سونيا ريكييل... رحيلٌ للمرة الثانية

29 يوليو 2019
الصورة
حرّرت ريكييل الشكل من قيود القيم الجمالية "المهذّبة" (Getty)
صُدم عالم الأزياء عام 2016 برحيل المصممة الفرنسية، سونيا ريكييل. هذا العام، وإثر حكم قضائيّ، تباع دار الأزياء الخاصة بها نتيجة الإفلاس، وعدم إيجاد شارٍ مُحتمل لها، بعد سلسلة من المشترين الذين لم يتمكنوا من إحياء الدار التي تأسست عام 1968. والمثير للحزن، أن محلاتها السبعة في فرنسا ستباع، الأمر الذي سيترك أكثر من مائة موظف بدون عمل. 

رحيل ريكييل ودار الأزياء الخاصة بها، خسارة لواحدة من آخر المصممات التي تبنت مفاهيم كوكو شانيل. فريكييل ركّزت على الزيّ العادي، وحررت المرأة منذ الستينيات من اللباس الرسمي وذلك "المتقن"، نحو أزياء حيويّة وأقلّ جديّة. فما أطلق شهرتها هو "كنزة الشاب الفقير" التي وصلت إلى غلاف مجلة "Elle" لاحقاً. وهي التي بدأت بالصدفة، كونها لم تجد ما ترتديه في أحد الأيام. سلسلة الكنزات ذات الأكمام القصيرة والضيقة، والخطوط الصوفيّة المتنوعة، أصبحت علامة مميزة ارتبطت باسم ريكييل، بفضل الممثلة البريطانية، أودري هيبرون، والتي اشترت 14 كنزة من كل الألوان. والمثير للاهتمام أن ريكييل قالت إنها كانت تصمم الكنزات لنفسها، لتناسبها وتحررها من الشكل التقليدي للأزياء النسائيّة.

هذه النزعة للتحرر من الأزياء الرسميّة، جعلت ريكييل تمشي على خطى كوكو شانيل، فالأزياء "الراقيّة" جعلت من المرأة أنموذجاً مقيد الحركة، لتأتي ريكييل لتحرير الشكل من قيود القيم الجمالية "المهذّبة"، نحو لباس أكثر حيويّة، ملائم لكل الأعمار، فكشفت عن الأذرع، ونفت قداستها ولاوظيفيتها المخبأة وراء الأزياء أو عريها الكامل، لتبدو مرهفة في ذات الوقت، وعمليّة قادرة على إنجاز المهام. ولتتحول ريكييل إلى أيقونة للثقافة الشعبيّة، إذْ تحضر في لوحات أندي وارهول بشعرها الأحمر الناريّ.

توظف ريكييل الصوف في أعمالها. شكله الثقيل وحدوده الفضفاضة تتلاشى أمام أناقة التصميم وملاءمته لانحناءات الجسد، هو ليس فقط للتدفئة، بل أيضاً أسلوب لتزيين الحواف. هذه المقاربة للثياب بوصفها أسلوب حياة، جعلت ريكييل أكثر ابتكاراً. إذ تتركُ الحواف غير كاملة الخياطة، وتوظف الشعارات في أزيائها منذ بداية مسيرتها حتى آخر مجموعاتها. كأن نقرأ على كنزة صوفية كلمة "نجمة" أو "أحبب نفسك". والأهمّ، أنَّها جعلت ارتداء الثياب "بالعكس" أمراً شعبياً، وكأن في ذلك تحرّراً من الشكل المفترض. فالحسّ بالأناقة لا يرتبط بالأزياء نفسها، بل بالقدرة على إعادة توليفها، ونفي توظيفها الرئيسي، إذْ لا ترى الأزياء جهداً جمالياً، بل موقفاً من العالم المصمم بدقة. ولتأتي المرأة بأزيائها أشبه كدعوة للتحرر، موجهة للجميع. دعوةُ تتجلى جسدياً أثناء الحياة اليوميّة في الفضاء العام.

تحضر في تصميمات ريكييل على طول مسيرتها الخطوط الأفقيّة، تلك التي تلاحق الجسد ومنحنياته لتعطيه إيقاعاً ذاتياً، وسكوناً من نوعٍ ما، سببه التكرار. فالخطوط المتوازيّة أشبه بإيقاع ذاتي مستمر، خصوصاً ذات اللون الأسود الذي ترى فيه "لوناً منفصلاً، لأن يعطي لوناً لكل الألوان".

هذا الألق ومسّ اللحم بالقماش حد التطابق، نرى عكسه في تصميمات البذلات التي اشتهرت بها. البذلات الفضفاضة والحريريّة، والتي تمنح الجسد غواية خفيّة، يتحرك حراً بين طبقات القماش التي يتخللها الهواء إثر حركات الأطراف، هي قطيعة مع "الأنوثة التقليديّة" نحو شكل جديد، وكأننا أمام إعصار مُصغّر يتحرّك، إعصار قادر على التغيير، لا يقف في وجهه شيء.
شهرة ريكييل ازدادت بعد توظيفها لمفاهيم تقنيات "جاهز للارتداء- prêt-à-porter"، وهي الأزياء المصنعة بكميات كبيرة، ويمكن ارتداؤها فوراً من على الرف، بعكس تلك التي تحتاج لتجهيز قبل ارتدائها، كعمليات الضبط والشد لتكون ملائمة. لكن الاختلاف أنها لم تستخدم الأزياء الموحدة المملة، والتي يمكن الاستغناء عنها. بل عمدت إلى إضافة لمسة فنية، وهذا ما نتعرف عليه أكثر في الفيلم الشهير "جاهز للارتداء" المنتج عام 1994، والذي تظهر فيه ريكييل بوصفها التي أوحت للمخرج بالفيلم، بعد حضوره واحدا من عروضها.

شاركت ريكييل في ثورة الطلاب الفرنسيين 1968، ووقفت جنباً إلى جنب مع مفكري تلك الحقبة. وفي الذكرى الثلاثين للثورة، كانت واجهات محلاتها تحوي ثلاث كنزات إلى جانب الكتب. وكأن الأزياء ذاتها أسلوب للاحتجاج الثقافيّ، وذات قدرة على التأثير، مشابهة لتلك التي تمتلكها الكلمات. إذ تقول مثلاً إن البنطال رمز للمساواة، لكن لا المساواة مع الرجال، بل مع النساء اللاتي يمتلكن سيقانا جيدة. هذه التعليقات التي تركز على جمال المرأة، لا تبدو نسويّة بالنسبة للكثيرين، وهذا ما تشير ريكييل إليه بقولها، إنها ليست ناشطة نسويّة، ولم تلعب دوراً في الحراك النسوي، وتضيف: "النسويّة أثرت بي، لكني لست ناشطة، بالنسبة لي أكبر ثورة في القرن العشرين كانت حبة منع الحمل. كانت ثورة في تحرير روح المرأة".

نشرت ريكييل العديد من الكتب عن الأزياء وأخرى للأطفال. وأول كتاب لها صدر عام 1979 بعنوان "أريدها عاريّة" والأخير صدر عام 2012 بعنوان "لا تنس أنها لعبة"، والذي تتحدث فيه عن مرضها الذي أخفته طويلاً. فالمصممة مصابة بالباركنسون تقول في الكتاب: "لم أرد أن أظهر ألمي، قاومت، ترددت، حاولت أن أكون خفيّة، وأن أدّعي أنه لا يوجد مشكلة، لكن الأمر مستحيل، ولا يشبهني".

دلالات

تعليق: