرشحها الرئاسي. أما فوز رئيسٍ من دون تمثيل برلماني، فيضع أمامه عقباتٍ تشريعية كثيرة، ويعوق المضي في أي 
مبادرة تشريعية في مواجهة سلطة البرلمان، من دون أي فرص لتعديلات دستورية، توسّع نطاق صلاحيات الرئيس التنفيذية، توفرت للسبسي.
ومن جهة أخرى، لا يتيح القانون الانتخابي التونسي الحالي حصول أي طرفٍ على أغلبية تمكّنه من الحكم منفردا، ما يعني أن التوافق ضرورة، لكنها أصبحت سياسة ذات حدّين، فنتيجة التوافق بين الإسلاميين والعلمانيين في العام 2015 على عدم استغلال السلطة التشريعية، أو المحاكم، أو الشرطة، لتقويض الحقوق الأساسية، لم تستطع حكومة وقف إطلاق النار السياسي الهش القائمة تعبئة أغلبيةٍ تشريعيةٍ لصالح التوجيهات الاجتماعية، أو السياسية الحاسمة (قد يتكرّر ذلك مع قانون المساواة بين المرأة والرجل في الميراث الذي سيكون قضية مهمةً في الجلسات البرلمانية بعد 6 أكتوبر/ تشرين الأول، ما يعمق الانقسام داخل البرلمان). انتهى الاستقرار السياسي الذي توفر بفضل سياسة قائمة على التوافق بشلل تشريعي أضعف الديمقراطية الناشئة، وحافظ على نظام دستوري هش، فتعطّلت، إلى جانب المحكمة الدستورية، هيئات دستورية أخرى، نحو: هيئة الحوكمة الرشيدة، هيئة حقوق الإنسان.
سارت سفينة الديمقراطية التونسية القلقة بحكمة الرّبان السبسي، وشخصيته زعيما وطنيا، ولكن تلك الشخصية تشابكت غير مرة مع شخصيته الحزبية، ولم يترك وراءه إرثا مؤسّسيا يتجاوز ما تركه لابنه في حزب نداء تونس خلال سنوات حكمه. ومع كل فطنته السياسية، فشل السبسي في فهم التأثير الذي ستُحدثه حركته لتثبيت ابنه، حافظ السبسي، على رأس نداء تونس على الكتلة الليبرالية التونسية، في غمرة محاولته البقاء مسيطرا على شؤون الحزب. أغضبت 
هذه "الخلافة الأسرية" مؤيدي الرئيس داخل "نداء تونس"، وكانت أحد عوامل مغادرتهم الحزب، وتشكيل "تحيا تونس"، يقودهم رئيس الوزراء، يوسف الشاهد، الذي اضطر إلى الاعتماد على دعم "النهضة" برلمانيا، حفاظا على حكومته واقفةً على قدميها في وجه حملة الرئيس السبسي عليها. قطع السبسي الأب علاقاته بحركة النهضة عقابا لها على رفضها تأييد تصويتٍ بحجب الثقة عن رئيس الوزراء. لم يؤد ذلك إلى الإسهام في حصول الحركة على أكبر عدد من المقاعد في البرلمان وحسب، بل أعطت أيضًا قادتها سببًا لظهورهم بمظهر المكرّس لمبدأ الوحدة الوطنية، والاستقرار، بينما عانت سمعة الباجي السبسي زعيما وطنيا كبيرا، حين لم يتمكّن من الترفّع عن صراعٍ على السلطة أشعله بنفسه، بدعمه جهود ابنه لتحدّي المدير التنفيذي لـ "نداء تونس": محسن مرزوق الذي فضّل دعم الشاهد، والذي ارتبط بقاؤه قويا بتوافقٍ جديد بين الأحزاب العلمانية والقوى الإسلامية، بشأن ترتيبٍ لتقاسم السلطة.
السبسي في أذهان غالبية التونسيين زعيمٌ تفوّقت إسهاماته على عيوبه، لكنه مع ذلك ورّثهم أزمة اقتصادية متصاعدة، وفراغا سياسياً هائلاً في السياسة التونسية المشحونة، في ظل صراع سياسي مكثّف في قلب المؤسسات الديمقراطية الناشئة، قد يحتاج معها التونسيون الانطلاق أولا من برلمانٍ يحظى بأغلبية حقيقية ومتماسكة.