سلطة الممانعة والاحتماء بالوصاية الفرنسية في لبنان

18 سبتمبر 2020
الصورة
+ الخط -

أزمات اقتصادية، انهيار مالي ونقدي، عجز في الخزينة ومديونية تقارب مائة مليار دولار، فضائح فساد ونهب للمال العام بالعشرات تزكم الأنوف، فضائح مكشوفة وماثلة للعيان، كأزمة الكهرباء المستمرة منذ ثلاثين سنة، والتي بلغت مديونيتها نحو أربعين مليار دولار، انتفاضة شعبية شبابية عابرة للطوائف مستمرة منذ نحو عام، كوارث بحجم انفجار أشبه بقنبلة ذرية يدمر أهم مرفأ على المتوسط، ويحصد معه أحياء سكنية بكاملها في وسط بيروت، ويوقع نحو مائتي ضحية، يتبعه بعد شهر حريقٌ مفتعل في المرفأ لمحو آثار الانفجار الذي وصفه بطريرك الموارنة بـ"جريمة ضد الإنسانية"، وطالب بتحقيق دولي بشأنه و.. و.. وما يزال المسؤولون عن هذا الخراب الأبوكاليبتي في مكانهم لا يتزحزحون، صم وليسوا بكما! لا يزال أركان السلطة الفريدة من نوعها بين أصناف المتعطشين إلى السلطة والنفوذ والكراسي على وجه الكرة الأرضية يمارسون بكل برودة أعصاب نفوذهم وسطوتهم على دولةٍ في طور الانحلال، حتى قال فيهم أسقف بيروت لطائفة الروم الأرثوذكس "سياسيون يدمنون فن الرقص على الجثث". لم يشعر أحد منهم بأن عليه أن يتحمّل المسؤولية، أن يستقيل، أن يعترف بخطأ ما، أن يقول كلمة مواساة بدءا برئيس الجمهورية ميشال عون الذي صبّ كل جهده منذ انتخابه قبل اربع سنوات (31 أكتوبر 2016) على استعادة ما أسماها صلاحيات الرئاسة التي انتزعت برأيه في "اتفاق الطائف" (1989)، فأقام كباشا مع رئيس الحكومة، وراح يتعدّى على صلاحياته، واتخذ لنفسه لقب "الرئيس القوي"، مدغدغا أحلام مسيحيين محبطين يشدّهم الحنين إلى زمن مضى، ليعلن غداة الإنفجار بالفم الملآن أن لا صلاحية له على ما يجري في مرفأ بيروت، لكي يبرّر عدم اتخاذه أي إجراء، على الرغم من أنه أحيط علما قبل اسبوعين من حصول الانفجار بخطورة المواد المخزنة في عنابر المرفأ، إلى رئيس الحكومة، حسان دياب، الذي سارع إلى تشكيل لجنة تحقيق بعد ساعاتٍ على وقوع الانفجار، ووعد بإعلان النتائج خلال خمسة أيام. وها قد مر نحو شهر ونصف على الانفجار والتحقيق يراوح مكانه. إلا أنه أجبر، فيما بعد، على الاستقالة، لأن أصحاب القرار اضطروا للاستغناء عن خدماته، من أجل التكيف مع الضغط الفرنسي. ولم يستقل طبعا أي وزير معني ولا أي مدير مسؤول، وتم توقيف فقط بعض المسؤولين في المرفأ كبش محرقة، عوضا عن الرؤوس الكبيرة، فيما ضغط عون نفسه لإطلاق سراح أحد المحسوبين عليه. سلطة لم يستفزها أو يعني لها شيئا أن جميع الدول التي سارعت إلى تقديم العون، وإرسال المساعدات الإغاثية العاجلة، اشترطت تسليمها إلى مؤسسات وهيئات من المجتمع المدني، لا إلى المؤسسات والإدارات الحكومية التي لا ثقة لها بها.

وصل الرئيس الفرنسي، ماكرون، إلى بيروت، غداة الانفجار في 6 أغسطس/ آب ليتضامن مع اللبنانيين، حاملا معه مبادرة لمحاولة الخروج من المأزق، وتوجه فورا للوقوف على معاناة الناس التي تفترش الشارع في الأحياء المنكوبة، قبل أن يصعد إلى القصر الجمهوري، ثم جمع كل قيادات الأحزاب والقوى السياسية في مقر السفارة الفرنسية وأعطاهم مهلة ثلاثة أسابيع، لتشكيل حكومة إنقاذ غير حزبية، مهمتها إطلاق الإصلاحات الضرورية للنظام الاقتصادي والبنى التحتية. ونظم فور عودته إلى باريس مؤتمرا لدعم وتمويل الحملة الإغاثية لمعالجة ذيول كارثة المرفأ، جمع نحو 300 مليون يورو، على أن يعود في الأول من سبتمبر/ أيلول لـ"يحتفل" بالذكرى المئوية الأولى لقيام دولة لبنان الكبير. 

يحتمي طاقم السلطة الممانع والرافض "الاستكبار الغربي" بالوصاية الفرنسية، ليتقي شر الإدارة الأميركية.

لم يأبه أركان سلطة الممانعة للاهتمام والجهد الفرنسيين، ولم يحرّكوا ساكنا، كل بحساباته الضيقة والفئوية، الطائفية والمذهبية والزبائنية. وقبل وصول ماكرون بساعات، تم اختيار شخصية بإيعاز منه لتشكيل الحكومة الموعودة، وما زالت عملية التشكيل تراوح مكانها منذ أسبوعين، على الرغم من أن خطة الرئيس الفرنسي ساهمت عمليا في تعويم أركان سلطة مليشياوية في معظمها، يكرهها اللبنانيون، ويحقد عليها بعضهم، وآخرون يحزمون حقائبهم إلى بلاد الهجرة. وقد سجل على ماكرون انفتاحه على حزب الله ولقاؤه أحد وجوهه القيادية، ولم يتكلم عن ضرورة تطبيق القرارات الدولية الخاصة بلبنان، وتحديدا قرار مجلس الأمن 1559 الذي ينص على ضرورة حل المليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم سلاحها، متوّهما إمكانية إقناع حزب الله، الإيراني الولاء، بـ"العودة إلى لبنان" بحسب ما نقل عن لسانه. وهذا ما أخذته عليه مجموعات كثيرة في الحراك الشعبي الرافض أي عملية تعويم للسلطة، والتغاضي عن مسألة السلاح غير الشرعي. وهذا هو الأمر الذي تحاشاه مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى، ديفيد شينكر، الذي وصل إلى بيروت في خلال وجود الرئيس الفرنسي، وحرص على عدم لقاء أي من المسؤولين الرسميين، ومكث ثلاثة أيام، التقى خلالها مع مجموعاتٍ من الحراك في الشارع، ومع نواب معارضين قدّموا استقالاتهم من البرلمان، احتجاجا على تقاعس السلطة وتعنتها. وفي ما بدا أنه تباين (أو عرقلة؟) مع المبادرة الفرنسية، أعلن شينكر أن الإدارة الأميركية ترفض أي مشاركة لحزب الله في الحكومة، وأن عقوبات ستفرض على حلفاء نصرالله وكل من هو متورّط في قضايا فساد من الطبقة السياسية. 

لم يحرّك أركان سلطة الممانعة للاهتمام والجهد الفرنسيين ساكناً، كل بحساباته الضيقة والفئوية، الطائفية والمذهبية والزبائنية

وهنا على الأرجح بيت القصيد الذي سيدفع طاقم السلطة الممانع والرافض "الاستكبار الغربي" إلى أن يحتمي بالوصاية الفرنسية، لكي يتقي شر الإدارة الأميركية. وهذا ما حصل، إذ ما إن غادر شينكر لبنان، حتى أعلنت الخزانة الأميركية عن فرض عقوبات على شخصيتين مفصليتين في قوى المحور الذي يتزعمه حزب الله، وهما الوزيران السابقان، علي حسن خليل، الذراع الأيمن لرئيس مجلس النواب ورئيس حركة أمل، نبيه بري، والمتهم بقضايا فساد عندما كان وزيرا للمال عدة سنوات، ويوسف فنيانوس، ضابط الارتباط بين زعيم تيار المردة، سليمان فرنجيه، وحزب الله، والمتهم بأنه سرّب معلومات ووثائق من المحكمة الدولية الخاصة بلبنان إلى حزب الله، أدت إلى اغتيال الرائد المهندس وسام عيد الذي لعب دورا مفصليا في كشف شبكة الاتصالات المعقدة التي استخدمها عناصر من الحزب في تنظيم عملية اغتيال رفيق الحريري. وجاء قرار العقوبات هذه بمثابة ضربة قاصمة لبرّي الذي يحاول باستمرار أن يدوّر الزوايا، ويلعب دور المخرج والمسوق لما يريده نصرالله، والقابض على ورقة التفاوض مع إسرائيل بشأن ترسيم الحدود البحرية عبر الوسيط الأميركي، والتي هي أساسا من صلاحيات رئيس الجمهورية، وربما قاضية على طموح فرنجيه الرئاسي الذي يراهن على علاقاته الجيدة مع معظم الأطراف اللبنانية، وتحديدا مع سعد الحريري، وعلى علاقاته مع فرنسا التي تبنّت ترشيحه عام 2016 عندما كان هولاند لا يزال رئيسا للجمهورية، قبل فرض عون رئيسا في نهاية ذلك العام. كما وأعلنت الإدارة الأميركية أن عقوبات أكبر وأشمل ستفرض على شخصيات لبنانية أخرى. فهل أن هدف واشنطن هو فقط الاستمرار في تشديد الضغط على حزب الله، بهدف عزله لبنانيا أم السعي إلى إفشال مبادرة ماكرون التي تبقي الباب مفتوحا أمام نصرالله، ومنه تعزيز الجسور مع ملالي إيران، وثم استطرادا استعادة قوة الإطلالة على المتوسط في مواجهة تركيا؟ أم أنها خطة منسقة ضمنا بين الطرفين، لمحاصرة الفريق السياسي الفاشل والمكابر، طالما أن الشارع لم يتمكّن من إسقاطه، وإجباره على الإبتعاد عن حزب الله، والتخلي عن السلطة، ولو فترة مؤقتة؟ فهل ستنجح فرنسا في فرض حكومة من خارج سلطة الأحزاب وسطوتها، قبل انتهاء المهلة التي حدّدها ماكرون؟