سلمون ومصارعة الثيران

13 اغسطس 2020

أحب تاجر الأبقار "أبو عمشو" الفتيين الشقيين سلمون وأحمدوني.. سحرته طريقتُهما في المبالغة والتهويل واختلاق الروايات الكاذبة وخلط الأمور ببعضها، ووافق، طبعاً، على تشغيلهما عنده في المبقرة، بعدما خاطب نفسه قائلاً إن شرب كأس من الشاي مع هؤلاء المسطولين بعد يوم عمل شاق يسلي الإنسان أكثر مما تسليه فصفصةُ نصف كيلو بزر عباد الشمس.

كمال: حكيت لكم في السهرة السابقة على اللقاء الأول اللي صار بين سلمون وأحمدوني وأبو عمشو. وبالفعل سلمون وأحمدوني دخلوا بتجربة حياتية إيجابية لأول مرة في حياتهم، يعني ما عاد في داعي يسرقوا شعيبيات من بسطة الحاج ناعس، ولا في ضرورة يسرق سلموني سندويشة فلافل من خالد المعرّيوي وخلي أهله يعلقوا مع بيت المعراوي علقة وخيمة، لأنه بعدما قبلهم أبو عمشة للشغل عنده صاروا كل يوم خميس يقبضوا إجرتهم من أبو عمشو، وصار بإمكانهم يشتروا الشي اللي بيشتهوه وما يتحملوا منية من حدا.

أبو محمد: يعني فينا نقول إنه القصة انتهت؟

كمال: له يا عمي أبو محمد، له. إنته بتعتقد إنه قصة بطلها سلمون ممكن تنتهي بهالبساطة؟

أبو محمد: أيوه، يعني صار شي تاني؟

سلمون: كذاب أحمدوني، لما أنا أكلت قتلة من التيران كان آخد إجازة. بتعرف عمي؟ اليوم أمه لأحمدوني ضربها التركتور.. أنا شفتها اليوم في المستشفى، بقسم الجراحة العظمية رجال!

كمال: طبعاً، صار شي مهم وخطير. يا سيدي، بعد شي تلات أسابيع من بداية العمل، وكان سلمون في يوم عطلته الأسبوعية، قاعد في البيت عم يتفرج ع التلفزيون، شاف برنامج عن مصارعة الثيران، وهون بلش جانب الشقاوة والحقارة يتفاعل بنفسه.. وفجأة خطرت له فكرة جهنمية.. صار يتطلع في أبوه، ويدبل عينيه، ويتثاءب بصوت عالي، شي تلات أربع مرات حتى صار أبوه يتثاءب، وتركه وراح ع النوم. وبعدما تأكد إنه أبوه غط في النوم، راح ع الخزانة اللي كانت والدته المرحومة حاطة تيابها فيها، وبعد بحث طويل بين تيابها لقى توب أحمر، سحبه من بين التياب، وراح عالمطبخ، وجاب مقص، وصار يقصقص، لحتى عمل قطعة قماش حمرة مستطيلة، لفها على بطنه، ولبس فوقها البيجاما حتى ما يشوفها والده، ونام، والصبح فاق بكير، لبس تياب الشغل فوق القماشة الحمرا، وراح ع المبقرة، وبعدما داوم شي ساعة زمان، دخل على زريبة الثيران، وبلش يصفر بفمه، وسحب قطعة القماش الحمرا وصار يلوح فيها لواحد من التيران، وعينك يا عمي أبو محمد ما تشوف إلا الخير، معظم التيران الموجودين في الزريبة صاروا ينطحوا بطل قصتنا سلمون، وهوي يوبول، لحتى العمال الموجودين اندفعوا للداخل، وبصعوبة بالغة تمكنوا من سحبه من بين براثن التيران، وشالوه على البيك آب الزراعي، وسطحوه ورا.. وبهاللحظة انتبه أبو عمشو للحادثة، وركض ع البيك أب، شغله وساقه بسرعة جنونية لحتى وصل ع المستشفى الوطني بإدلب، وبسرعة أجوا الأطباء المقيمين والممرضين والممرضات، واشتغلوا بتضميد سلمون، ولفه بالقطن والشاش حتى صار بيستاهل الفرجة.

أم زاهر: أكيد صار في كسور في جسمه.

كمال: ما عندي فكرة عن تفاصيل الأذى اللي لحق بجسمه، لكن المهم إنه بقي عايش، وراح ع البيت، ودق جرس الباب. أبو سلمون كان بيعرف إنه إبنه في الشغل، ولذلك لما شاف هالولد المضمد ما عرفه.

قال له: أهلا وسهلا يا عين عمك، إنته إبن مين؟

رغم كل البلاوي الزرقا اللي مر فيها سلمون، ضحك وقال له: له يا ياب له. أنا إبنك الوحيد وما عرفتني. شلون لو كان عندك عشر ولاد؟

تابع كمال قائلاً: القصة هون بلشت تنتقل من خانة الدراما والحزن والقلق على سلمون من مضاعفات الحادث، لخانة الكوميديا. سبق وقلت لكم إنه أبو سلمون ما بيحب ياخد معلوماته من سلمون، لأنه سلمون بيكذب، وبيحكي القصة الوحدة بروايات متناقضة. لذلك قال له: الحمد لله ع سلامتك يا إبني. روح على غرفة القعود، تسطح وريح نفسك.

سلمون: ما بدك تسألني أيش صار معي؟

أبو سلمون: لا والله ما بدي إسألك. لأني أنا ما بحب الكذب، ولا بدي أحيجك تكذب علي. اللي شايفه قدامي هلق معناته إنه تعرضت لحادث لكن مرقت. بركي إن شالله في المرة الجاية بتروح فيها. الله كريم. بتعرف يا سلمون إنته إذا بتموت أيش بيصير؟

سلمون: أيش بيصير ياب؟

أبو سلمون: أنا بزعل عليك شهر وشهرين وسنة وسنتين.. لكن بنفس الوقت بخلص منك ومن مشاكلك. بتعرف إنه الولد الميت هوي الوحيد في الدنيا اللي ما بيسبب مشاكل لأبوه؟
في هاي الأثناء سمع أبو سلمون جرس الباب عم يرن. فتح الباب لقى أخوه أمجد جاية وملهوف عم يسأل: وينه سلمون؟ وينه؟ الحمد لله ع سلامته. رحت ع المستشفى خبروني إنه إجا ع البيت.

سلمون: أهلين عمي أمجد. جيت بوقتك. تعا لإحكي لك أيش صار معي.

أمجد: يا ريت والله. تفضل. احكي لي.

يا عمي أنا ما كنت بعرف إنه هادا أبو عمشو رذيل وساقط. نحن قاعدين عم نشتغل في المبقرة شفنا تلات بيكآبات مليانات رجال، وكلهم مسلحين بالعصي والرفوش والكريكات، نزلوا قدام المبقرة وصاروا يسبوا على أبو عمشو، لأنه كان راكب ببيكآبُه ولاحق بنت من عيلتهم وعم يلطشها حكي. نحن العمال لما شفنا كل هالرجال جايين يضربوا أبو عمشو ما هان علينا، شلنا العصي وطلعنا، وعلقنا معهم.. المشكلة يا عمي هني أكتر منا.. غلبونا، وأنا غاب وعيي، ولما صحيت لقيت حالي في المستشفى.

ضحك العم أمجد عالياً وقال بلغة العارف: كنت عم تدافع عن أبو عمشو؟ ولا عملت مصارعة تيران والتيران صفقوك قتلة حشك ولبك؟

أحس سلمون بالارتياب وسأل عمه: أنت مين حكى لك هالشي؟

قال أمجد: رفيقك أحمدوني، سمع إنك مضروب أجا عالمستشفى ولما سألته حكى لي وقال لي إنك أكلت قتلة من التيران.

سلمون: كذاب أحمدوني، لما أنا أكلت قتلة من التيران كان آخد إجازة. بتعرف عمي؟ اليوم أمه لأحمدوني ضربها التركتور.. أنا شفتها اليوم في المستشفى، بقسم الجراحة العظمية رجال!

قال أمجد: عن جد؟

ضحك أبو سلمون وقال لأخوه أمجد: كبر عقلك خاي أمجد. أم أحمدوني ماتت من عشر سنين. الله تعالى يلحق الحبل بالدلو. قول: آمين!